samedi 30 août 2025

subtitles

(subtitles) التي تصلح لتكون تحت العنوان المختار، بحيث تُعطي الكتاب طابعًا فلسفيًا وشاعريًا: ✦ لو اخترت العنوان: "Ashes and Dawn" "Haiku on loss, silence, and renewal." "Between what falls and what begins again." "Fragments of night, whispers of light." ✦ لو اخترت العنوان: "Lanterns in the Mist" "Small illuminations in the unknown." "Haiku as fragile lights for wandering hearts." "Where even silence carries a flame." ✦ لو اخترت العنوان: "Where Silence Blooms" "The hidden garden of words unsaid." "Haiku born in the pause between breaths." "Echoes turning into flowers of quiet."

عناوين مقترحة

عناوين مقترحة: بعض الاقتراحات لعناوين بديلة أكثر شاعرية ورمزية من Echoes of Silence، "Whispers Between Shadows" → همسات بين الظلال: يلمّح للحزن والرمزية. "Ashes and Dawn" → رماد وفجر: يجمع بين السقوط والبعث. "Lanterns in the Mist" → فوانيس في الضباب: صورة شاعرية وغامضة. "Where Silence Blooms" → حيث يتفتّح الصمت: رمز للتأمل والتحوّل. "The Unfinished Light" → الضوء الذي لم يكتمل: يوحي بالبحث المستمر والأمل المفتوح.

✦ Echoes of Silence

✦ Echoes of Silence A Small Haiku Journal ✦ Preface Haiku is the art of seeing — a single moment held still, where nature whispers what the heart cannot. This journal gathers three paths: sorrow, mystery, and light. Each path is brief, yet endless in its echo. Part I: Fallen Shadows (Haiku of Sorrow) 1. Falling autumn leaves, hearts scatter with the silence, no dawn to return. 2. Soft rain on my face, yet the sorrow will not fade — a shadow remains. 3. A broken half-moon, searching through the heavy clouds for a friend it lost. 4. Evening wind arrives, opening my window wide, leaving nothing there. 5. Morning sun appears, washing all the night away, I am born again. Part II: Silent Symbols (Haiku of Mystery) 1. A lone dark cloud drifts, the mountain does not answer, shadows fade to dusk. 2. River on a stone — names of countless passersby washed into silence. 3. Almond tree in bloom, whispers hide among the petals, a secret unseen. 4. Broken silver moon, half sinks into the still lake, half remains in sky. 5. Northern wind scatters ashes over empty fields — the night softly smiles. Part III: Toward the Dawn (Haiku of Renewal) 1. Deep and silent night, a single step in the dark searches for the dawn. 2. Faint horizon glow, the silence begins to breathe — morning almost here. 3. Spring wind through the grass, lifting the weight of the earth, soft laughter returns. 4. First ray of sunlight breaks open the heavy sky — all shadows retreat. 5. In the rising sun my hands feel strangely lighter, as if they are new. ✦ Closing Every shadow falls, every silence finds its voice — in the light of dawn.

Haiku 3

✦ Haiku 1 – Night Deep and silent night, a single step in the dark searches for the dawn. ✦ Haiku 2 – Horizon Faint horizon glow, the silence begins to breathe — morning almost here. ✦ Haiku 3 – Spring Spring wind through the grass, lifting the weight of the earth, soft laughter returns. ✦ Haiku 4 – Light First ray of sunlight breaks open the heavy sky — all shadows retreat. ✦ Haiku 5 – Renewal In the rising sun my hands feel strangely lighter, as if they are new.

Haiku2

✦ Haiku 1 – Cloud A lone dark cloud drifts, the mountain does not answer, shadows fade to dusk. ✦ Haiku 2 – Stone River on a stone — names of countless passersby washed into silence. ✦ Haiku 3 – Blossom Almond tree in bloom, whispers hide among the petals, a secret unseen. ✦ Haiku 4 – Moon Broken silver moon, half sinks into the still lake, half remains in sky. ✦ Haiku 5 – Wind Northern wind scatters ashes over empty fields —

Haiku

✦ Haiku 1 – Autumn Falling autumn leaves, hearts scatter with the silence, no dawn to return. ✦ Haiku 2 – Rain Soft rain on my face, yet the sorrow will not fade — a shadow remains. ✦ Haiku 3 – Moon A broken half-moon, searching through the heavy clouds for a friend it lost. ✦ Haiku 4 – Wind Evening wind arrives, opening my window wide, leaving nothing there. ✦ Haiku 5 – Dawn Morning sun appears, washing all the night away, I am born again.

ومضات الإهداء

ومضات الإهداء إلى الذين يفتّشون عن شمسٍ في العتمة. إلى القلوب التي ما زالت تنبض رغم الرماد. إلى مَن يُصادقون الصمت ليكتبوا منه أغنية. إلى المسافرين على دروبٍ لا تنتهي. إلى كل ظلٍّ يبحث عن ضوءٍ يشبهه. // ومضات الختام وفي النهاية، لم يبقَ سوى أثرُ ضوءٍ يتردّد في الصمت. كلُّ طريقٍ يذوب، لكن الحبرَ يظلّ يفتح أبواب الفجر. ها أنا أترك كلماتي تتناثر مثل أوراقٍ في الريح. ربما القصيدة لم تنتهِ… إنما غادرت لتواصل في قلب آخر. الهايكو الأخير: ظلٌّ يبتسم حين يعبره الضوء.

إهداء

إهداء إلى كلّ مَن رأى في العتمةِ نورًا، وفي الرمادِ حياة، وفي الصمتِ قصيدة لم تُكتب بعد. // ✦ ١. إهداء وجداني إلى الذين يسيرون مثلي بين حزنٍ يثقل الخطى ونورٍ يعدهم بفجرٍ جديد. ✦ ٢. إهداء رمزي إلى الظلالِ التي تتفتّت حين يلمسها القمر، وإلى القلوب التي تحترق لتُضيء للعابرين طريقهم. ✦ ٣. إهداء فلسفي إلى العابرين في ممرّات الوجود، إلى مَن أدركوا أن كلّ سقوطٍ ما هو إلا طريقة أخرى للتقدّم نحو الضوء.

مقدّمة الديوان

✦ مقدّمة الديوان الهايكو ليس كلمات قليلة فحسب، بل هو التقاط للّحظة، حين يختلط صمت الروح بهمس الطبيعة. في كل مشهدٍ صغير، يختبئ كونٌ كامل، وفي كل صورة عابرة، يتردّد صدى لا ينطفئ. هذا الديوان الصغير هو محاولةٌ لتسجيل تلك اللحظات، حين يسقط ورق الخريف، أو يبتسم الليل، أو تشرق شمسٌ جديدة في قلبٍ أرهقه الغياب.

ديوان هايكو

ديوان هايكو صغير السلسلة الأولى: دفتر الحزن (من الخريف إلى الضباب) 1. أوراقُ الخريف، تتساقط مثل قلوب لم تجد فجرًا. 2. تحت المطرِ الخفيف، أخفيتُ وجهي طويلًا — لم يذُب الحزن. 3. قمرٌ شاحب، يبحث في الغيوم عن ظلِّ صديق. 4. رياحُ المساء، تفتح نافذتي — ولا تترك شيئًا. 5. صوتُ العصافير يتلاشى مع الضباب، كذكرى بعيدة. السلسلة الثانية: من العتمة إلى النور (رحلة التحوّل والبعث) 1. ليلٌ كثيف، يتدلى فوق عيني مثل جدار. 2. خطوةٌ وحيدة، تفتش في الطريق عن أثرِ قمر. 3. على حافة الفجر يمتدُّ صمتي — كغصنٍ عطشان. 4. نسمةُ ربيع، تزيح ستائر الليل، فتبتسم الأرض. 5. شمسُ الصباح، تغسل وجهي بالضياء، كأنني جديد. السلسلة الثالثة: دفتر الرموز (هايكوات غامضة، مفتوحة على التأويل) 1. ظِلُّ غيمة، يعبر الجبل الصامت — لا يترك أثرًا. 2. حجرٌ في النهر، يمحو الموجُ حوله أسماءَ العابرين. 3. شجرةُ لوز، تُخفي في أزهارها صوتًا غريبًا. 4. قمرٌ مكسور، يتدلّى نصفُهُ فوق بحيرةٍ ساكنة. 5. ريحُ الشمال، تذرو الرماد البعيد — يبتسم الليل.

✦ دفتر هايكو3

✦ دفتر هايكو (رمزي وغامض) 1. ظِلُّ غيمة، يعبر الجبل الصامت — لا يترك أثرًا. 2. حجرٌ في النهر، يمحو الموجُ حوله أسماءَ العابرين. 3. شجرةُ لوز، تُخفي في أزهارها صوتًا غريبًا. 4. قمرٌ مكسور، يتدلّى نصفُهُ فوق بحيرةٍ ساكنة. 5. ريحُ الشمال، تذرو الرماد البعيد — يبتسم الليل.

دفتر هايكو 2

دفتر هايكو (من العتمة إلى النور) 1. ليلٌ كثيف، يتدلى فوق عيني مثل جدار. 2. خطوةٌ وحيدة، تفتش في الطريق عن أثرِ قمر. 3. على حافة الفجر يمتدُّ صمتي — كغصنٍ عطشان. 4. نسمةُ ربيع، تزيح ستائر الليل، فتبتسم الأرض. 5. شمسُ الصباح، تغسل وجهي بالضياء، كأنني جديد

دفتر هايكو

دفتر هايكو (خمسة مشاهد طبيعية) 1. أوراقُ الخريف، تتساقط مثل قلوب لم تجد فجرًا. 2. تحت المطرِ الخفيف، أخفيتُ وجهي طويلًا — لم يذُب الحزن. 3. قمرٌ شاحب، يبحث في الغيوم عن ظلِّ صديق. 4. رياحُ المساء، تفتح نافذتي — ولا تترك شيئًا. 5. صوتُ العصافير يتلاشى مع الضباب، كذكرى بعيدة.

هايكو

هايكو ١ أوراقُ الخريف، تتساقط مثل قلوب لم تجد فجرًا. ✦ هايكو ٢ تحت المطرِ الخفيف، أخفيتُ وجهي طويلًا — لم يذُب الحزن. ✦ هايكو ٣ قمرٌ شاحب، يبحث في الغيوم عن ظلِّ صديق. ✦ هايكو ٤ رياحُ المساء، تفتح نافذتي — ولا تترك شيئًا. ✦ هايكو ٥ صوتُ العصافير يتلاشى مع الضباب، كذكرى بعيدة.

نزيف

نزيف في يدي هذا الليل يصبح رمادا ينفلت من خلال أصابع ضعيفة وأنا أيضا أقع بعيدا عن نفسي أبحث عن نجمة الصباح لصد الظلام وأملأ المساحات حيث أضاء القمر ذات مرة هذا الحب المديد إلى الأبد حامل للضوء.

هايكو

المسافة ما بيننا … أُمّ قاسية … فطَمَت المواعيد قبل حولين،، // القمر، منارة وحيدة على طريق واحدة // إياك أن تظن أن الصمت نسيان فالأرض صامتة و في جوفها ألف بركان ! // في الصمت البارد، أترك الشوق يتلاشى، كأوراق الشجر المتساقطة.

قصائر

أنساك ؟! ووجهك ذاكرتي لا أتركه .. لا يتركنى أتقمّصُه .. يتقمّّصنى يتسلّل من لحظات النوم إلى أجيال اليقظة .. لا يهجرني أسكن فيه .. ويسكنني // فجأة ... الأيّام توقظني بالهمسِ تمَدُّ لي يداً، إذ أنا وحدي مع نفسي فلا أرى غيرَ ما أسلفتُ في الأمسِ // نحن لوحات ترسمنا الظروف والأقدار كيف تشاء .. لا نملك سوى أن نتدلّى من الجدار ..! // درع من اللامبالاة لا شيء يتخلله الكلمات والأفعال تتسرب في هوة مظلمة متناثرة فيها بقايا من قلوب مدمرة // لاشيء هناك... لا رجعُ صدى ولا صوتْ لا شيء هناك... غير الصمت والوحشة وظلّ الموتْ..

القانون

القانون ليس مجرد نصوص، بل حضور يحمي الحياة ويعلّم حدود الحرية. الرّدع العادل يغرس في النفوس احترام الآخرين والطبيعة، ويحوّل الانضباط من خيار إلى واجب. حين يدرك المواطن حدوده، يصبح فاعلًا في ضبط نفسه ومحيطه، ويعيش بانسجام مع المجتمع والطبيعة، فتتحول العدالة من شعارات إلى ممارسة يومية تحمي الكل وتزرع المسؤولية في كل فعل. /// القانون ليس حبرًا على ورق، بل قلب ينبض في فضاءات الحياة، يعلّم كل نفس حدود حريتها، ويزرع احترام الآخرين والطبيعة في أعماقها. الرّدع ليس عقوبة فقط، بل درس يومي في المسؤولية، يدفع كل فرد لأن يكون حارسًا لنفسه ومحيطه. حين يتماهى المواطن مع هذا الوعي، تتحوّل العدالة من كلمات إلى أفعال، ويصبح الانضباط شعورًا يعيش فيه، والاحترام تجربة تتغلغل في كل تصرف، فتتحول الحياة المشتركة إلى مساحة من التوازن، والسلام، والانسجام مع كل ما حولنا.

حادثتان

هتان الحادثتان (ضت المحكمة الابتدائية بسوسة بسجن مواطن مدة ثلاثة أشهر بعد إدانته بالاعتداء على كلب بآلة حادة (بالة) وقتله وامرأة ظهرت في مقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي ، وهي تسكب البنزين على قطط متجمّعة قرب حاوية فضلات أضرمت فيها النّار) ليستا مجرد أخبار تُقرأ وتُنسى، بل هما مرآة تعكس وضع المجتمع وإمكاناته على ضبط ذاته. إن حماية الضعفاء، سواء كانوا من البشر أو الحيوانات، ليست رفاهية، بل اختبار صريح لمدى حضور الدولة وسيادة القانون. فالعقوبات الرادعة، التي تطبق بلا محاباة، تعلم كل مواطن حدوده وتزرع في النفوس احترام الآخر، واحترام الطبيعة، واحترام المدى الذي تمتد فيه حقوق الفرد وواجباته. وهنا يكمن الدور الحقيقي للدولة: أن تكون حاضرة، لا مجرد نصوص على الورق، وأن تكون قوانينها أداة لحماية الجميع وضبط الانفلات، بدل أن يتحوّل المجتمع إلى ساحة فوضى يسودها الاستهتار والإهمال. فالرّدع ليس مجرد عقوبة، بل درس عملي يُعلّم الإنسان أن لكل فعل ثمنًا، وأن الاحترام والانضباط ليسا خيارًا بل واجب اجتماعي. ومن يدرك هذه الحدود ويتعامل معها بوعي، يصبح المواطن فاعلًا في ضبط ذاته ومحيطه، ويكتسب مناعة ضد التسيّب والتجاوز، ويستطيع العيش مع الآخرين والطبيعة في انسجام، دون الحاجة إلى عدسات سرية أو شبكات توثق الانتهاكات. وعندما يتجذر هذا الوعي في المجتمع، تقل الفوضى، وتصبح العدالة أكثر حضورًا، ويترسخ الشعور بأن احترام القانون هو احترام للحياة نفسها، وأن العيش المشترك يقوم على حدود واضحة وضمير اجتماعي متيقظ. بهذا، يتحوّل المواطن من مجرد متلقي للقوانين إلى عنصر فاعل في بناء مجتمع واعٍ، حيث لا يكون الانفلات مجرد سلوك فردي، بل يُنظر إليه كتحذير من تجاوز الحدود، ويصبح الرّدع أداة للحفاظ على القيم، وتعليم كل من يسعى إلى الإيذاء أن القانون حاضر، وأن المجتمع لن يسمح بالعبث بسلامه وأمانه. إن ما تعكسه هاتان الحادثتان من بساطة القانون وصرامته في حماية الضعفاء، سواء كانوا من البشر أو الحيوانات، يذكّرنا بأهمية الدولة الحاضرة بقوة، وبضرورة أن تكون قوانينها نافذة لا مجرد نصوص على الورق. فوجود عقوبات رادعة للمتجاوزين يرسّخ مفهوماً جوهرياً: أن لكل فعل حدًا، وأن الانفلات والفوضى لا يمكن أن يكونا السائدين في مجتمع يتطلع إلى احترام حقوق الأفراد والكائنات الأخرى والطبيعة نفسها. ومن هنا يتضح أنّ الرّدع، سواء المادي أو المعنوي، ليس مجرد عقوبة، بل هو وسيلة تعليمية تُنمّي الوعي المجتمعي، وتغرس في كل مواطن شعورًا بالمسؤولية تجاه محيطه، ويجعله يدرك أن الاحترام والانضباط ليسا خيارًا بل واجبًا. وهكذا، يتحول المواطن من كائن متلقٍ للقوانين إلى عنصر فاعل في ضبط ذاته ومحيطه، قادر على العيش في انسجام مع الآخرين والطبيعة، بما يعزز منظومة العدالة والضمير الاجتماعي، ويجعل الانتهاكات الفردية والشغب الاجتماعي أقل وقعًا وأكثر قابلاً للضبط قبل أن تتفاقم.

استقرار المجتمع

لا يكمن استقرار المجتمع وازدهاره في القوانين وحدها، بل في حضورها الفاعل وتطبيقها بعدالة، بحيث يشعر كل فرد بأن حدود الحرية واضحة، وأن الانتهاك والعنف لا مكان لهما في فضائه العام. فاحترام القانون ليس رفاهية أو فرضًا شكليًا، بل وسيلة لتنشئة الوعي، وتربية المجتمع على الانضباط، وحماية الضعفاء، سواء من البشر أو الحيوانات أو الطبيعة نفسها. إن الرّدع العادل، الذي يطبق على الجميع بلا محاباة، هو أكثر من عقوبة؛ إنه درس عملي يُعلّم الإنسان معنى المسؤولية تجاه الآخرين، ويغرس في النفس احترام الحقوق والواجبات، ويجعل الانضباط جزءًا من حياة الفرد اليومية، لا مجرد خيار أو امتثال شكلي. وعندما يدرك المواطن حدوده ويعيش ضمنها، يصبح فاعلاً في ضبط نفسه ومحيطه، ويكتسب مناعة ضد الفوضى والانفلات، ويستطيع التعايش بانسجام مع الآخرين والطبيعة، دون الحاجة إلى توثيق الانتهاكات أو تدخل دائم للسلطات. وفي مجتمع يعي هذه القيم، يصبح القانون أداة للحفاظ على التوازن، والعدالة حضورًا مستمرًا، والانضباط قاعدة لا تجاوز لها. هكذا يتحوّل المواطن من متلقي للقوانين إلى عنصر فعال في صون النظام العام، ويصبح احترام القانون احترامًا للحياة نفسها، وحماية لكل من يشترك معه في فضائه، ماديًا واجتماعيًا، ونفسيًا. فالوعي بالقانون وحدوده هو الأساس لبناء مجتمع ناضج، واعٍ، قادر على مواجهة الانفلات، وتحويل العدالة من نصوص على الورق إلى ممارسة يومية تشكل درعًا يحمي الكل ويزرع احترام الآخرين في كل زاوية من زوايا الحياة.

مجتمع ناضج

في قلب كل مجتمع ناضج، يكمن القانون كدرع صامت يحمي الحياة ويحفظ التوازن. ليس القانون مجرد نصوص على الورق، بل حضور دائم يعلّم الإنسان حدود حريته ويزرع في النفوس احترام الآخرين والطبيعة من حوله. فحين يدرك الفرد أن كل فعل له عواقب، يصبح الانضباط جزءًا من ذاته، والتعايش مع الآخر مسارًا واعيًا لا مجاملة عابرة. الرّدع هنا ليس مجرد عقوبة، بل درس يومي في المسؤولية؛ رسالة خفية تقول لكل من يسعى إلى التجاوز: هناك حد، وهناك احترامٌ لا يُمس. ومن يعيش ضمن هذه الحدود، يتحوّل من متلقٍ للقوانين إلى فاعلٍ فيها، يضبط سلوكه وسلوك محيطه، ويصنع مجتمعًا حيث العدالة ليست شعارات، بل ممارسة تتغلغل في كل تصرف، في كل قرار، وفي كل لحظة. إن المجتمع الذي يعي هذا، لا يحتاج إلى مراقبة دائمة أو عدسات سرية، بل يكفي أن يكون الوعي حاضرًا في النفوس، ليصبح احترام القانون احترامًا للحياة نفسها، والعيش المشترك تجربة متبادلة من الانضباط والاحترام. فالقانون، حين يُطبّق بعدالة، لا يحمي فقط الأفراد، بل يحمي المجتمع والطبيعة، ويزرع في كل مواطن شعورًا بالمسؤولية، ويحوّله إلى عنصر فاعل في حفظ التوازن، وصون السلام، وإعادة بناء معنى العدالة في كل زاوية من زوايا الحياة.

ومضات

✦ الومضة ١ – قناع اللامبالاة درعٌ من اللامبالاة، يخفي جرحًا قديمًا، فتتهاوى الكلمات كأسرابٍ بلا سماء. ✦ الومضة ٢ – هوّة الصمت كل ما يُقال يتساقط في هوّةٍ صامتة، تتناثر فيها قلوب لم يَعد يعرفها النبض. ✦ الومضة ٣ – رماد المعنى الكلمات رماد، والأفعال غبار، وفي العتمة تلوح قلوبٌ مكسورة كجمرٍ يخبو.

قلوب من رماد

قلوب من رماد الكلماتُ رماد، تتناثرُ فوق الطاولة كأنها بقايا لهبٍ قديم. الأفعالُ غبار، يستقرّ في الزوايا ولا ينهضُ مع الريح. وفي العتمة، تلوح قلوبٌ محطّمة، تبحث عن نبضٍ في جمرٍ يخبو ببطء. ✦ قلوب من رماد (نسخة رمزية) تنفلتُ الحروفُ كطيورٍ محترقة، تتساقطُ أجنحتها قبل أن تلمس الهواء. الأفعالُ تذوب في جدارٍ غامض، كأنها أصواتٌ لم تجد صدىً لتسكنه. وفي العتمة، تتكاثر القلوبُ المهشّمة كظلالٍ تتناوب على الرماد، كل ظلٍّ يبحث عن صاحبه ولا يعثر سوى على غيابٍ جديد.

هايكو

هايكو 1 قلوبٌ رماد تهبّ الريحُ عليها — تزداد صمتًا. ✦ هايكو 2 في هوّة الليل تسقط كلمة ضائعة، لا صدى يعود. ✦ هايكو 3 غبار الأفعال، يستقرُّ في الزوايا — ظلّ بلا أثر. ✦ هايكو 4 رماد القلوب، تتفتّت في يديَّ كالثلج الذائب. ✦ هايكو 5 ظلالٌ كسيرة، تبحث عن أجسادها — العدم أرحب.

مشدود إلى السماء،

من طريقٍ إلى آخر أمشي أقتطع حياتي على خطى أحلامٍ مؤجَّلة. الكلام الذي رغبت أن أبوح به خبّأته عمدًا في ضحكةٍ طويلة، كأنها قناعٌ لمعنى قديم. هكذا الحياة تتحامل دومًا على الصامتين، ولأني ابن "الفعل" نجوت من الانتظار عُنوة، تشبهني الآن كلمات لم تُقل بعد، ونصّ لا يفقهه الآخرون، لكنه يوصلني إليك. مشدود إلى السماء، تُضيء على كتفي أسرابٌ من فراشاتٍ لا تهدأ، أنا وليد جُرأتي، أرافق الريح بدل أن أهابها، وأترك الدوران للجميع. كسكّيرٍ متّزن، أتبعثر كما الحصى في مجرى نهرٍ لا يتوقف، أراوغ الطريق وأتظاهر بالثبات، وأشرب المزيد في صحّة شبيهي الجديد. أنا المُتَّهَم بالحب، أفعل ما أشاء دائمًا لكن على مهل، هكذا أحكم الأشياء، وأموت على هيئة مفتون. كمثل سفينةٍ يغريها القاعُ بالهلاك، وأنا أودّع ببطءٍ وجه السماء، وأترك وجهي يتلاشى في زرقة البُعد، كظلٍ لم يعد يشبهني.

مُعلّقٌ بالسماء

من دربٍ إلى آخر أمضي أقتطع حياتي على خطى أحلامٍ تُزاحمني. الكلمات التي رغبت أن أبوح بها أغلقتها عمدًا في ضحكةٍ ممدودة كأنها قناعٌ شاحب لزمنٍ قديم. هكذا تميل الحياة دائمًا على كاهل الصامتين، لكنني ابن الفعل، أفلتُّ من الانتظار عنوةً، وصرتُ أُشبه كلماتٍ لم تولد بعد، ونصًّا لا يقرؤه أحد غير أنّه يأخذني إليك. مُعلّقٌ بالسماء تحطّ على كتفي أسرابُ نورٍ طائر، أنا سليل محاولتي ولا أرتجف أمام الريح، أترك الدوران للجميع، وأتقدّم كخطوةٍ تائهة لكنها تعرف طريقها. أتشظّى كما زجاجة تُرمى في الموج، وأضحك على طاولة المخاطرة كمن يسخر من خوفه الأخير، أملأ كأسي بالاحتمال وأشرب في صحة وجهي الجديد. أنا المتَّهَم بالحبّ، أفعل ما أشاء لكن بهدوءٍ مُستطاب، فأحكم قبضتي على الأشياء وأموت كعاشقٍ مخذولٍ بالدهشة. كسفينةٍ يتعجّلها القاع أُلوّح ببطءٍ لوجه السماء، وأترك ظلي يتلاشى هناك كأمنيةٍ لم تكتمل.

vendredi 29 août 2025

حذاء المهرّج

لا أحد يعرف لماذا تتكوّن البلورات في إبهامي الأيمن. الطبيب يقول إنها نتيجة ما آكله: لحوم، بيرة، سكريات. لكنني نباتي، لا أشرب، ولا أحب الحلوى. يضيف أنّ هذه البلورات تذوب عادةً، غير أنّها في حالتي تُصفّى إلى إصبعي مسببة التهابًا مؤلمًا. يسميها "علة في التصفية". لكن لماذا الإصبع الكبير بالذات، لا الأذن ولا المرفق؟ لا جواب عنده. كل ما أعلمه أنّ الألم يفوق مجموع كل المرات التي اصطدمت فيها أصابع قدمي في حياتي. في الليل، أضم قدمي اليمنى إلى باطن اليسرى كأنها سنجاب في عشه. تلك الوضعية تمنحني هدنة قصيرة، لكنها لا تكفي. بالكاد أنام. وإن غفوت، زارتني أحلام قصيرة كوابيسية. الأسبوع الماضي رأيتني في معسكر اعتقال، لا علاقة له بخيام البحيرات أو بحلوى المارشميلو (الحلوى الإسفنجية التي تُشوى فوق النار في الرحلات). أسموها "معسكرات التصفية". ارتداء الحذاء خنجر. خلعه خنجر آخر. المشي جحيم. أبحث طويلًا عن حذاء واسع يقلّل الضغط على الإصبع، فأعثر على زوج أحمر وأصفر وأخضر، يشبه سيارات قديمة مصغرة. أتمكن من المشي قليلًا، لكن الألم يلازمني. عملي المكتبي يغدو مستحيلًا. أنتظر أمر الإخلاء، وأنا في داخلي مستصغر لأن حياتي انهارت بسبب إصبع واحد، فيما آخرون يصارعون مصائب أوسع. حين يراني الناس، يضحكون. أظنهم يسخرون من مرضي. الطبيب يقول: هراء. "المسألة في الحذاء لا فيك. إنه مضحك." ويضيف نكات عن شارلي شابلن الذي استيقظ يومًا حافيًا. المالك لا يرحم. يطالبني بالإيجار: "البزنس بزنس. وإن لم يعجبك، فالصندوق الكرتوني ينتظرك." بل يسخر: "بالمناسبة، هل تصنع أحذيتك فطائر الوافل أيضًا؟" عندها أستسلم. أشتري بدلة منقطة بألوان قوس قزح، دهانًا للوجه، وأنفًا أحمر منتفخًا كإصبعي. أقتني بوقًا صغيرًا يصدر صوت فواق، مظلة على عصا مخططة، وزهرة ترش الماء. أتعلم من الإنترنت فنّ تشكيل البالونات. رغم الألم، أتقن حيوانات وقبعات هزلية. أعلق ملصقات في الحي. ينهال عليّ سيل من الاتصالات. الحفلات كثيرة، والمهرجون نادرون. الأطفال يضحكون على مشيتي المترنحة، والآباء يصفقون. لا أحد يرى تألمي وراء طبقة الطلاء. يقدمون لي نقانق وكوكاكولا، أشياء لم أذقها يومًا، وأبتسم. أحيانًا أقول: "أذكياء، هاه؟" فينفجرون ضحكًا. أواصل العلاج. الطبيب يكرر: "اصبر. ستذوب البلورات." بعد أربعة أشهر، يهدأ التورم. لم يعد الألم وتدًا معدنيًا ساخنًا، بل صار قبضة مشدودة. يمكنني تحمّله. أعود إلى المكتب، إلى لوحة المفاتيح، إلى وظيفتي العادية بامتيازاتها. أعلّق بدلة المهرج وأضع أدواته في صندوق. تبقى الأحذية. لا أستطيع أن أتخلى عنها. زملائي يسألون: "ما قصة النعال؟ هل هي أفضل من أحذية الثلج؟ هل تومض أحمر وأصفر وأخضر؟" أجيب: "إنها مريحة. اعتدت عليها. ثم إن الطبيب حذّرني: المرض قد يعود في أي لحظة. لا بد أن أبقى مستعدًا." لكن في غرفة الاستراحة، يخفون ضحكاتهم وراء فناجين القهوة والمناديل. يترقبون مني أن أخرج من جيبي منديلًا طويلًا ملوّنًا بلا نهاية. في شقتي، أتدرب سرًا: أدوّر الأطباق، وأحشر نفسي في كرسي لا أستطيع الخروج منه. أخشى أن أحتاج العودة سريعًا للمهنة. لكن الجيران يشتكون من الضجيج. المالك يهددني: "كفّ عن المهرجة أو ارحل." أنذرني مرتين. الثالثة ستكون الطرد. حتى البالونات أخشى أن أنفخها خشية أن تنفجر. ما زلت لا أعرف مصدر البلورات. ربما من ماء الحنفية وأنابيبها الصدئة. وحتى لو عرفت، من يفسر لي لماذا تختار إصبعي؟ الطبيب يكرر: "لا يهم. أنت تتحسن. لسنا بحاجة لفهم المرض كي يزول. خذ الحياة بخفة، قد تكون أسوأ." لكنني لا أصدقه. ليتني أضع أمامه إصبعًا أحمر يضيء كالمصباح الكهربائي. أمد له دجاجة مطاطية منزوع ريشها وأقول: "من يضحك الآن، يا ذكي؟"

murmures de poésie

...envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune, comme une encre secrète qui respire dans la mer, un chant voilé d’écume caressant les rivages, alors que les marées montent et que la nuit s’ouvre sur l’attente de l’aube... // ...envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune, comme une caresse douce posée sur l’horizon, un chant d’écume qui enlace les rivages, alors que les marées montent et que le ciel palpite d’attente et de lumière... // ...envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune, comme un secret oublié qui s’ouvre dans la nuit, une encre d’ombre dissoute dans les marées, alors que les heures glissent vers un matin qui n’existe peut-être pas...

prière secrète3

...envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune, comme une prière secrète portée par le vent, se glissant dans l’ombre des songes et le parfum discret des fleurs nocturnes, alors que les marées montent de minuit jusqu’aux petites heures avant l’aurore...

prière muette2

...envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune comme une prière muette, qui traverse les voiles invisibles, cherchant la source première, l’écho caché derrière la lumière, répétant son secret dans le souffle du vent, dans le silence des pierres, dans l’ombre des songes, se glissant aussi dans le parfum des fleurs nocturnes, dans la caresse humide de l’air, dans la chaleur fragile d’une main qui cherche une autre main, jusqu’à ce que la nuit se plie en elle-même, et que l’infini s’ouvre comme une mer sans rivages, alors que les marées montent de minuit jusqu'aux petites heures avant l'aurore...

prière muette

..envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune comme une prière muette, qui traverse les voiles invisibles, cherchant la source première, l’écho caché derrière la lumière, répétant son secret dans le souffle du vent, dans le silence des pierres, dans l’ombre des songes, jusqu’à ce que la nuit se plie en elle-même, et que l’infini s’ouvre comme une mer sans rivages, alors que les marées montent de minuit jusqu'aux petites heures avant l'aurore...

murmures 4

...envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune comme une prière muette, qui traverse les voiles invisibles, cherchant la source première, l’écho caché derrière la lumière, alors que les marées montent de minuit jusqu'aux petites heures avant l'aurore..

murmures3

...envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune comme des signes d’un autre temps, éclats d’ombres et de songes, traces effacées qui reviennent dans le silence des astres, alors que les marées montent de minuit jusqu'aux petites heures avant l'aurore...

murmures2

...envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune comme une lettre secrète glissée dans tes mains, où chaque mot tremble encore de la chaleur de mon cœur, alors que les marées montent de minuit jusqu'aux petites heures avant l'aurore...

murmures

...envoyant des murmures de poésie aux étoiles que tu liras au clair de lune dans le silence qui respire entre deux constellations, où les songes s’ouvrent comme des fleurs invisibles, alors que les marées montent de minuit jusqu'aux petites heures avant l'aurore...

رسالة بلا مُرسِل

وصل الظرف إلى بابه، مختومًا بعناية، بلا اسم مرسِل. في البداية، ظنّه بطاقة تهنئة من أمّه القلقة، تحاول أن تُبقي شعلة أمل صغيرة في قلبه، في عيد ميلاده الأوّل بدون زوجته. لكنه حين فتحه، وجد شيئًا لا يُصدّق: طفلاً مطويًّا بعناية، كأنّه ورقة أُغلقت بإحكام، وعلى وجهه تجاعيد من أثر الطيّ. وقف الرجل مشدوهًا في مطبخه، يحدّق في الظرف كما لو كان عينًا مسطّحة تومض في وجهه قبل أن يصرخ ويرمي الظرف، ثم يغيب عن وعيه فيسقط رأسه على حافة الطاولة حين أفاق، سمع صوتًا طفوليًا ينادي: "أبي؟ أبي، استيقظ"- فتح عينيه على ألمٍ في جبينه ودمٍ يسيل، ليدرك أنّه على أرض المطبخ الباردة. أمامه، كان الطفل قد انبسط وكبر، كزهرة خرجت من غلافها. كان يرتدي ثوبًا أبيض بسيطًا، وشعره الأسود ممشّطًا. قال الصبي: أنا جائع... أريد معكرونة بالجبن" ارتجف الرجل: "ما هذا؟ من أنت؟" ابتسم الطفل ببراءة: "أنا ابنك" يا إلهي، لقد فقدت عقلي أخيرًا"، قال الرجل، مُنحنيًا على الطاولة، ورأسه بين يديه أبي، من فضلك لا تبكِ"، قال الصبي" "سأتصل بالشرطة"، قال الرجل ، "أين هاتفي؟" أنا لستُ طفلًا سيئًا"، قال الصبي." "ليس بالنسبة لك، أيها الأحمق. بالنسبة لي. أنت في عقلي. أنت أنا"، أجاب الرجل. "لقد فقدت عقلي أخيرًا" ""أحمق كلمة سيئة كان الرجل في ارتباك، يتساءل إن كان ما يحدث وهْمًا من رأسه المصدوم، أم حقيقة لم يستوعبها بعد. حين استدعى الشرطة، جاء ضابطٌ ومسعف. استقبلهما الرجل بحماس عند الباب. كان يرتدي معطفه، وضع مفاتيحه وهاتفه ومحفظته في جيوبه، وربط حذائه. "أحتاج للذهاب إلى المستشفى"، قال. "هيا بنا" "ما هي المُشكلة؟" سأل الضابط، واضعًا يديه بحذر على مشبك حزامه. "أُعاني من الهلوسة"، قال الرجل. "لقد كانت الأشهر القليلة الماضية صعبة. أحتاج لرؤية طبيب". نظر الضابط إلى جبهته الدامية. "من أجل هذا؟" سأل، مُشيرًا إلى رأس الرجل. "ماذا؟ لا"، وضع يده على رأسه، "لا، أرى طفلًا. إنه خلفي". نظر الضابط بإيجاز إلى المُسعف، الذي انتقلت عيناه من الضابط إلى خلف الرجل. "يظل يطلب المعكرونة ويتحدث عن بسكويت برقائق الشوكولاتة ". شهق الطفل من خلفه "هل تقصد ذلك الطفل؟" سأل المُسعف. "نعم، ذلك الطفل. إنه ليس ابني" توقف واستدار لينظر إلى الطفل، ثم، مُنزعجًا، إلى الرجلين. "هل ترونه؟" نظر الطفل ولوح لهما بيده "سيدي، لماذا لا تجلس"، أشار المُسعف إلى الأريكة المُبعثرة. في ذهول، تبعه الرجل وجلس. انحنى المُسعف بجانبه. "لديك جرح كبير جدًا في رأسك. هل تمانع إذا ألقيت نظرة؟" أومأ الرجل، ناظرًا إلى الضابط وهو يقترب من الطفل. "مرحبًا أيها الطفل، كيف حالك؟ هل هذا والدك؟" "نعم، هذا أبي" "هذا ليس ابني!" صاح الرجل أدرك الرجل أنّ الآخرَين يرونه أيضًا. ازداد ارتجافه: أيكون حقيقة إذن؟ جلس الطفل هادئًا وهو يلعب بالهاتف وحين سألوه عن قصته، قال ببساطة "كنتُ أنتظر أبي. والآن وجدته"- "هل تم تبنيك؟" سأل الضابط، "لا تأخذ الأمر على محمل شخصي لأن والدك ليس على ما يُرام. لقد ضرب رأسه" " أعرف، رأيته يسقط. إنه يعتاد عليّ فحسب" "طفل ذكي"، طمأنه الضابط تمتم الرجل: "لقد جاء في البريد". أومأ الضابط. " إنه لشيء جميل أن تأخذ طفلًا وتربيه كطفلك. ستعتاد الأمر" لم يعرف الرجل ما يقول. لكن قلبه أخذ يخفق بطريقة غريبة قال المسعف: "أود أن آخذك إلى المستشفى لفحصك. متى ستعود زوجتك إلى المنزل؟" سأل، ناظرًا إلى خاتمه. "قريبًا"، كذب الرجل. بعد ستة أشهر، لم يستطع حتى الآن تقبل حقيقة أنها لن تعود أبدًا. "أعتقد... أعتقد أنني سأبقى." إذا كان بإمكانهم رؤية الطفل، استنتج، فإما أنه يُهلوس بهم جميعًا، أو أن الطفل في شقته حقيقي. لم يكن متأكدًا أيّهما أكثر رعبًا. أصدر جهاز لاسلكي الضابط صوتًا مُشوّشًا عن حادث على بعد ثلاثة أميال. قال المسعف، "حسنًا. ستحتاج أنت وزوجتك إلى مُراقبة الأعراض. إذا شعرت بالقيء، أو تفاقم الصداع، أو استمر ارتباكك، فستحتاج إلى الفحص. اتصل بنا إذا احتجت إلى أي شيء" " انصرفا الرجلان. بينما كان يشاهدهما يسيران في الممر خارج شقته، تمتم: "كان في ظرف نظر الطفل، واضعًا الهاتف بجانبه. "لماذا كذبت بشأن مجيء السيدة إلى هنا؟" وضع الرجل يديه على وجهه. "ماذا؟" قال من خلال راحتيه. "أوه. لا أعرف". ردّ الصبي: "أعرف أنها لن تأتي إلى هنا". أنزل الرجل يديه. "ماذا؟" ثم أدرك الأمر على الرغم من أن زوجته لم تكن قاسية ولا مُخادعة، إلا أن ذلك كان الاحتمال الوحيد. قالت في أول موعد لهما إنها لا ترغب أبدًا في الأطفال، والرجل، الذي لم يرغب في شيء أكثر من أن يكون أبًا، اعتقد أنها ستُغير رأيها. خبأ رغبته، مطوية ومُغلقة بإحكام. ولكن مع مرور الوقت، تسللت من جديد، دافعة نفسها خارج الحواف، مُنسكبة في مُحادثات تحولت إلى شجارات، مُفسدة الرابطة، منهية الزواج. "ألا تريدني؟" سألت، والدموع في عينيها. أرادها، لكنه أراد شيئًا آخر أيضًا. كان الأمر مُعقدًا بشكل ميؤوس منه، مُتشابكًا، ومؤلمًا. أعطاها كل شيء في الطلاق، حزم القليل الذي لديه، ووجد شقة بغرفة نوم واحدة مليئة فقط بالصمت والأثاث القديم من مرآب والدته وسوق السلع المُستعملة. هذا بالإضافة إلى الأريكة المُلطخة بالقهوة. "آمل أن تُصبح أبًا يومًا ما"، قالت له، "ستكون أبًا رائعًا". ثم رحلت. مرّت أيام قليلة، بدأ خلالها يكتشف أنّ الطفل يعرف أشياء لم يخبره بها أحد: عن المرة التي أعطى فيها آخر ورقة نقدية في جيبه لرجل مشرّد، عن انكساره في ليالٍ بلا رفقة. وحين سأله: "من أخبرك بهذا؟" أجاب الطفل: – "أهل الغيب... الملائكة قالوا إنك رجل طيب" كان الصبي يتحدث عن "دار النور" التي أُرسل منها، وعن "الملائكة" الذين يرسلون البركة لمن ضاقت بهم الدنيا. قال له يومًا: – "قالوا لي إنك أب صالح. ولهذا جئتُ إليك." لم يجد الرجل ما يردّ به. جلس على الأرض واضعًا رأسه بين كفّيه. اقترب الصبي منه هامسًا: – "الآباء يُطعمون أبناءهم. أنا جائع يا أبي" قام الرجل متثاقلًا نحو المطبخ، وضع قدرًا على النار، وبدأ يسلق المعكرونة. في صمته شعر أن شيئًا في داخله يتغيّر. حين قدّم الطبق للطفل، قال له بارتباك: "إذن، أنت ابني الآن؟"- ابتسم الصبي بعفوية، وفمه ممتلئ بالطعام: "لطالما كنتُ بانتظارك. الآن صرتَ أبي"- بقي الرجل صامتًا، ينظر إلى هذا الكائن الغريب الذي جاءه من المجهول، كهدية لم يطلبها لكنه كان يتمنّاها طوال عمره. وعلى الطاولة، كانت هناك بطاقة صغيرة، لم ينتبه إليها أول الأمر. التقطها وقرأ ما فيها: "ما دام للإنسان قلبٌ يحلم، فإن الله يفتح له بابًا للنجاة" رفع الرجل رأسه نحو السماء، وهمس: "شكرًا... شكرًا جزيلاً"-

قصائر

أُعتِّق خمر غيابك في الذاكرة، فكلَّما عاندني الحنين أحتسيك .. ** أرحب بالصباح فقط لأنني أعرف أن الليل سيأتي حيث روحي مرة أخرى ستعانق طيفك.

mercredi 27 août 2025

هايكو

روائح الخريف الريح تعزف أغنية قديمة على فنجان قهوة *** مُبَلّلٌ بِالذّكرى، فَمَن يَبِيعُني مَناشِفَ النّسيان ! .. *** أمر ضروري.. سأخلع غيابك وأرتدي حضوري *** مُثقف الإفك، يُزين البشاعات ويُبرّرالسفك

mardi 26 août 2025

رسالة

الآن تفهم سبب انشغاله الشديد قبل الحادث. ترتدي خاتم الخطوبة، وتؤجل فتح الرسالة المرفقة. تنام وهي تحت وسادتها، وتحتفظ بكلماته الثمينة الأخيرة بغيرة حتى تقوى على قراءتها. وحين تفعل، تكتشف أنّها لم تكن موجّهة إليها.

الرحلة الأخيرة

قتلتُ زوجي منصور من أجل مال التأمين. نعم، أعلم أن الأمر يبدو دنيئًا. لكن الحقيقة أنه كان فكرته هو. قال لي: "إنها الطريقة الوحيدة لتمويل رحلتنا حول العالم." في مسائنا الأخير في ناميبيا، دفعتُ فمنصورا من فوق الشرفة وهو يتأمل المشهد الأخير لتلاشي الألوان في الأفق. /// قتلت زوجها منصور من أجل مال التأمين. كان ذلك يبدو دنيئًا، لكن الفكرة في الأصل كانت فكرته هو. كان يردد دائمًا أنّها الطريقة الوحيدة لتمويل رحلتهما حول العالم. وفي مساءهما الأخير في ناميبيا، تقدّمت نحوه بخطوات ثابتة، ثم دفعتْه من فوق الشرفة، بينما كان غارقًا في تأمل الغروب الأخير للألوان؛

في حالة الطوارئ

القلم الجاف الأسود يكاد ينفلت من يديّ. راحتاي مبتلّتان بالعرق. الفحص عادي، والأوراق بسيطة، لكن أنفاسي تنحبس في صدري. خانة "الاتصال في حالة الطوارئ" الفارغة تحدّق في وجهي. رقم هاتفك كان الرقم الوحيد الذي أحفظه عن ظهر قلب.

lundi 25 août 2025

همسة

+++ عندما لا يكون لدينا سوى أغنية لملء الفراغ بيننا، ريشة كل نغمة، رحلة لحن هشة، سربٌ همسٌ من صدري، أتخلّى، أغنّي المسافة والفضاء بأشكال قد تحتفظ بها في عقلك، طيورٌ تتشكل، وتتشتّت، وتتّحد وتفرّ. هذه اللحظة من الراحة، حلمٌ، أن تتحرّر من الأعباء، أمنية، باختصار. من فمي، ينزلقون حول المكان، أنفاسك، ناعمة كأجنحة الفراشة في هواء الليل، ما تغنّيه الذاكرة في أماكن لم نعد نستطيع الوصول إليها.

dimanche 24 août 2025

إيقاع قديم،

اللحظات المستعجلة تنفلت سريعًا من بين الأصابع. عالم حديث لا يدوم فيه شيء. لكن في أعماقي يسكن إيقاع قديم، صدى هادئ لجرس منسي. أرى المستقبل يلمع، جريئًا ومضيئًا، فيما تهمس القصص من أيام مضت. روحي تتوق إلى طرق مغبرّة مغمورة بالشمس، لا إلى شاشات متلألئة وأثقال رقمية. أشعر أني خارج الخطو، تائهًا، غارقًا في تيار هذا اليوم الراهن. لست سوى شبح، حضورًا من الماضي، روحًا أبدية، رقيقة أكثر مما تحتمل البقاء. ومع ذلك، في هذا الإحساس شيء من النعمة، رؤية فريدة وسط هذا الزحام. ربما لأرى أبعد مما يعرّف الحاضر، وأجد الجمال في تلك السطور القديمة.

البحر يفرك نفسه

في ساعة متأخّرة من الليل يفرك البحر نفسه بالملح ليكتسب مناعةً ضدّ خدوش القوارب. والمحيط البعيد يتحيّن ثقباً في سفينة ليهرب من أعماقه. والجسر القديم بيننا يريح قدميه في الماء. وأعمدة الإنارة تنكش خطواتنا من فم الشوارع. والنافذة القديمة تخنق الصرير في حنجرة الريح. وفي جوف الباب تئنّ من الانتظار مفاصل الشجرة. وأمي تردم ما اجترحه الوقت من حماقات على كفيها بالحنّاء. وذاكرتي اللعينة تنبح في وجوه المتسللين الذين أدمنوا طَرْق جمجمتي. أحسب خطواتي الفائضة لأخصم منها خسارة الطرقات العالقة. وأنتِ كعادتكِ تُطِعمين الريحَ عطركِ فيحترق في عظامي الشتاء ويثمل الليل وتترنّح الأغنية!

vendredi 22 août 2025

فراغات

عبثاً عبثاً بكل ما لدينا من قبضة... نمسك بطرف الهاربين بعيداً ونعيدهم ليكملوا لكن الخاتمة تُركت مفتوحة... تنسلّ المشاهد منها بخفّة الريح، كما يفعل الرّمل... من بين فراغات الأصابع...

mercredi 13 août 2025

ومضة

القصفُ يطوي النهار، التهجيرُ يقتلع الأبواب، الحصارُ يكمّم الغيم، والتجويعُ يمحو رائحة الخبز. تتهدّل الكلمات من ثقل التكرار: قصفٌ… تهجيرٌ… حصارٌ… تجويع… حتى اللغةُ صارت جثة، لكنني أكتب لئلّا يُدفن الضوء.

دمج

القصفُ يخطّ على الجدران آخرَ ما تبقّى من أسماء، التهجيرُ يقتلعُ الشوارع من خرائطها، يجرُّ البيوتَ كما تُسحب الأسنان من اللثة. الحصارُ يشدُّ السماءَ بحبلٍ غليظ، يخزّنُ الغيمَ في مخازن الغرباء، والتجويعُ يسرقُ رائحةَ الخبز من الصباح، والماءَ من الحكايات. طفلٌ ينامُ وفمهُ يقبضُ على مفتاح، أمٌّ تبحثُ عن ذراعها بين الركام، رجلٌ يخبّئ قلبه في شالٍ ملوّن، ويرسلهُ إلى البحر علّه ينجو. أفكّر في عبء الكلمات، كيف تنخرها التكرارات، فتصير قوالب جوفاء: القصفُ... التهجير... الحصار... التجويع... كأنّ اللغةَ نفسها أصبحت ضحيّة، تضعُ رأسَها على الحجر، وتسعلُ دمًا. لكنني أكتب، لا لأغفر، بل كي يظلّ الجرحُ مفتوحًا للضوء.

غنائية

القصفُ يمشي على أطرافه، يوقظُ حجارةً كانت تحلمُ بالمطر. التهجيرُ يجرُّ البيوتَ من جذورها، يتركُ على الأرصفة ظلَّ غرفٍ فارغة. الحصارُ يضعُ قفلَه على السماء، يخزّنُ الغيمَ في مخازن الغرباء. والتجويعُ ينسلُّ بين الأصابع، يحوّلُ الخبزَ إلى حكاية، والماءَ إلى أسطورةٍ لا تُصدَّق. طفلٌ ينام وفي فمه مفاتيحُ معدنية، أمٌّ تفتّش عن صدرها بين الأنقاض، رجلٌ يربطُ قلبَه في شالٍ ملوّن، ويرسلهُ إلى البحر لعلّه ينجو. هنا، حتى اللغةُ تضعُ رأسَها على الحجر، والقصائدُ تسعلُ دمًا، لكنني أكتب... لا لأغفر، بل كي يظلَّ الجرحُ مفتوحًا للضوء.

حرب

القصف التهجير الحصار التجويع كلمات من دم لكنها صارت رمادًا باب مخلوع قبر بلا اسم طفل يختبئ أب يمد يده نحو الفراغ أم تركض هدير طائرة ابتسامة ممرضة ركام كمّ فارغ يمسح الدموع باب يغلق والحرب تتسكع في الخارج أيتام على الرمل بحر مسوّر بالرصاص جدران بلا نوافذ وداعات في العتمة ألسنة خائفة أجنحة مسمومة مخيمات تحت ظل ثقيل مطر أسود أرض تحترق من الداخل جنون بلا نهاية قوافينا ماتت في طوابير الخبز أصواتنا خاوية كأذرع الأمهات يقولون الشعر بعد المذبحة همجية لكنني أكتب لا لأغفر بل لأتذكر

عبء

أفكّر في الكلمات، كيف تنخرها التكرارات حتى تصير قشورًا باهتة: "القصف"، "التهجير"، "الحصار"، "التجويع". أفكّر في الذاكرة، كيف تهجم مع كل نفس: وجه صديق خلف باب مغلق، قبر بلا اسم، طفل يختبئ تحت بطانية رقيقة، أبٌ يمدّ يده نحوي من فراش الموت، يظن أن حضوري قد يربطه بالحياة. أتصفّح أنقاض البيت: أم تركض لرضيعها، ابتسامة أخيرة لممرضة، بقايا طفل لم يعرف المشي، كلّها أكلها القصف. يمشي الماضي في الممر، بذراع واحدة، عينان مبللتان بالدخان، كمٌّ فارغ يمسح دموعه، ثم يغلق الباب، ويترك الحرب تتسكع خلفه. أرى أيتامًا يُطرَدون من مأواهم، أتذكّر أن السلطة لم تحمِنا إلا بالخراب، لتبقي الجوع حيًّا، ولتقتل باسم الله. أفكّر في النجاة، في المنافي البعيدة، في الوطن يحترق وأنا أنظر من وراء الزجاج. أختي بين جدران غريبة، مع وجوه لم ترَها من قبل، واحدة من ملايين المشرّدين، واحدة من ملايين الوداعات التي همستها الشفاه في العتمة. أفكّر في الأناشيد بلا أصوات، في الألسنة الخائفة، في أجنحة مسمومة تحلّق من الأزقة الفقيرة إلى المخيمات، وتلقي بظلالها من مدينة إلى أخرى. أفكّر في عيني أمي تحت المطر الأسود، في الأرض تحترق من الداخل، في أيام الجنون التي لا تنتهي. قوافينا ماتت في طوابير الخبز، أصواتنا خاوية كأذرع الأمهات. يقولون: كتابة الشعر بعد المذبحة همجية، لكن ماذا بقي؟ ننقش الحزن في لسان يحتضر، كل كلمة خيانة، وكل صمت جرح. ومع ذلك أكتب— لا لأغفر، بل لأتذكر.

كلمات خاوية

أفكّر في الكلمات، كيف تنخرها التكرارات حتى تصير قشورًا باهتة: "القصف"، "التهجير"، "الحصار"، "التجويع". أفكّر في الذاكرة، كيف تهجم مع كل نفس: وجه صديق خلف باب مخلوع، قبر بلا اسم في أرضٍ محروثة بالقذائف، طفل يختبئ تحت بطانية رطبة، أب يمدّ يده نحوي من فراش الموت، يظن أن حضوري قد يربطه بالحياة. أتصفّح أنقاض البيت: أم تركض نحو رضيعها تحت هدير الطائرة، ابتسامة أخيرة لممرضةٍ قبل أن يبتلعها الركام، حذاء صغير على درجٍ مكسور، كلها أكلها القصف. يمشي الماضي في الممر، بذراع واحدة، عينان مبللتان بالدخان، كمٌّ فارغ يمسح دموعه، ثم يغلق الباب، ويترك الحرب تتسكع خلفه. أرى أيتامًا ينامون على رمل الشاطئ المحاصر، أتذكّر أن السلطة لم تحمِنا إلا بالخراب، لتبقي الجوع حيًّا، ولتقتل باسم الله. أفكّر في النجاة، في المنافي البعيدة، في الوطن يحترق وأنا أنظر من وراء الزجاج الملطخ بالغبار. أختي بين جدران غريبة، مع وجوه لم ترَها من قبل، واحدة من ملايين المشرّدين، واحدة من ملايين الوداعات التي همستها الشفاه في العتمة. أفكّر في الأناشيد بلا أصوات، في الألسنة الخائفة، في أجنحة مسمومة تحلّق من الأزقة الفقيرة إلى المخيمات، وتلقي بظلالها من مدينة إلى أخرى. أفكّر في عيني أمي تحت المطر الأسود، في البحر الذي صار جدارًا، في الأرض تحترق من الداخل، في أيام الجنون التي لا تنتهي. قوافينا ماتت في طوابير الخبز، أصواتنا خاوية كأذرع الأمهات. يقولون: كتابة الشعر بعد المذبحة همجية، لكن ماذا بقي؟ ننقش الحزن في لسان يحتضر، كل كلمة خيانة، وكل صمت جرح. ومع ذلك أكتب— لا لأغفر، بل لأتذكر.

كلماتٌ

"القصف". "التهجير". "الحصار". "التجويع". كلماتٌ من دم، لكنها صارت رمادًا. بابٌ مخلوع، قبرٌ بلا اسم، طفلٌ يختبئ، أبٌ يمدّ يده نحو الفراغ. أمّ تركض، هدير طائرة، ابتسامة ممرضة، ركام. كمّ فارغ يمسح الدموع، بابٌ يُغلق، والحرب تتسكع في الخارج. أيتام على الرمل، بحرٌ مسوّر بالرصاص، جدرانٌ بلا نوافذ، وداعاتٌ في العتمة. ألسنة خائفة، أجنحة مسمومة، مخيمات تحت ظلٍّ ثقيل. مطر أسود، أرض تحترق من الداخل، جنون بلا نهاية. قوافينا ماتت في طوابير الخبز، أصواتنا خاوية، كأذرع الأمهات. يقولون: "الشعر بعد المذبحة همجية". لكنني أكتب، لا لأغفر، بل لأتذكر.

عبء الكلمات0

أفكّر في عبء الكلمات، كيف تجوفها التكرار. "أوامر الإجلاء"، "القنابل النووية"، "الحلول النهائية". أفكّر في عبء الذاكرة— كيف تعصف بي مع كل نفس: أصدقاء في حبس انفرادي، مقابر جماعية بلا أسماء، مرضى متروكون في المستشفيات، أبٌ يحتضر في بيتنا يحلم بعودتي، كأن حضوري قد يربطه بالحياة. أتصفح صور أنقاض بيتنا: صورة باهتة بالأبيض والأسود— أم تسرع إلى بيتها لتهدئة رضيعها، صورة عائلية، ابتسامة أخيرة لممرضة، بقايا متفحمة لطفل— كلها أبادتها الصواريخ. ماضيَّ يمشي في الممر، عائدًا من حرب طويلة حصدت أرواحًا بلا عدد. تطرق بابي بذراع واحدة فقط. أراقب بصمت، لكنني لم أعد أتعرف إليها. الدخان يملأ الممر، تمسح دموعها بكمّ فارغ، ثم تغلق الباب إلى الأبد. خلفها يبقى الحرب، وتبتلع آثار أقدامها. الآن: أواصل التصفح. أيتام مشرّدون من جديد، مطاردون من ملجئهم إلى مأوى مجهول. أتذكر: السلطة لم تؤوِنا إلا بالصواريخ، لتبقينا فقراء، ولتقتل باسم الله. أفكّر في عبء النجاة: سنوات طويلة في المنفى، وأنا أراقب وطني يحترق من بعيد. أفكّر في أختي— تحتمي في بيت غريب، مع أسرتين أخريين لم تعرفهما من قبل. هي واحدة من ملايين المشرّدين في العالم، واحدة من ملايين الوداعات التي هُمست في الظلام. أفكّر في عبء الكلمات، في أناشيد الحرب بلا مغنّين، في ألسنة تخشى النطق، في أجنحة كيميائية، تحلق من أحياء الفقر إلى المخيمات، وتلقي بظلالها الطويلة— من مدينة إلى مدينة. أفكّر في عيني أمي تحت المطر الأسود للصيف. أفكّر في الكارثة التي تحترق في جسد الأرض. ثمانية رقم ملعون، وهذا يوم آخر من الجنون. قوافينا ماتت مع الأطفال في طوابير الخبز، وأصواتنا خاوية كأذرع أمهاتهم. يقولون: كتابة الشعر بعد المذبحة همجية، لكن ماذا بقي؟ ننقش حزننا في لسان يحتضر، كل كلمة خيانة، وكل صمت جرح. ماذا بقي من اللغة حين تعجز عن إيقاف القتل؟ حين تعجز عن احتضان طفل؟ ومع ذلك، أكتب— لا لأغفر، بل لأتذكر.

عبء الكلمات1

أفكّر في عبء الكلمات، كيف تنخرها التكرارات، فتصبح قوالب جوفاء: "أوامر الإجلاء"، "القنابل النووية"، "الحلول النهائية". أفكّر في عبء الذاكرة، كيف تعصف بي مع كل نفس: أصدقاء خلف أبواب الانفرادي، مقابر بلا أسماء، مرضى تُركوا في أسِرّتهم، أبٌ يحتضر في بيتنا، يحلم بعودتي، كأن حضوري قد يربطه بالحياة. أتصفح صور أنقاض بيتنا: أم تركض لتهدئة رضيعها، ابتسامة أخيرة لممرضة، بقايا طفل لم يتعلم النطق، كلها أبادتها الصواريخ. ماضٍ يتهادى في الممر، عائد من حرب طويلة أكلت أرواحًا لا تُحصى. تطرق ذاكرتي بذراع واحدة، تغمرني رائحة الدخان، تمسح دموعها بكمّ فارغ، ثم تغلق الباب إلى الأبد. خلفها يظلّ الحرب، وتختفي آثار أقدامها. أفتح نافذة الأخبار: أيتام مشرّدون من جديد، يُطردون من مأواهم إلى مجهول أبعد. أتذكر: أن السلطة لم تحمِنا إلا بالصواريخ، لتبقينا فقراء، ولتقتل باسم الله. أفكّر في عبء النجاة: سنوات طويلة في المنافي، وأنا أراقب وطني يحترق من بعيد. أفكّر في أختي، تحتمي في بيت غريب، مع أسر لا تعرفها. هي واحدة من ملايين المشرّدين، واحدة من ملايين الوداعات التي هُمست في الظلام. أفكّر في عبء الكلمات، في أناشيد الحرب بلا مغنّين، في ألسنة تخشى الكلام، في أجنحة مسمومة، تحلق من الأزقة الفقيرة إلى المخيمات، وتلقي بظلالها الطويلة من مدينة إلى مدينة. أفكّر في عيني أمي تحت المطر الأسود للصيف. أفكّر في الكارثة التي تشتعل في جسد الأرض. اليوم التاسع من الجنون، أو العاشر… لا فرق، فالليل واحد. قوافينا ماتت مع الأطفال في طوابير الخبز، وأصواتنا خاوية كأذرع أمهاتهم. يقولون: كتابة الشعر بعد المذبحة همجية، لكن ماذا بقي؟ ننقش حزننا في لسان يحتضر، كل كلمة خيانة، وكل صمت جرح. ماذا بقي من اللغة حين تعجز عن إيقاف القتل؟ حين تعجز عن احتضان طفل؟ ومع ذلك، أكتب— لا لأغفر، بل لأتذكر.

قوالب جوفاء

حين تتكرر الكلمات الكبرى في نشرات الأخبار وخطب الساسة، تفقد بريقها الأول ووقعها العاطفي، وتتحول من إنذارات مصيرية إلى أصوات باهتة تعبر آذاننا بلا أثر. عبارة مثل "أوامر الإجلاء" لم تعد تعني ركض الأمهات بأطفالهن تحت القصف، بل صارت مجرد بند في نشرة رسمية. "القنابل النووية" لم تعد ظلّ الفناء المعلق فوق رؤوس البشر، بل ورقة في لعبة الردع بين القوى العظمى. و"الحلول النهائية" لم تعد تثير القشعريرة التي صاحبتها يوم كانت غطاءً لغويًا لجريمة إبادة، بل صارت مثالًا على اللغة الباردة التي تبرر القتل وتخفيه وراء مصطلحات أنيقة. هكذا، بالاعتياد والتكرار، تُفرَّغ الكلمات من دمها، ويصبح الرعب جزءًا من القاموس اليومي.

عبء الذاكرة

عبء الذاكرة هو ذلك الثقل الخفي الذي تحمله الروح كلما مرّت بها صورة أو ذكرى لمأساة عايشتها. ليس الماضي هنا شيئًا غائبًا، بل هو حيّ يطلّ مع كل نفس، يقتحم اللحظة الحاضرة بلا استئذان. قد تكون الذكرى وجه صديق غاب خلف جدار السجن، أو اسمًا مفقودًا في مقبرة جماعية، أو جسدًا على سرير مستشفى تُرك ليموت وحيدًا. هذه الصور لا تكتفي بأن تُروى مرة واحدة، بل تعود مرارًا كالعاصفة، تعيدك إلى الألم ذاته وكأنك تعيشه للمرة الأولى. الذاكرة هنا ليست صندوقًا نحتفظ به في ركن بعيد، بل هي زائر ثقيل، يجيء متى شاء، ويترك في القلب ندوبًا جديدة فوق الندوب القديمة.

عبء النجاة

عبء النجاة هو ذلك الشعور المتناقض الذي يلازم من نجا من الكارثة فيما هلك آخرون. هو وعيٌ ثقيل بأنك بقيت على قيد الحياة لا لأنك أقوى أو أذكى، بل لأن الصدفة اختارتك وأدارت ظهرها لغيرك. الناجي يعيش منفى مزدوجًا: منفى الجسد عن المكان الذي هُدم أو احترق، ومنفى الروح عن الذين رحلوا ولم يعودوا. وكلما طال البقاء، ازداد الثقل، لأن النجاة لا تعني النهاية، بل بداية رحلة أطول مع الذنب، والحنين، والغياب. إنك تحمل موت الآخرين في قلبك كما تحمل حياتك في جسدك، ولا تعرف أيهما أثقل.

عبء الكلمات

(صيغة أكثر تكثيفًا وإيقاعًا، كمرثية شعرية حديثة، مع الحفاظ على الجو العاطفي والبعد الإنساني، لكن بلغة أكثر انضغاطًا وإيقاعًا متدرجًا) أفكّر في الكلمات، كيف تنخرها التكرارات حتى تصير قشورًا باهتة: "أوامر الإجلاء"، "القنابل النووية"، "الحلول النهائية". أفكّر في الذاكرة، كيف تهجم مع كل نفس: وجه صديق خلف باب مغلق، قبر بلا اسم، مريض متروك، أبٌ يمدّ يده نحوي من فراش الموت، يظن أن حضوري قد يربطه بالحياة. أتصفّح أنقاض البيت: أم تركض لرضيعها، ابتسامة أخيرة لممرضة، بقايا طفل لم يعرف المشي، كلّها أكلتها الصواريخ. يمشي الماضي في الممر، بذراع واحدة، عينان مبللتان بالدخان، كمٌّ فارغ يمسح دموعه، ثم يغلق الباب، ويترك الحرب تتسكع خلفه. أرى أيتامًا يُطرَدون من مأواهم، أتذكّر أن السلطة لم تحمِنا إلا بالخراب، لتبقي الفقر حيًّا، ولتقتل باسم الله. أفكّر في النجاة، في المنافي البعيدة، في الوطن يحترق وأنا أنظر من وراء الزجاج. أختي بين جدران غريبة، مع وجوه لم ترَها من قبل، واحدة من ملايين المشرّدين، واحدة من ملايين الوداعات التي همستها الشفاه في العتمة. أفكّر في الأناشيد بلا أصوات، في الألسنة الخائفة، في أجنحة مسمومة تحلّق من الأزقة الفقيرة إلى المخيمات، وتلقي بظلالها من مدينة إلى أخرى. أفكّر في عيني أمي تحت المطر الأسود، في الأرض تحترق من الداخل، في أيام الجنون التي لا تنتهي. قوافينا ماتت في طوابير الخبز، أصواتنا خاوية كأذرع الأمهات. يقولون: كتابة الشعر بعد المذبحة همجية، لكن ماذا بقي؟ ننقش الحزن في لسان يحتضر، كل كلمة خيانة، وكل صمت جرح. ومع ذلك أكتب— لا لأغفر، بل لأتذكر.

عبء الكلمات

(النسخة الرمزية والتجريدية، حيث تتحوّل المشاهد الواقعية إلى صور شعرية مفتوحة، في مرثية أقرب إلى لغة الأسطورة والذاكرة الجمعية) هناك كلماتٌ وُلدت مثقلة، تسير في أفواهنا كما يسير النعش على الأكتاف. كلماتٌ شربت من دمائنا حتى ارتوت، ثم صارت صدىً باهتًا في المدى: أوامرٌ تمشي على عكاز، قنابلُ بأجنحة سوداء، ووعودٌ تُساق إلى المقصلة. الذاكرة، نهرٌ يعود إلى منبعه، يحمل في مجراه وجوهًا عائمة، وأبوابًا مغلقة، وأذرعًا تبحث عن أكتاف غابت. البيت، صار صخرةً بيضاء في بحر الليل، تحرسه ابتسامةٌ منطفئة، وعينان صغيرتان لم تتعلّما بعد كيف تريان النهار. الماضي يزورني مبتورًا، يلفّ جسده بضباب، يمسح دموعه بكمّ من هواء، ويغلق الباب خلفه، فتنكمش الحرب في العتمة كحيوانٍ جريح. في المنافي، الأوطان كالنوافذ تعرض حريقها من بعيد، ولا تسمح بلمس الرماد. الأخت، ظلّ يمشي في بيت غريب، تقتسم دفء الجدران مع أرواح مجهولة، وتغفو على وسادة تشمّ رائحة غيابها أكثر مما تشمّ القطن. الأغاني بلا أفواه، والألسنة تمضغ صمتها، والأجنحة المسمومة تعبر من أحياء الطين إلى مخيمات العطش، وترسم ظلّها من فجرٍ إلى فجر. في عيني الأم يمطر صيفٌ أسود، والأرض في أعماقها تتقلّب ككابوسٍ لا ينتهي. ماتت القوافي في طوابير الجياع، وبقيت الأصوات كأذرعٍ بلا أطفال. يقولون: إن الشعر بعد المذبحة بربريّة. لكن ماذا غيره يبقى؟ أكتب، لأردّ للذاكرة بعض لحمها، وأترك للجراح حقّ الكلام.

mardi 12 août 2025

مرايا الرضا4

(نسخة فلسفية) نركض خلف السراب، نظن أن السعادة مكان، أو لحظة نبلغها ثم نستريح. لكنّ المشاعر كالمواسم، تأتي وتمضي، لا تستأذن ولا تبقى. الطمأنينة ليست في امتلاك الفرح، بل في التصالح مع غيابه، وفي إدراك أن الغياب نفسه جزء من الحضور. في أن نكفّ عن المطاردة، ونجلس بهدوء في حضرة ما هو موجود، وإن كان بسيطًا، كما يجلس العابر في ظل شجرة، لا يسألها كم ستبقى أوراقها خضراء. فأجمل اللحظات قد تولد في غفلة، بلا وعود ولا مواعيد، وأصدق الفرح قد يكون في فنجان قهوة يرافق مطر الصباح، أو في ابتسامة عابرة من غريب. القلب الذي يتسع للغيم، لا يخشى تقلب السماء، والروح التي تعلّمت الإصغاء لنبضها، تعرف أن النقصان ليس عيبًا، بل فسحة يدخل منها النور. هناك، في الرضا، تبدأ الحياة حقًا، كنبعٍ يفيض من الداخل، لا يشيخ ولا ينضب، وتصير الخطوات أخف، والأيام أوسع، واللحظة أغلى من أي وعد بعيد

مرايا الرضا3

(نسخة شعرية) نركض خلف السراب، نظن أن السعادة محطةٌ نهائية، وأن الوصول هو الخلاص. لكنّ المشاعر كالمواسم، تأتي وتمضي، لا تستأذن… ولا تعود أبدًا كما كانت. الطمأنينة ليست في امتلاك الفرح، بل في التصالح مع غيابه، وفي احتضان اللحظة كما هي، ولو كانت عارية من البهجة. أجمل الفصول تولد بلا إعلان، كما تنبت زهرة في شقّ صخرة منسية. القلب الذي يتسع للغيم، لا يخشى أن تغيّر الريح ملامح السماء. هناك، في الرضا، تبدأ الحياة، كنبعٍ داخلي لا ينضب، ولا يعرف الخريف.

مرايا الرضا2

(نسخة التجريدية) نركض في صحراء بلا خرائط، والأفق يمدّ لنا كأسًا من سراب. الفرح طائر مهاجر، يحطّ بلا موعد، ويغادر بلا اعتذار. الغياب ليس فراغًا، بل ظلّ حضورٍ خفي، يختبئ بين نبضة وأخرى. نجلس في حضرة اللحظة، كما يجلس حجر في قاع نهر، لا يلاحق الماء، ولا يخشى الجفاف. السماء تتبدّل، لكن القلب الذي تعلّم أن يحمل غيمه، لا يفقد ملامحه. هناك، في الرضا، تتحول الأيام إلى مرايا، وتنعكس الروح على نفسها، كما لو أنها البحر وقد هدأ الموج.

مرايا الرضا

نركض خلف السراب، نظن أن السعادة مكان، أو لحظة نبلغها ثم نستريح. لكنّ المشاعر كالمواسم، تأتي وتمضي، لا تستأذن… ولا تبقى كما كانت. الطمأنينة ليست في امتلاك الفرح، بل في التصالح مع غيابه، وفي أن نكفّ عن المطاردة، ونجلس بهدوء في حضرة ما هو موجود، كما يجلس العابر في ظل شجرة لا يسألها كم ستبقى أوراقها خضراء. أجمل الفصول قد تولد بلا إعلان، كما تنبت زهرة في شقّ صخرة منسية، وأصدق الفرح قد يجيء من فنجان قهوة في صباح ماطر، أو من ابتسامة غريب لم نتوقعها. القلب الذي يتسع للغيم، لا يخشى أن تغيّر الريح ملامح السماء، والروح التي تعلّمت الإصغاء لنبضها، تعرف أن النقصان فسحة يدخل منها النور. … ثم، في صحراء بلا خرائط، يمدّ الأفق كأسًا من سراب، ويعبر الفرح كطائر مهاجر، يحطّ بلا موعد ويغادر بلا اعتذار. نجلس في حضرة اللحظة، كما يجلس حجر في قاع نهر، لا يلاحق الماء، ولا يخشى الجفاف. هناك، في الرضا، تتحول الأيام إلى مرايا، وتنعكس الروح على نفسها، كما لو أنها البحر وقد هدأ الموج.

ابدأ الآن3

ابدأ الآن... من حيث أنت، بما لديك، بما تبقّى بين يديك. ابدأ بالشكّ حين يغيب اليقين، وبالألم حين يثقل القلب، وبالخوف حين يضيق الأفق. ابدأ برعشة اليدين، بارتجاف الخطوة الأولى، وبكل ما يظنه الآخرون ضعفًا فيك. المهم أن تبدأ... ولا تتوقف، فحتى الطرق الغارقة في الظلام تنفتح أمام من يجرؤ على المضي. كل البدايات صغيرة، لكن بذرة اليوم هي شجرة الغد، ومن يزرع خطوته الأولى، يحصد مصيره...

ابدأ الآن2

ابدأ الآن... من حيث أنت، بما لديك، بما تبقّى بين يديك. ابدأ بالشكّ حين يغيب اليقين، وبالألم حين يثقل القلب، وبالخوف حين يضيق الأفق. ابدأ برعشة اليدين، بارتجاف الخطوة الأولى، وبكل ما يظنه الآخرون ضعفًا فيك. المهم أن تبدأ... ولا تتوقف. فحتى الطرق الغارقة في الظلام تنفتح أمام من يجرؤ على المضي. كل البدايات صغيرة، لكن بذرة اليوم هي شجرة الغد، ومن يزرع خطوته الأولى، يحصد مصيره...

ابدأ الآن1

ابدأ الآن. ابدأ من حيث أنت، بما لديك. ابدأ بالشك، بالألم، بالخوف. ابدأ برعشة اليدين، بارتجاف القلب، بارتباك الخطوة الأولى. المهم أن تبدأ... ولا تتوقف. كل الطرق تنفتح لمن يمشي، حتى وإن كانت بدايتها في الظلام. /// ابدأ الآن... من حيث أنت، بما لديك، بما تبقّى بين يديك. ابدأ بالشكّ حين يغيب اليقين، وبالألم حين يثقل القلب، وبالخوف حين يضيق الأفق. ابدأ برعشة اليدين، بارتجاف الخطوة الأولى، وبكل ما يظنه الآخرون ضعفًا فيك. المهم أن تبدأ... ولا تتوقف، فحتى الطرق الغارقة في الظلام تنفتح أمام من يجرؤ على المضي.

ابدأ الآن

ابدأ الآن... من حيث أنت، بما لديك، بما تبقّى بين يديك. ابدأ بالشكّ حين يغيب اليقين، وبالألم حين يثقل القلب، وبالخوف حين يضيق الأفق. ابدأ برعشة اليدين، بارتجاف الخطوة الأولى، وبكل ما يظنه الآخرون ضعفًا فيك. المهم أن تبدأ... ولا تتوقف، فحتى الطرق الغارقة في الظلام تنفتح أمام من يجرؤ على المضي. كل البدايات صغيرة، لكن بذرة اليوم هي شجرة الغد، ومن يزرع خطوته الأولى، يزرع مصيره.

حين يسكن الظلام4

حين يسكن الظلام كانت القرية ترقد في حضن الجبل، بعيدة عن كل طريق، يلفّها صمتٌ كثيف كغبار القرون. منذ زمن بعيد، زحف إليها مرض غامض، أطفأ النوافذ في العيون، وأغلق أبواب النور إلى الأبد. عاش أهلها في عتمة كاملة، حتى نسوا أن في الوجود شيئًا اسمه الضوء. أنجبوا أبناءً لا يعرفون سوى اللمس والروائح والأصوات، وصار العمى ميراثًا مقدّسًا، لا يُشكك فيه أحد. وذات صباح، كان "بصير" يتسلق الجبل، يلاحق قمم الغيم، فانزلقت قدمه وسقط في قاع وادٍ مجهول. نهض من غبار السقوط، فإذا بيوت بلا نوافذ، جدرانها مطلية بألوان فوضوية تصرخ عبثًا في الفراغ. قال في سرّه: — لا بد أن النور لم يسكن هذه البيوت يومًا. مضى ينادي بين الأزقة، لكن المارة مرّوا بجانبه كأن صوته لا يُسمع. اقترب من جماعة يجلسون إلى جدار، سلّم وسألهم عن القرية وحياتهم بين الجبال. أجابوه باقتضاب، فأخبرهم عن سقوطه وعن بلدٍ وراء الجبل… بلدٍ يبصر فيه الناس. ساد صمتٌ ثقيل، ثم جاءه صوتٌ متهكم: — وما فائدة هذا الذي تسميه "البصر"؟ نحن هنا نعيش بخير بدونه. قال آخر: — ما تصفه فتنةٌ وخطر… النور يربك العقول ويزرع الخلاف. حاول "بصير" أن يصف الشمس والماء والوجوه، لكن كلماته ارتطمت بجدارٍ من إنكارٍ وصلابة. ارتفعت الأصوات: — هذا غريبٌ جاء ليهدم نظامنا. — عيناك هما سبب جنونك. ننزعُهما لتشفى، ولتحيا مثلنا آمنًا. عندها، شعر "بصير" أن الخطر ليس في الظلام الذي يغطّي القرية، بل في الظلام الذي يحرسه أهلها كما يحرسون حياتهم. فرّ هاربًا بين الأزقة الضيقة، حتى بلغ سفح الجبل. وحين التفت نحو الوادي، لم يرَ سوى بقعة غارقة في عتمة كثيفة، يدور فيها الناس في دوائر لا تنتهي. وتمتم في نفسه: ليس "بلد العميان" مكانًا في الخريطة، بل حالة تعيش في القلوب والعقول. هو كل أرضٍ يهيمن عليها الجهل ويُرفع فيها الظلام إلى مقام الحقيقة، ويُطارد فيها النور كأنه وباء. هو كل مجتمعٍ يغلق أبوابه على نفسه، ويرفض الاختلاف كما يرفض الجرح الملح، ويبرّر الأذى لكل من تجرأ أن يرى ما لا يريدون رؤيته. في "بلد العميان"، تُقاس الصحة بقدرتك على العيش في العتمة، ويُسمّى المبصر مريضًا، ويُحاكم النور بتهمة إرباك النظام. وكلما ازداد الظلام رسوخًا، صار البصر جريمة… وصار الأمل في الفجر ضربًا من الجنون.

بلد العميان

ليس "بلد العميان" مكانًا في الخريطة، بل حالة تعيش في القلوب والعقول. هو كل أرضٍ يهيمن عليها الجهل ويُرفع فيها الظلام إلى مقام الحقيقة، ويُطارد فيها النور كأنه وباء. هو كل مجتمعٍ يغلق أبوابه على نفسه، ويرفض الاختلاف كما يرفض الجرح الملح، ويبرّر الأذى لكل من تجرأ أن يرى ما لا يريدون رؤيته. في "بلد العميان"، تُقاس الصحة بقدرتك على العيش في العتمة، ويُسمّى المبصر مريضًا، ويُحاكم النور بتهمة إرباك النظام. وكلما ازداد الظلام رسوخًا، صار البصر جريمة… وصار الأمل في الفجر ضربًا من الجنون.

حين يسكن الظلام3

كانت القرية ترقد في حضن الجبل، بعيدة عن كل طريق، يلفّها صمتٌ كثيف كغبار القرون. منذ زمن بعيد، زحف إليها مرض غامض، أطفأ النوافذ في العيون، وأغلق أبواب النور إلى الأبد. عاش أهلها في عتمة كاملة، حتى نسوا أن في الوجود شيئًا اسمه الضوء. أنجبوا أبناءً لا يعرفون سوى اللمس والروائح والأصوات، وصار العمى ميراثًا مقدّسًا، لا يُشكك فيه أحد. وذات صباح، كان "بصير" يتسلق الجبل، يلاحق قمم الغيم، فانزلقت قدمه وسقط في قاع وادٍ مجهول. نهض من غبار السقوط، فإذا بيوت بلا نوافذ، جدرانها مطلية بألوان فوضوية تصرخ عبثًا في الفراغ. قال في سرّه: — لا بد أن النور لم يسكن هذه البيوت يومًا. مضى ينادي بين الأزقة، لكن المارة مرّوا بجانبه كأن صوته لا يُسمع. اقترب من جماعة يجلسون إلى جدار، سلّم وسألهم عن القرية وحياتهم بين الجبال. أجابوه باقتضاب، فأخبرهم عن سقوطه وعن بلدٍ وراء الجبل… بلدٍ يبصر فيه الناس. ساد صمتٌ ثقيل، ثم جاءه صوتٌ متهكم: — وما فائدة هذا الذي تسميه "البصر"؟ نحن هنا نعيش بخير بدونه. قال آخر: — ما تصفه فتنةٌ وخطر… النور يربك العقول ويزرع الخلاف. حاول "بصير" أن يصف الشمس والماء والوجوه، لكن كلماته ارتطمت بجدارٍ من إنكارٍ وصلابة. ارتفعت الأصوات: — هذا غريبٌ جاء ليهدم نظامنا. — عيناك هما سبب جنونك. ننزعُهما لتشفى، ولتحيا مثلنا آمنًا. عندها، شعر "بصير" أن الخطر ليس في الظلام الذي يغطّي القرية، بل في الظلام الذي يحرسه أهلها كما يحرسون حياتهم. فرّ هاربًا بين الأزقة الضيقة، حتى بلغ سفح الجبل. وحين التفت نحو الوادي، لم يرَ سوى بقعة غارقة في عتمة كثيفة، يدور فيها الناس في دوائر لا تنتهي. وتمتم: — "بلد العميان" ليس بعيدًا عن العالم… إنه حيثما يُطفأ النور، ويُعلن الظلام أنه الحقيقة الوحيدة.

حين يسكن الظلام2

وُلدت القرية في حضن الجبل، كما تولد القطرة في قاع البئر، بعيدة عن كل طريق، بعيدة عن كل عين. منذ زمنٍ بعيد، مرّ عليها مرضٌ أطفأ النوافذ في الوجوه، وترَك الأجساد تمشي في طرقاتها بذاكرةِ اللمس ورائحةِ التراب. لم يرحل أحد، ولم يأتِ أحد. أنجبوا أبناءً بعينين مغلقتين منذ الخلق، وصارت العتمة أصلًا لا يُسأل عن سببه. في صباحٍ علويّ، كان "بصير" يتسلق الجبل، يطارد الغيم، حين خانته صخرة، فانزلق، وتدحرج نحو قاعٍ مجهول. نهض من غبار السقوط، فرأى بيوتًا بلا نوافذ، جدرانها تصرخ بألوان لا يسمعها أحد. أدرك أن الضوء هنا ليس ضيفًا على البيوت. دخل الأزقة ينادي، لكن الأصوات مرت به كما تمر الريح بين الأصابع. اقترب من جماعةٍ جالسين، سلّم بصوتٍ حذر، وسأل عن اسم المكان، وعن أهله، وعن حياتهم بين الجبال. أجابوه بكلمات مقتضبة، ثم بادرهم: — في بلدي… نرى. ساد صمتٌ أثقل من الجبال، ثم جاءه صوت متردد: — وما الرؤية؟ أهي ملمس أم رائحة؟ حاول أن يصف الشمس والماء والوجوه، لكن كلماته بدت لهم طلاسم. ضحكوا كما يضحك الأطفال من ظلّهم، ثم قالوا: — عيناك مرضك. نقتلعُهما لتشفى. هرب "بصير"، والظلام يطارده من خلفه، حتى بلغ سفح الجبل. التفت نحو القرية، فلم يرَ إلا بقعة غارقة في عتمة كثيفة. لم يكن متأكدًا بعدها… هل كان هو المبصر الوحيد بينهم؟ أم أن العمى كان يتسلل إليه ببطء، وهو لم يدرِ بعد؟

حين يسكن الظلام

حين يسكن الظلام وُلدت القرية في حضن الجبل، كما تولد القطرة في قاع البئر، بعيدة عن كل طريق، بعيدة عن كل عين. منذ زمنٍ بعيد، مرّ عليها مرضٌ أطفأ النوافذ في الوجوه، وترَك الأجساد تمشي في طرقاتها بذاكرةِ اللمس ورائحةِ التراب. لم يرحل أحد، ولم يأتِ أحد. أنجبوا أبناءً بعينين مغلقتين منذ الخلق، وصارت العتمة أصلًا لا يُسأل عن سببه. في صباحٍ علويّ، كان "بصير" يتسلق الجبل، يطارد الغيم، حين خانته صخرة، فانزلق، وتدحرج نحو قاعٍ مجهول. نهض من غبار السقوط، فرأى بيوتًا بلا نوافذ، جدرانها تصرخ بألوان لا يسمعها أحد. أدرك أن الضوء هنا ليس ضيفًا على البيوت. دخل الأزقة ينادي، لكن الأصوات مرت به كما تمر الريح بين الأصابع. اقترب من جماعةٍ جالسين على صمتهم، وقال: — أنا من مكانٍ يرى. تساءلت الأصوات: — وما الرؤية؟ أهي رائحة؟ أهي طَعم؟ حاول أن يصف الشمس والماء والوجوه، لكن كلماته بدت لهم طلاسم. ضحكوا كما يضحك الأطفال من ظلّهم، ثم قالوا: — عيناك مرضك. نقتلعُهما لتشفى. هرب "بصير"، والظلام يطارده من خلفه، حتى أدرك عند سفح الجبل أن النور لا يسكن في العيون، بل في القلوب التي تصدّقه. وحين التفت إلى القرية، بدت له كجرّةٍ مختومة، يعلوها غبار الأزمنة، يحتفظ بداخلها بشرٌ لا يعرفون أن في العالم شيئًا اسمه الفجر.

بلدٌ لا يعرف النور

بلدٌ لا يعرف النور في سفحٍ منسيّ بين الجبال، كانت قرية تعيش في ظلامٍ كامل، ليس ليلًا ولا نهارًا، بل زمنًا واحدًا لا يتبدّل. قبل أجيال بعيدة، تسلّل إليها مرض غريب أطفأ العيون، وأغلق على الأرواح باب الضوء. عاشوا هكذا، وتزاوجوا، وأنجبوا، حتى صار العمى ميراثهم الوحيد، يتناقلونه كما يتناقلون أسماءهم وحكاياتهم. لم يعرفوا أن في العالم شيئًا اسمه البصر، ولم يشعروا أنهم يفتقدون شيئًا. وذات صباح، كان "بصير" يتسلق الجبل باحثًا عن القمم التي تلمس الغيم، فانزلقت قدمه، وتدحرج جسده حتى أسلمته الصخور إلى قاع الوادي، حيث القرية النائمة في عتمتها الأبدية. وقف يلتقط أنفاسه، فإذا البيوت بلا نوافذ، وجدرانها مطلية بألوان تصرخ عبثًا، لا يراها أحد. قال في سرّه: — الذي بناها لم يعرف معنى أن يدخل الضوء بيتًا. مضى بين الأزقة ينادي، فمرّ به أناس كثيرون، يسيرون بثقة لا تحتاج إلى عيون، لكنهم لم يلتفتوا إليه، كأن صوته ريح عابرة. اقترب من جماعة جالسين، وقال: — أنا رجل من وراء الجبل، جئت مصادفة… في بلدي نحن نرى. ساد صمتٌ ثقيل، ثم جاءه صوت متعجب: — ماذا تعني بـ "نرى"؟ حاول أن يشرح: — نرى الشمس وهي تشرق، نرى وجه الماء حين يلمع، نرى ملامح بعضنا… قاطعته ضحكات ساخرة، وقال آخر: — كلماتك غريبة. هل للشمس شكل؟ أهو ملمس أم طعم؟ ارتفعت الأصوات، تتهمه بالهذيان. قال أحدهم بحزمٍ جليد: — عيناك هما مصدر جنونك. نقتلعُهما فتشفى. شعر "بصير" أن الظلام يقترب منه، ليس من الخارج، بل من الداخل، من فكرة أن يكون النور خطأً، وأن يكون الظلام قانونًا. فرّ هاربًا بين الأزقة الضيقة، حتى خرج من القرية، والهمهمة الغاضبة تطارده. وحين بلغ الجبل، التفت إلى الوادي الغارق في عماه، وتساءل في نفسه: — أيهما أعمق؟ عمى العيون… أم عمى القلوب عن إدراك أن هناك ضوءًا؟ إذا أر

في بلد العُميان

في بلد العُميان كانت القرية النائية ترقد بين الجبال كجرّةٍ منسية على رفّ الطبيعة، لا يطرقها غريب ولا يرسل إليها العالم سوى الرياح وأصوات الرعد البعيد. ذات زمن غابر، اجتاحها داء غريب سرق من أهلها نعمة البصر، فأغلق العيون على ظلامٍ أبدي، وأغلق معها أبواب القرية على نفسها. لم يرحل أحد، ولم يأتِ أحد. تكيفوا مع العمى، وساروا في الأزقة كما تسير الذاكرة في أروقة الماضي. أنجبوا أبناءً بلا نور في عيونهم، جيلاً بعد جيل، حتى لم يبقَ في القرية مبصر واحد، وصار الضوء ذكرى لم يختبرها أحد. في صباحٍ مشرق على قمة الجبل، كان "بصير" — متسلق الجبال الذي يعرف دروب الصخور كما يعرف قلبه — يمارس هوايته، يتلمّس طريقه نحو السماء. لكن صخرةً غدرت بقدمه، فانزلقت، وتدحرج جسده على سفحٍ وعر، حتى سقط في وادٍ ضيق لم تطأه قدمه من قبل. حين نهض، لم يجد في جسده أذى، لكنه وجد أمامه مشهداً غريباً: بيوت بلا نوافذ، جدرانها مطلية بألوانٍ فاقعة، تتجاور على نحو فوضوي يجرح العين. تمتم لنفسه: — لا شك أنّ من شيد هذه البيوت لم يكن يبصر. توغل بين الأزقة الضيقة، ينادي: — هل من أحد هنا؟ كان الناس يمرون بمحاذاته، وجوههم جامدة، خطواتهم ثابتة، كأنهم يسيرون في فراغ لا يراه سواه. لم يلتفت إليه أحد. هنا أدرك أنه في بلد العميان. اقترب من جماعةٍ تجلس تحت ظل جدار، وقال: — السلام عليكم، أنا رجل من وراء الجبل، جئتكم مصادفة بعد أن سقطت. نحن في بلدي نبصر النور، ونرى… توقف عند دهشتهم، وأكمل: — نعم، نبصر. تبادل القوم نظراتٍ خاوية، ثم انفجر أحدهم يسأل: — ما معنى "نبصر"؟ — وكيف يكون ذلك؟ — بأي طريقة تفعلون هذا؟ حاول أن يشرح: — نحن نرى الشمس حين تشرق، نرى ألوان الزهور، ونميز وجوه بعضنا… لكنهم قهقهوا كما لو أنه يسرد خرافة للأطفال. قال أحدهم بسخرية: — وهل للزهور ألوان؟ وهل الوجوه تختلف؟! ثم علت الهمهمات، وتحولت إلى غضبٍ مكتوم. قال رجل ضخم: — هذا الرجل مجنون، وعيناه هما سبب هذيانه. لا بد من إزالتهما ليشفى! ارتد قلب بصير إلى صدره بعنف، فتراجع خطوة، ثم خطوتين، قبل أن يفرّ راكضاً بين الأزقة العمياء، وأصواتهم تلاحقه. خرج من القرية وهو يلهث، يحدّث نفسه: — كيف يصبح العمى هو الصواب، بينما البصر مرض؟! وفي أعالي الجبل، حين استعاد أنفاسه، ألقى نظرة أخيرة نحو الوادي الغارق في الظلام، وأدرك أن النور لا يسكن العيون، بل العقول.

lundi 11 août 2025

ومضة فلسفية

حتى أمام حتمية الموت، يظلّ الإنسان متمسّكًا بطقوسه الصغيرة، كأنها خيط سرّي يربطه بالحياة. يقرأ وهو يعرف أن الصفحة التالية قد لا تأتي، يكتب وهو يدرك أن الورقة قد تُطوى قبل أن يجف الحبر. في لحظة المواجهة مع الفناء، لا ينتصر الجسد، لكن الفكر يفعل؛ الكلمة تعبر المشنقة بلا عنق، والقراءة تواصل السفر حين تتوقف الأقدام. هكذا، يترك الإنسان أثره على الورق، كأنما يقول للموت: قد تأخذني، لكنك لن تأخذ ما فكرت فيه، ولا ما حلمت به. بصيغة أكثر تكثيفًا، لتكون أشبه بومضة فلسفية قصيرة. الصيغة المكثّفة كومضة فلسفية: قد يوقف الموت الجسد، لكنه لا يوقف صفحة تُقرأ، ولا فكرة وجدت طريقها إلى الورق. الومضة الشعرية: الكلمة تعبر المشنقة بلا عنق، والقراءة تواصل السفر حين تتوقف الأقدام. المقطع الفلسفي: حتى حين يضيق الحبل حول العنق، يبقى للفكر مسار آخر لا يمكن للموت أن يقطعه. الكلمة، خفيفة كنسمة، تعبر المشنقة دون أن يلمسها الفناء، والقراءة، مثل نهرٍ خفي، تواصل تدفقها حين تتوقف الأقدام على الضفة. في النهاية، الجسد هو ما يسقط، أما المعنى فيظل واقفًا، يتنفس في ذاكرة من قرأ ومن سيقرأ.

ثلاث صياغات

ثلاث صياغات بديلة لنفس فكرة القصة، كل واحدة بنبرة مختلفة: ١. الصيغة الجدية الرمزية كان في العربة التي تقوده إلى المشنقة يقرأ بهدوء. وعندما وصل، أغلق الكتاب برفق… كأنه يضع فصل الحياة الأخير بين دفّتيه. ٢. الصيغة الساخرة السوداء كان يطالع رواية في طريقه إلى الإعدام، وقبل أن يضعوا الحبل حول عنقه، وضع إشارة في الصفحة… فالموت لا يبرر ترك الكتاب نصف مقروء. ٣. الصيغة العبثية الفلسفية على درجات المشنقة، ثنى زاوية الصفحة التي يقرأها. لم يكن يخطط للهروب، لكنه كان مؤمنًا أن القراءة، مثل الموت، يجب أن تُستكمل.

قصة قصيرة جدا

كان في العربة التي تسوقه إلى المشنقة يطالع أحد الكتب، وقبل أن يبدأ في صعود الدرجات نحو الإعدام ثنی زاوية الصفحة! (يستمر الإنسان في طقوس الحياة حتى أمام حتمية الموت).

ومضة

يوم الجمعة قرأت خبر وفاته. يوم الاثنين، وصلت بطاقته الأخيرة: «ليتك كنتِ هنا.»

ليتك كنتِ هنا

لم يكن من هواة الرسائل الطويلة. كان يكتفي أحيانًا ببطاقة بريدية من مدينة بعيدة، كأنها طائر مهاجر يحطّ على عتبة بابها، ليقول لها باقتضاب: أنا بخير… وأفكّر بك. في صباح جمعة، قرأت خبر وفاته في زاوية صغيرة من الجريدة. كانت الكلمات جافة، باردة، لا تشبهه. أغلقت الصحيفة ببطء، وبقيت تحدّق في الفراغ، كأن البحر الذي بينهما قد ابتلع آخر جسوره. لكن… في صباح الاثنين، جاء ساعي البريد. وضع بين يديها بطاقة ممهورة بخطّه، عليها صورة شاطئ غريب، وزرقةٌ لا تعرفها. وفي أسفلها، كتب بخطٍّ مائلٍ مألوف: «ليتك كنتِ هنا.»

بطاقات بريدية

لم يكن يومًا من هواة الرسائل الطويلة. كان يرسل لها بين الحين والآخر بطاقات بريدية من أماكن غريبة ليُخبرها أنه على قيد الحياة وبصحة جيدة ويُفكر بها. قرأت خبر وفاته يوم الجمعة بحزن. وفي يوم الاثنين، وصلت بطاقته البريدية. تمامًا على طريقته: «ليتك كنتِ هنا.»

قاعة الانتظار

لماذا اخترتُ الجلوسَ بجانبك؟ لا أريدُ مُحادثةً أو التعرّف عليك. سأقرأُ - بصمت. مثلك، لن أرفعَ رأسي - لا نظرةَ ودٍّ. لكن، كأنّ وجودك هنا يوزّع الطمأنينة في الهواء، ويجعلُ الصفحةَ أمامي أقلَّ بياضًا، وأكثر قدرةً على احتمال الكلمات. أسمعُ تقليبَ أوراقك، كأنه إيقاعٌ خفيٌّ يُنسّق أنفاسي. لا نحتاجُ أن نلتقي في الجُمل، يكفينا أن نتقاطع في الصمت. وحين ننهضُ — وربما لن أفعل — سأظلُّ أذكرُ أن مقعدًا ما صار أوسعَ لأنك كنتَ فيه.

لا بريد منذ أعوام5

(نسخة أخرى قصيرة مكثفة جدًا، يكون فيها الغياب هو البطل، والبريد مجرد رمز ) لم يطرق أحد الباب منذ أعوام، الريح وحدها تتجوّل في الممر، تذرّ غبارها على العتبة، وتترك ظلالًا لا أسماء لها. أصواتٌ بعيدة تمرّ بي، كأنها قادمة من زمنٍ آخر، وأحلامٌ تتساقط قبل أن تكتمل. في قلبي فراغٌ يحصي الأيام، وفي يدي أثرُ يدٍ لم ألمسها، ووعدٌ لم يصل. لا أحد ينتظرني، ولا أحد أكتب إليه، لا بريد منذ أعوام.

لا بريد منذ أعوام4

(هذه النسخة صارت أكثر رمزية، وتسمح بتأويل البريد على أنه رسائل حسية أو روحية أو زمنية، لا مجرد بريد عادي) لا بريد منذ أعوام كل صباح تمتد يدي نحو الفراغ أفتّش في جيب الغياب عن ظلّ رسالة عن ومضةِ اسمٍ كان يعرفني قبل أن أولد عن أثرِ يدٍ مسّت روحي في زمن آخر عن وعدٍ كتبه غائب لا يسكن الأرض في قبضتي شذرات كلمات غريبة كفتات نجمٍ انطفأ منذ قرون أحاول جمعها كما يجمع العابر أثر الريح أرصّها على مهل كمن يرصف طريقًا إلى بيتٍ مجهول فتتناثر كما تتناثر الأحلام عند أوّل ضوء كلمة تشبه منامًا بلا مفسّر لغة ليست لغتي محفورة على صخرة زمنٍ بارد لا تصغي ولا ترتجف ومن بعيد يعلو صخب السوق أصوات المساومة والضحك ووقع الخطى وأنا بضاعة منسيّة في زاوية النسيان يغشّيني غبار الأعوام والعيون تمرّ بي كما تمرّ على ظلّ في الذاكرة رسائل قديمة لم تكن ورقًا وحبرًا فحسب كانت نداءً يعبر الجسد قبل الأذن وأحلامًا تحطّ على النوافذ قبل الفجر وأحزانًا تمسك بي كيدٍ تمنعني من السقوط لا جملة كاملة تصل إلى القلب ولا بيت يوقظ الشغف بخبر يقيني كل ما يصل هو صمت معلّق بين زمنين صمت يعرف أن لا أحد ينتظرني لا بريد منذ أعوام ومن ذا الذي يكتب لميت؟ فوق العتبة المغلقة قد يهبط فجأة طائر ينفض عن جناحيه غبار القرون وتتناثر من ريشه رسائل بحبرٍ لم يعرف الجفاف

لا بريد منذ أعوام3

"لا بريد منذ أعوام" لا بريد منذ أعوام كل صباح تمتد يدي نحو الفراغ أفتّش في جيب الغياب عن ظلّ رسالة عن ومضةِ اسمٍ كان يعرفني عن أثرِ يدٍ عبرت قلبي عن وعدٍ لم يكتبه بشر في قبضتي شذرات كلمات غريبة كفتات نجمٍ انطفأ قبل أن أراه أجمعها بلهاث صبر أرصّها كما يرصف المنفيّ طريق الحلم فتتناثر كالأحلام عند شروق الشمس كلمة تشبه منامًا بلا مفسّر لغة ليست لغتي محفورة على صخرة زمنٍ بارد لا تصغي ولا ترتجف ومن بعيد يعلو صخب السوق أصوات المساومة والضحك ووقع الخطى وأنا بضاعة منسيّة في زاوية النسيان يغشّيني غبار الأعوام والعيون تمرّ بي كما تمرّ على ظلّ في الذاكرة رسائل قديمة لم تكن ورقًا وحبرًا فحسب كانت أصواتًا تعبر الجسد قبل الأذن وأحلامًا تحطّ على النوافذ قبل الفجر وأحزانًا تمسك بي كيدٍ تمنعني من السقوط لا جملة كاملة تصل إلى القلب ولا بيت يوقظ الشغف بخبر يقيني كل ما يصل هو صمت معلّق بين زمنين صمت يعرف أن لا أحد ينتظرني لا بريد منذ أعوام ومن ذا الذي يكتب لميت؟ فوق العتبة المغلقة قد يهبط فجأة طائر ينفض عن جناحيه غبار القرون وتتناثر من ريشه رسائل بحبرٍ لم يعرف الجفاف

dimanche 10 août 2025

لا بريد منذ أعوام2

"لا بريد منذ أعوام" لا بريد منذ أعوام كل صباح تمتد يدي نحو الفراغ أفتّش في جيب الغياب عن ظلّ رسالة عن رائحة ورقٍ شرب ملوحة البحر عن انحناءة خطّ أعرفها عن وعدٍ مؤجّل يعود من آخر العالم في قبضتي شذرات كلمات غريبة كفتات طائرٍ عبر نافذة الليل أجمعها بلهاث صبر أصفّها كما يرصف المنفيّ طريق العودة فتتناثر كالأحلام عند شروق الشمس كلمة تشبه منامًا بلا مفسّر لغة ليست لغتي محفورة على صخرة زمنٍ بارد لا تصغي ولا ترتجف ومن بعيد يعلو صخب السوق أصوات المساومة والضحك ووقع الخطى وأنا بضاعة منسيّة في زاوية النسيان يغشّيني غبار الأعوام والعيون تمرّ بي كما تمرّ على ظلّ في الذاكرة رسائل قديمة حبر يفيض بالحكايات أصابع تترك دفئها على الورق أختام تتكسر تحت لهفة الفتح أصوات تخرج من السطور ضحكات تتسلل من بين الكلمات وأحزان تمسك بي كيدٍ تمنعني من السقوط لا جملة كاملة تصل إلى القلب ولا بيت يوقظ الشغف بخبر يقيني كل ما يصل هو صمت معلّق بين فرح وحزن صمت يعرف أن لا أحد ينتظرني لا بريد منذ أعوام ومن ذا الذي يكتب لميت؟ فوق العتبة المغلقة قد يهبط فجأة طائر ينفض عن جناحيه غبار القرون وتتناثر من ريشه رسائل بحبرٍ لم يعرف الجفاف

لا بريد منذ أعوام

"لا بريد منذ أعوام" لا بريد منذ أعوام. كل صباح، أمد يدي نحو الفراغ، كأنني أفتّش في جيب الغياب عن أثر لوجه، عن رائحة ورق، عن انحناءة خطّ أعرفها، عن وعد مؤجل يعود من آخر العالم. لكن يدي لا تمسك إلا كلماتٍ مبعثرة، كفتات طائر عبر نافذة الليل، أحاول جمعها، أعيد ترتيبها على مهل، ثم أكتشف أنها تتنافر، كما تتنافر الأحلام حين تشرق الشمس. كلمة تشبه منامًا بلا مفسّر، لغة ليست لغتي، محفورة على صخرة زمنٍ بارد، لا تصغي لندائي ولا ترتجف. ومن بعيد، يعلو صخب السوق، أصوات المساومة والضحك، وقع الخطى، وأنا بضاعة متروكة في زاوية النسيان، غبار الأعوام يغشّيني، والعيون تمرّ بي كما تمرّ على ظلّ. لا جملة كاملة تصل إلى قلبي، ولا بيتٌ يوقظ الشغف بخبرٍ يقيني. كل ما يصلني ليس فرحًا ولا حزنًا، بل صمتٌ مُعلّق بينهما، صمت يعرف أن لا أحد ينتظرني. لا بريد منذ أعوام— ومن ذا الذي يكتب لميت؟

أنا لستُ جنديًّا

أنا لستُ جنديًّا، لكنّي إذا شبّت الحربُ أرى البزّةَ على جسدي في المنام، وفي طابور الخبز، وعند بعثي الأخير من رماد الخبر. أزرع البارودَ على جانبي الطريق إلى المقبرة، وأغرس الشظايا في حقول الذاكرة حين يحصد النسيانُ غفرانَ الأصدقاء، وحين يقطعون ذراعي أرفع راية الملل التي لا تنحني. أجمع الفقراء إلى الفقراء، وأحصي دموع الأمهات سبحةً للبلاد، أوقد شمعةَ الخوف في القلب وأوزّعها على الجدران —عند بدء القصف— بيتًا بيتًا من الشعر. أرمّم جدران الزمن، أقطف أزهار ذخيرة العدو، وأعلّم الأطفال—إن كبروا يومًا— مواعيد الصلاة للوطن. أنا لستُ جنديًّا، لكنّي أطلّ كشرفة معلّقة في السماء بعد أن يقتلوا المبنى، أراقب الجيران يفرّون إلى شواطئ الإسفلت قبل الموجة القادمة، وأرى البيوت تنجو بخطأ طيار، أو بعدسة مصوّر، أو بيد طبيبٍ يعرف جراح البيوت، وأرى الإسعاف عند بوابة الظلم، كأنها امرأة أجهدها الحمل وألهبها آب. أنا لستُ جنديًّا، لكنّي كملاك أصفّق للجنود، وكأمٍّ أغسل الأكفان، وكبيتٍ يطمئنّ بملابس ساكنيه العائدين كلما غادروا. أوجّه بريد الصواريخ إلى جيبي، ثم أفتّته كفاتورة كهرباء، أخبّئ كرة الأطفال لزمن السلم، فلعلّهم يعودون بلا سيقان. أنتظر الدموع، لكنها—مثلي—فقدت ساعتها وظلها في الحرب، وبقيت بلا أصدقاء. من سيرفع الأطفال إلى الله قبل أكفانهم؟ من سيوقف الأحياء عن الطواف حول الأخبار كالحجيج؟ من سيعطي المدينة خبزها قبل النوم، ومرفأً لخطاها كأيّ مدينة أخرى على ماء الحياة؟ من سينزع المدني من بزّة الجندي، والجندي من بزّة السياسي، والسياسي من بزّة رجل الدين، ورجل الدين من بزّة الحمقى؟ ومن ينزع المدينة من ثياب تخون الثياب؟ أنا لستُ جنديًّا، لكنّي أرتّب مشهد الموت الأخير، لأرضي بموتي الأحياء.

أنا لستُ جنديًّا2

أنا لستُ جنديًّا، لكنّي في الحرب أرتدي البزّة في المنام، وفي طوابير الخبز، وعندما تبعثني الأخبار الأخيرة من رمادي. أزرع البارود على جانبي الطريق إلى المقبرة، وأغرس الشظايا في حقول الذاكرة، حين يحصد النسيان غفران الأصدقاء، وحين يقطعون ذراعي، أرفع راية الملل التي لا تنحني. أجمع الفقراء إلى الفقراء، وأحصي دموع الأمهات سبحةً للبلاد، أضيء القلب بشمعة خوف، أوزّعها على الجدران—عند بدء القصف— بيتًا بيتًا من الشعر. أرمّم جدران الزمن، وأقطف أزهار ذخيرة العدو، وأعلّم الأطفال—إن كبروا يومًا— مواعيد الصلاة للوطن. أنا لستُ جنديًّا، لكنّي أرى نفسي شرفةً معلّقة في السماء بعد أن يقتلوا المبنى، أرقب الجيران يفرّون إلى شواطئ الأسفلت قبل الموجة التالية من القصف، والبيوت تنجو بفضل خطأ طيّار، أو عدسة مصوّر، أو يد طبيب يعرف جراح البيوت، فيما الإسعاف واقفة على بوابة الظلم، كأنها امرأة أرهقها الحمل وألهبها آب. أنا لستُ جنديًّا، لكنّي أصفّق للجنود كملاك، أغسل الأكفان كأمّ، وأمسك بملابس العائدين كي لا يرحلوا. أوجّه بريد الصواريخ إلى جيبي، ثم أفتّته كفاتورة كهرباء. أخبّئ الكرة للأطفال لزمن السلم، لعلّهم يعودون بلا سيقان. أنتظر الدموع، فلا تأتي، فقدت—مثلي—ساعتها وظلّها، وظلّت بلا أصدقاء. من سيرفع الأطفال إلى الله قبل أكفانهم؟ من سيوقف الأحياء عن الطواف حول الأخبار كالحجيج؟ من سيعطي المدينة خبزًا قبل النوم، ومرفأً لتسير ببطء كأيّ مدينة أخرى على ماء الحياة؟ من سينتزع المدني من بزّة الجندي، والجندي من بزّة السياسي، والسياسي من بزّة رجل الدين، ورجل الدين من بزّة الحمقى؟ ومن سينزع المدينة من ثياب تخون الثياب؟ أنا لستُ جنديًّا، لكنّي أرتّب مشهد الموت الأخير، لأرضي بموتي الأحياء.

أنا لستُ جنديًّا

أنا لستُ جنديًّا، لكنّي أرى نفسي في الحرب مرتديًا بزّةً عسكرية حين أشتري الخبز، حين أنام، وحين أُبعث من جديد بعد آخر الأخبار. أصفُّ البارود على جانبي الطريق المؤدّي إلى المقبرة، أزرع ما تيسّر من شظايا في حقول الذاكرة كلّما حصد النسيانُ الغفرانَ والأصدقاء، وفي كلّ مرّة يقطعون ذراعي، أرفع راية الملل التي لا تنحني. أجمع الأطفال والآباء، الفقراء والفقراء، وأحصي دموع الأمهات سبحةً لحكاية البلاد. أضيء عتمة القلب بشمعة الخوف، أوزّعها على الجدران—عندما يبدأ القصف—بيتًا بيتًا من الشعر. أرمّم ما تهدّم من جدران الزمن، أقطف ما أزهر من ذخيرة عدوي، وأعلّم الأطفال—إن كبروا يومًا—جدول الدعاء للوطن. أنا لستُ جنديًّا، لكنّي في الحرب أرى نفسي شرفة معلّقة في السماء بعد أن يقتلوا المبنى، أراقب كيف يهرع الجيران إلى شواطئ الأسفلت قبل موجة القصف الجديدة، وكيف تنجو البيوت من جراحها بسبب خطأ طيار مبتدئ، ومهارة مصوّر نقل صورتهم إلى المستشفى، وحظّ ساق إليهم طبيبًا بارعًا في جراح البيوت، وكيف تقف سيارة الإسعاف عند بوابة الظلم مثل امرأة أجهدها الحمل وأضعفتها شمس القيظ. أنا لستُ جنديًّا، لكنّي أرى نفسي في الحرب ملاكًا يصفّق للجنود، أمًّا تغسل الأكفان، بيتًا يطمئنّ بتشبّثه بملابس ساكنيه العائدين كلّما غادروا. أرى نفسي أوجّه بريد الصواريخ إلى جيبي، ثم أفتّته مثل فاتورة كهرباء. أحتفظ بكرتهم للأطفال لما بعد الحرب، فلعلّهم يعودون بلا سيقان. أنتظر الدموع، لكنّها لا تأتي— هي أيضًا، مثلي، فقدت ساعتها وظلّها في الحرب، وظلّت هكذا بلا أصدقاء. من سيرفع الأطفال إلى الله أمام أكفانهم؟ من سيوقف الأحياء عن الطواف حول الأخبار كالحجيج؟ من على الجرف المطلّ على الأسطورة؟ من سيعطي المدينة حصّتها من الخبز قبل النوم ومرفأً لتسير ببطء كأيّ مدينة أخرى على ماء الحياة؟ من سينتزع المدني من بزّة الجندي، والجندي من بزّة السياسي، والسياسي من بزّة رجل الدين، ورجل الدين من بزّة الحمقى؟ ومن سينتزع المدينة من ثياب تخون الثياب؟ أنا لستُ جنديًّا، لكنّي أرى نفسي في الحرب أرتّب مشهد الموت الأخير، لأرضي بموتي الأحياء.

samedi 9 août 2025

مملكة الحرف

يا رب... هذه روحي، نضجت في أبجدية الإله حين قلتَ لي: كُنْ— فانهمر القصيدُ مسرعًا نحو تمامه، حيث الكمالُ نهاية. حيثما ألقِي عصاي، تفيضُ أفاعي روحي، وترتعشُ شفةٌ ظمأى حليب امرأةٍ من سحاب. الجسدُ، المنسيُّ على نار اللغة، يفيضُ دهشاتٍ ومزامير، وأعبرُ، دائمًا، في ثقب إبرتها، جِمالُ رؤاي. كنّا اثنين: ملكًا ومملكةَ كتابة. يا رب، ها هي روحي، انتهت من الكلمات، والآن نضجت للقطاف.

شاشة الليل

انطفأ اليوم كشمعة ذائبة وغابت الشمس بين أمواج البحر، والجداول العتيقة تنزلق في قيعان الأحواض الصخرية، والنسيم يتردد حاملاً دغدغة الحقول. واقفون على الأسوار كالحراس، متعبون من جرِّ الأخاديد في مهب الريح، تغفو الخيول الشائخة، والطيور في أعشاشها بين ضفائر الأوراق تراقب الثعالب الحمراء تمر في الليل. يعود الصمت، والحبُّ الذاهب يتوشح باللمعان، والذكريات البعيدة تلبس الأزرق، تخدرت الأحقاد، وعادت الطفولة. وبينما ينام كل شيء، وتصمت الينابيع لتصغي إلى الليل، شعلةٌ صغيرة تخرج من المستنقعات، نارٌ خفيفةٌ اعتادت الظلام، تنزلق على الدروب، وتتهاوى على التلال... اتركوها تمر، وافتحوا لها الطريق، فهي تبحث في الظلام عن شمعةٍ متقدة لتضيء النهار.

يستيقظُ العالم،

مع ضوءِ الفجرِ الأولِ، يستيقظُ العالم، يبدأُ اليومُ، ويُراهنُ على الأملِ. تذيبُ الأشعةُ الجديدةُ مخاوفَ الليلِ القديمة، صفحةٌ جديدةٌ تُقهرُ، تمسحُ الدموعَ الذابلة. بينَ الفجرِ واحتضانِ الغروب، تزهرُ قصصٌ جديدةٌ في كلِّ مكانٍ مكنوب. بعضُها قويٌّ، وبعضُها ضعيف، بعضُها نعتزُّ به، وبعضُها كئيب. قليلٌ منها قصصٌ يُفضّلُ تركُها دونَ سرد، ليحفظَها القلبُ الصغيرُ ولا تُشكلُهُ كالورد. سيأتي وقتٌ يرحلُ فيه الجميعُ عنك، لكنّكِ ستنهضين، فبالإيمانِ بنفسكِ تُحيكِ الأملَ والدرك. قد يزيدُ عددُ الأصدقاءِ الزائفينَ عن الأوفياء، لكنّ حبَّ والديكَ يتجاوزُ كلَّ الأشياء. الحياةُ رحلةٌ تمضي قُدمًا، وفي كلِّ قلبٍ غايةٌ تُرسمُ همسًا. وبينما تغربُ الشمسُ مرةً أخرى، نقلبُ الصفحةَ، نحتملُ الألمَ صبرًا.

نجمٌ واحد في مدينة الضباب

تبع النجم كأنّ فيه خلاصًا... مرّ على أرضٍ لا تُنبت، صمتها قاسٍ كالثلج، وحدته تمتد بامتداد السهول. لم يسأله أحد لِم يتبع ضوءًا صغيرًا في سماءٍ تزداد برودتها، ولم يكن يحتاج أن يجيب. حين دخل الغابة، لم تكن سوى هيكلٍ من فروع، عاريةً من الحياة... ومع ذلك، أغمض عينيه لحظة، فشعر أن النجم يغمز له — لا ضوءًا، بل وعدًا. ثم جاءت الشمس، هائلة، دافئة، مؤكّدة. الكلّ يمشي تحتها، يتّبعون نورها، ينحنون أمام وضوحها. لكنه كان قد اختار: نجمُه، وإن بدا باهتًا، هو ما سيقوده. دخل المدينة. لم يكن وحيدًا. الناس كلّهم يتبعون نجومًا، كثيرًا، أكثر مما يستطيع القلب أن يحتمل. لكنّ النجوم هناك لا تُرى. اختنقت خلف الضباب، ذابت في الدخان، أصبحت كأصوات كثيرة بلا معنى. أما هو... فكان يمشي، ونجمٌ واحد لا يزال يضيء له الطريق — لا في السماء، بل في داخله.

نجم داخلي2

تبع النجم، ليس لأنه يضيء، بل لأنه يهمس. عبر السهول التي تشهق صمتًا، حيث لا دفء، ولا ظلّ لصوت. تحت قدميه، البياض ممتد كنسيان قديم، وفوقه، نقطة ضوء ترفض أن تغيب. دخل الغابة، كانت الأشجار عارية، كأن الحياة تخلّت عن فروعها، لكن النجم... غمز له من بين الأعمدة اليابسة، كأنّه سرٌّ لا يُقال إلا في الظلال. طلعت الشمس. أشرقت على العالم كإجماعٍ لا يقبل النقاش. لكنّه لم ينظر إليها. ظلّ يتبع نجمًا خافتًا، باهتًا، لكنه له. ثم دخل المدينة... أصوات، شوارع، نجوم تتقافز في عيون الناس، تتسابق إلى الأبصار، كلٌّ منها يريد أن يُرى. لكن لا أحد يرى. الضباب كثيف، والدخان يغلف المعنى. وحده، يمشي ونجمٌ صغير في صدره، لا يلمع... لكنه لا ينطفئ.

قصص قصيرة

يصفها زوجها بالمزاجية، والهستيرية، والجنونية. يطلب منها أن تهدأ - ويلقي باللوم على أنها امرأة. فتُحطم نفسها إلى أشلاء، وتضع كل قطعة داخل علبة حبوب، تحمل عناوين: الحزن، الخوف، خيبة الأمل، الغضب. كل يوم تضبط مؤقتًا، وتتذكر أن تبتلعها. /// كان أول يوم لي في مستشفى الأحداث للأمراض النفسية. كان الجدار مزينًا بلوحة جدارية - مشهد نهاري مبهج لطفل يطير بطائرة ورقية. فهمتُ الأمر. لكنني لم أكن الطفل، بل كنتُ الطائرة الورقية، مربوطة بالأرض بخيط واحد. /// في صغري، ظننتُ أن جميع الطيور تُغرّد، وجميع النباتات تُزهر، وجميع القلوب تُحب. ثم علمتُ أن بعض الطيور تُسعد بالزقزقة، وأن السرخس والطحالب لا تُزهر. لكن حتى في غروب أيامي، أعلم أن القلب بلا حب ليس قلبًا على الإطلاق. /// تبع النجم عبر السهول المتجمّدة. تَبِعَه إلى الغابة، حيث كان يومِض له من خلال قبة الأغصان العارية. وبعد أن أشرقت الشمس، واصل تتبّعه للنجم، باهتًا وضعيفًا كما كان – حتى دخل مدينةً يسير فيها الناس خلف مليارات النجوم، تختفي خلف الضباب والدخان.

أرضُ غزةَ

أرضُ غزةَ يا وجهُنا ومن طينها ندهنُ الخدَّ كي يتورّدَ يا ولدي ونباهي القمر. ونظلُّ نحلم باليمامِ فوق بكائنا الصيفيّ يهطل كالمطرْ قد تُقتلُ الأشجارُ، لكنّ الولادة ممكنة ولو من حجرْ.

قصائد قصيرة

أنا افكر بك طفل عاطفي بابتسامة عريضة حافي القدمين يجري على طرقات عروقي نحو قلبي جدار يسدّ طريقه بلافتة العرض خارج الخدمة. //// أغرق أحزاني في الحبر أسكب نفسي عبر النص. وببطء سطرا بسطر أفتح لنفسي القفص. /// مجرد توقف محطة عابرة في الزمن أيْد تتحرك بإحساس بطيء 'حينذاك' تصبح 'الآن' غشاء يرفع حجابه الساعة تدق الحياة تُستأنف /// نزيف في يدي هذا الليل يصبح رمادا ينفلت من خلال أصابع ضعيفة وأنا أقع بعيدا عن نفسي أبحث عن نجمة الصباح لصد الظلام وأملأ المساحات حيث أضاء القمر ذات مرة هذا الحب المديد إلى الأبد حامل للضوء.

حين تكلّم السراب

شبحٌ يطاردني يسير بجانبي طفلاً ورأسي الآن شابْ، كالظلّ رافقني، وكالفزع المقيم، وكالسرابْ. أمشي فيمشي صامتًا وإذا التفتُّ إليه غابْ! متشيّءٌ والخوف لعبتهُ التي أخشى ومنزله الضبابْ. من أين أعبرُ للسكينةِ؟ والمدى قلقٌ، وخلفَ البابِ… بابْ. ناديتُه فلمحتُ مقلته تشعُّ في الغيابْ، عيناه نافذتانِ في جسدي كأنّهما بلا أهداب. ناديتُ ثانيةً، فمدَّ يديهِ نحوي ثمّ… توارى مثل أسرابِ السحابْ. يا أيها الشبحُ العتيق، من أنت؟ من أيّ الجراحِ أتيت؟ أيّ ترابٍ قد حباكَ بكلّ هذا الاغترابْ؟ قالَ: "أنا ما انكسرْت به وأنت تظنّه صواب، أنا ارتقابُكَ حين لم يأتِ الذي يُرجى، وأسبابُ الخراب." لكنّهُ اختفى... ثمّ عادَ، يمدُّ يدًا كأنّ بها كتابْ، ويقول: "ما كنتَ قبلي كنتَ يبابْ، أنا السؤالُ، وأنتَ إن أصغيتَ الجواب." ثمّ اختفى... وخلّفَ الصدى يمشي على خطوي كأنّي كنتُه منذُ ارتحلتُ بلا عتاب.

ومضات

✦ 4. رجعُ النبض أصغي إليّ... ✦ 1. نَداء الرُّوح نادِني كما لو أنَّ الحنينَ أوَّلُ خلقِكَ. هُزَّ صمتي كأنَّ فيه نبعًا نسيَ كيف يَجري... ✦ 2. عَتَب النور كُنتُ أُخبّئُ العتبَ تَحتَ جفني لئلّا تُصابَ الشّمسُ بالخذلان... لكنّ صوتك كشَفَه كلّهُ، وتركَني ضوءًا. ✦ 3. حينَ تنادي حينَ تنادي، تَهتزُّ الأرضُ قليلاً... لا لأنها تُحبّك، بل لأنها كانت تَنتظرُ أن تَنهضَ من داخلي. فثمة صوت قديم يُجرّب أن يعود. ليس نداءً، بل رجعُ نبضٍ نسي اسمه بين الضلوع. ✦ 5. أرِح صوتَك لا تقل شيئًا. دع صوتك يتمدّد كضوءٍ على الماء، يرتاح في قلبي قبل أن يُفكر بالكلام. ✦ 6. تحت الظلّ جلستُ تحت ظلّ العتاب، أُعدّ أوراقي اليابسة. كل ورقةٍ، ذكرى لم تُسعفها دمعةٌ واحدة. ✦ 7. طَيف النداء صوتك لم يأتِ. لكنّ الفراغ ارتجف... كأن النداء مرّ من هنا، وخاف أن يوقظني.

سماءٌ تُجرِّبُ وحدتها

أقفُ الآنَ فوقَ رمادِ النهارِ وأشربُ ضوءَ التردّدِ والاستهام ليس لي غيرُ هذا الليل الذي يتعلّقُ بي مثلَ طفلٍ يخافُ الفطامْ كنتُ أمسحُ وجهَ القصيدةِ أرسمُ وجهي القديمَ على صفحةٍ من غمامْ كلُّ شيءٍ يُلامسُني ثم يختفي مثلَ موجٍ يعودُ إلى سرّهِ في الظلامْ

vendredi 8 août 2025

قيامة الحرف3

قيامة الحرف كتبتُ على وجهِ الرياحِ رسائلي فأمست غبارًا في فضاءِ السَّرارِ وسرتُ على جسرِ الكلامِ مُعلَّقًا كأنّي غريبٌ في دروبِ البحارِ عبرتُ ظلالَ الصمتِ حتى تكسّرتْ مرايا المدى بين الضفاف الكبارِ وأشعلتُ نارَ الحرفِ كي أستضيءَ به فأحرقتُ أيامي ولفّحني النارِ وأبصرتُ موتي في العيون مُحلَّقًا كطيفِ سنينٍ في فضاءِ مُستعارِ يطوفُ بنا في الليل حتى إذا انقضى تركنا على شاطئ الصمتِ الدوّارِ وما كنتُ أدري أن حرفي قيامةٌ تُقيم على جرحِ الفؤادِ المنارِ وأنّي إذا ما متُّ في الحرفِ لم أزلْ أعودُ لهُ حيًّا بغيرِ انكسارِ

على حافة الحرف

كتبتُ على وجهِ الرياحِ رسائلي فأمسَتْ غبارًا في فضاءِ السَّرَارِ وسِرتُ على جسرِ الكلامِ مُعلَّقًا كأنّي غريبٌ في دروبِ البحارِ عبرتُ ظلالَ الصَّمتِ حتّى تكسّرتْ مرايا المدى بين الضّفافِ الكبارِ وأشعلتُ نارَ الحرفِ كي أستضيءَ به فأحرقتُ أيّامي ولَفَّحني النّارِ وأبصرتُ موتي في العيونِ مُحلَّقًا كطَيفِ سنينٍ في فضاءِ مُستعارِ يطوفُ بنا في اللَّيلِ حتّى إذا انقضى تركنا على شاطئِ الصَّمتِ الدوّارِ

قيامة الحرف2

قيامة الحرف (بحر الطويل – قافية رائية) على بيضِ أوراقي تمادى انكســاري وألبستُ حروفي ليلَ موتي واحتضاري أجرُّ خطايَ الحرفَ صمتًا كأنّهُ رفيقُ دروبِ الريحِ في عتمِ الغبارِ تبدّلَ وجهي في المعاني كأنّهُ ظلالُ رمادٍ فوقَ جمرٍ مستطارِ أسنانيَ البرّيّاتُ طحنًا تمزّقتْ كأنّي أرى جوعي على صدرِ نهاري وكلُّ قصيدٍ مخلبٌ في صحائفٍ يخُطّ على ماءِ الفناءِ انتحاري أقيمُ على أرضي وأبقى كأنّني شجرٌ يسقطُ الإخوةَ في صمتِ الديارِ وجسدي وطنٌ، والموتُ جارٌ مقيمُهُ يقرعُ بابَ العيشِ في وقتِ السَّحارِ والموتُ إذ يأتي مساءً، فإنّهُ يجدُ على المائدةِ خبزَ ازدهاري وعندَ ضفافِ النهرِ يُصقِلُ صمتيَ بحجرٍ، ويوقِدُ في دمي شررَ النارِ والمطرُ إن يغسلْ رمادي فإنّني أعودُ كحقلٍ أخضرِ الوجهِ دوار تكسّرتُ لكنْ في تكسّري حياةٌ وأزهرتُ عشبًا في الطريقِ لِلمَسارِ

jeudi 7 août 2025

قيامة الحرف

قيامة الحرف (على بحر الكامل – قافية رائية) في بيض أوراقي احتضرُ الرجاءْ وأجرّني نحو الكتابةِ ذا البكاءْ أرتادُ حقلَ الحرفِ ألبسُ صرختي وأموتُ في المعنى لأحيا بالفناءْ تغدو الكُنى لغزًا، وتُكتمُ صرختي ويثورُ من بين الحروفِ انطفاءْ أسنانيَ البرّيةُ اشتعلتْ سدى طحنتْ ضياعي، واستبدّ بيَ الجفاءْ كلُّ القصائدِ مخلبٌ في صفحةٍ والقلبُ نارٌ، والندى فيها غِطاءْ أمشي على الأرضِ التي وهبتْ دمي وأرى سقوطي كالأشجارِ الهباءْ جسدي وطنْ يحيا به الموتُ الجميلُ بلا انطفاءْ والموتُ يقتربُ المساءُ دليلُه لكنّ رغيفَ الخبزِ أندى من دعاءْ والنهرُ يشحذني كصوّانِ الأسى ويعيدُ صيغةَ مَن تكسّرَ وارتجى والمطرُ – يا للنار – يسكبُ ضعفه لكنّه لا ينتهي.. بل قد أتى كي يزرعَ العشبَ البريَّ على خطايْ ويعيدني للحلمِ إن طال العناءْ

في بياض القصائد2

في بياض القصائد على بحر المتدارك (الخبب) في بياضِ القصيدةِ أحتضرُ كلُّ حرفٍ يمرُّ بيَ انكسرُ أرتدي لغتي مثل أسمالِ نارْ وأمضي، وأمضي، بلا مستقرْ أرافقُ ظلّي، وأحملُ قلبي كما يحملُ الحقلُ رمحَ المطرْ كلماتي تطيرُ ولا تستقرّ تصيرُ مرايا، وتنكسرُ أضعُ الصرخةَ الآنَ فوقَ السطورْ وتحفرُ في الورقِ المنتظرْ أسناني تطحنُ أسنانها وتنزفُ بين الشقوقِ الأثرْ قصائدي مخلبٌ، وخطيئةْ ونايٌ حزينٌ، وشبحُ صورْ أقفُ — كأني شجرةٌ تمشي — وأصغي لصوتي إذا ما انكسرْ أرى موتيَ الآتيَ من جذعِ ضوءٍ ومن ظلّ إخوتِنا المنحدرْ جسدي أرضُ من عاشَ، من عبروا ومن لم يزالوا على بابِ عمرْ في المساءِ، يجيءُ لنا الموتُ لكنْ الخبزُ على الطاولةِ ينتظرُ على النهرِ أصقلُ موتيَ بالحجرِ والمطرُ العنيدُ يحاولُ أن يطفئَ الاحتراقْ فإن أسقطتْني يدُ الريحِ قمتُ، كأنّي حقلٌ نهض واتصرْ كعشبٍ بريٍّ انبثق على حافّةِ الحجرْ.

في بياض القصائد

في بياض القصائد نص على بحر الرمل (شعر التفعيلة) في بياضِ القصائدِ أحتضرُ الآنَ أرتدي لغةً من غبارْ وأرافقُ ظلّي إلى قبرِ وهمي وأُهدي إليه انكساري وصمتي المثارْ كلُّ ما كنتُ أكتبه يتحوّلُ فيّي إلى غيرِ ما كنتُ أعرفُ صار الكلامُ جناحًا من النارِ يجرحُ فيّ النهارْ أضعُ الصرخةَ الوحشيّةَ فوقَ السطورْ تطحنُ أسناني بعضها وتنقشُ بالمخلبِ الحرفَ حتّى يئنَّ الحضورْ جسدي — يا رفيقَ الشجرْ — أرضٌ لمن عاشَ حتى يحينَ السفرْ أقفُ الآنَ بين الجذوعِ التي تسقطُ الآنَ مثلَ الإخوةْ وأرى موتي ينامُ على كتفِ الضوءِ مثل وصيّةْ المساءُ يمرُّ وخبزُ الحياةِ على الطاولةْ يدعونا إلى أن نكونْ وعلى حافّةِ النهرِ يصقلُني الموتُ بالحجرِ اللامرئيّ لكنني لا أزولْ إن وقعْتُ كحقلٍ نضيجٍ أعودُ بأعشابِ قلبي البريّةْ أعودُ كأغنيةٍ في الطريقْ.

نص بمقاطع نثرية

1. في بياض القصائد أكتب لا لأُقال، بل لأؤجّل السقوط. 2. الحروف ملاذ، وشراك. أنجو بها، ثم أُلدغ. 3. أرافق نفسي كمن يمشي في جنازته قبل أن يموت. 4. الكلمة تتنكّر. أكتبها صارخة، فتخرج هامسة. 5. كل قصيدة خدش. خدش في الجدار، في القلب، في اللغة. 6. الأسنان تطحن بعضها لا لتأكل، بل لتصمت. 7. جسدي ليس لي، إنه أرض تنتظر الغزاة. 8. الأشجار تسقط كالإخوة، واحدًا تلو الآخر، وأنا أعدّهم. 9. في المساء، يطرق الموت الباب، لكن الخبز على الطاولة يمنحنا فرصة أخرى. 10. النهر لا ينقّي، بل يصقل. والمطر، إن لم يطفئني، يزرعني من جديد. 11. على جانب الطريق أنمو كعشب بري، نسيت أن أموت.

نص سردي تأملي

في كل مرة أكتب فيها، أشعر أنني أخطّ وصيّتي الأخيرة. البياض أمامي ليس صفحة، بل قبر مفتوح بانتظاري. ألبس الحروف كما يلبس المحتضر ثيابه للوداع، وأمضي بنفسي، بصمتي، بحيرتي، نحو حيث لا أحد يعود. الكلمات لا تستقر في شكلها الأول. أكتب صرخة، فتخرج همسًا. أكتب ألمًا، فيولد منه سؤال. كل حرف أكتبه يبدّل جلده، ويتركني في العراء، عاريًا من اليقين. أطحن غضبي بين أسناني، أحفر على الصفحة كمن يترك أثر مخالبه على باب مغلق، كأن كل قصيدة هي مقاومة ناعمة لشيء لا يُقال، لكني أكتبه رغمًا عنه. أقف على الأرض كجذعٍ وحيد، أراقب الجذوع التي تسقط من حولي، كأنها إخوتي، يرحلون واحدًا تلو الآخر، وأنا أراهم، ولا أملك سوى البقاء. جسدي لم يعد لي. إنه أرض... يسكنها الخوف، ويعبرها العابرون دون أن يلتفتوا. في كل مساء، يقترب الموت من المائدة. لكنه يجد على الطاولة فتات خبز، علامة على أننا ما زلنا ننتظر الحياة، أو نتمسك بها بأطراف أصابعنا. عند النهر، لا أقاوم، أترك الموت يصقلني كحصاة، وأنتظر المطر، لا ليطفئني، بل ليعيدني، كعشب بريّ لا يموت، بل يختبئ قليلاً... ثم يخرج من الشقوق.

حدود قابلة للذوبان

في بياض القصائد أُدفن حيًّا، وأكتب لتأخير الاندثار. أرتدي الأبجدية كوشاحٍ أخير وأرافق ظلّي إلى مقبرةٍ بلا شواهد. الكلمة تنقلب، تصبح جُرحًا ناطقًا. أصرخُ بالحبر، تتكسّر أسناني على صمتٍ لا يُمضغ. كل قصيدة شقٌّ صغير في الجدار، فيها يطلّ خوفي. أقف، كجذعٍ عارٍ، والأشجار تهمس لي بأسماء الموتى المتشابهين. جسدي حقل أزرعه بالغياب وأجنيه بالنَفَس الأخير. في المساء، الموت يُلقي ظلّه على الخبز. لكن الفتات، يذكّرني أنني هنا. على حافة النهر، يصقلني الغياب بالحجارة. المطر يحاول إطفائي، لكنه فقط يزرعني من جديد. أنهض كعشبةٍ خضراء نسيتْ أن تموت.

في بياض قصائدي

في بياض قصائدي أنا أحتضر. أرتدي حروف الأبجدية وأرافق ظلي إلى القبر. الكلمة التي أكتبها تتحول إلى غصّة. أضع صرختي على الصفحة، وأسناني البرّية تطحن الصمت. كل قصيدة، أثر مخالبي على جدارٍ داخلي. أقف على الأرض مع الأشجار، أرى موتي يتساقط بين الجذوع كإخوةٍ ناموا دفعة واحدة. وجسدي — أرضٌ للعيش فيها حتى النهاية. في المساء، يقترب الموت من الكرسي. لكن على الطاولة، الخبز يدعونا إلى الوجود. على ضفة النهر، يصقلني الموت بالحجارة الصامتة. المطر لا يطفئني، حتى لو أسقطني على الأرض كحقلٍ نضجَ قبل أوانه. أنا أستيقظ مرة أخرى، عشبةً برّية على جانب الطريق.

mercredi 6 août 2025

مرآة الغَرْقى

وجهي يُبَادِلني التحيّة كأنّه اعتاد الغياب، وغريبانِ تُلوّحُ لهما السُّفنُ الغَرِيقة، تلوّحُ بلا أمل، كما تُلوّحُ المرايا لمَن نَسُوا ملامِحهم. نقفُ على حافّةِ الموج، حيثُ الماءُ ينسى أسماءه، وحيثُ الريحُ تعودُ من الجهاتِ الأربع بصوتٍ واحد: صدى من سقطوا ذات تيه. نُحاولُ أن نتذكّر أوّلَ الغياب، لكنّ الذاكرةَ تُقلّبُ وجوهًا بلا أعين، والمكانُ بلا توقيع، كأنّه ورقةٌ بيضاءُ نُفِضَ عنها الحبرُ قسرًا. الأصواتُ تنفلتُ من ثقوبِ الجدران كما ينفلتُ الليلُ من عُقدةِ الفجر، وكما يسيلُ العمرُ من سطرٍ غير مكتمل إلى حاشيةٍ نسيها الكاتب. أشيرُ إليه، فيلتفتُ إليّ كأنّه أنا وكأنّي ظِلٌّ في حنجرةِ غيم، نصفُ طيفٍ، نصفُ ندم، نصفُ حياةٍ تُراوِغُ الموتَ بالتأمّل. نُبحِرُ دون شراع، نلوّحُ دون يد، نذوبُ دون وداع، كأنّنا خُيولٌ بلا جَسَد، أُسطُرٌ تُكْتَبُ بالماءِ على زَبَد. ولكن، من كان يُلوّحُ لمَن؟ نحنُ؟ أم ظلُّنا الذي نسيَ الرجوع لأنّه وجد في الغرقِ بيتًا آخر؟ أيعقل أن لا أحد في المرآة؟ أنّ الوجوهَ مجرّدُ محاولاتٍ فاشلةٍ لتصوُّرِ الذات؟ أنّ الغرقَ ليس نهايةً، بل صيغةٌ أخرى للشفاء من التيهِ المُقيم؟ نظلُّ نُلوّحُ، لا لأنّنا ننتظر، بل لأنّ في الحركةِ عزاء، وفي التلويحِ اعترافٌ صامت بأنّنا كنّا دومًا مجرّدَ عبورٍ في ذاكرةِ الموج.

وجهان

وَجْهِي يُبَادِلُني التَّحِيَّةَ غريبانِ تُلوِّحُ لَهُمَا السُّفُنُ الغَرِيقَةُ نَتَبَادَلُ الصَّمْتَ كَصَدَفَةٍ أَخْفَتْ مِلْحَ البِحَارِ كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ، تَشَقَّقَ فِي المَاءِ صُوتِي وَعَيْنَايَ... تُفَكِّكَانِ الوُجُوهَ كَمَا تُفَكِّكُ الرِّيحُ الغُيُومَ فِي جَيْبِي ظِلٌّ أَخِير، وَرُعْبٌ صَغِيرٌ كَمِفْتَاحٍ نَسِيَ البَابَ أُحَاوِلُ أَنْ أَكُونَ صَدًى، لَكِنَّ الجُدْرَانَ بَكَّاءَةٌ تَأَخَّرَ الغَرَقُ، فَانْتَظَرْتُ فِي نَفْسِي كَجَزِيرَةٍ نَسِيَتْ مَدَاهَا كُلُّ مَا ظَنَنْتُهُ نَجَاة، انْقَلَبَ إِلَى سُلَّمٍ يَقُودُنِي لِلْهَوَاءِ وَكُلُّ مَاءٍ سَبَحْتُ فِيهِ، كَانَ يُرَبِّتُ عَلَى كَتِفِي كَأَبٍ غَائِبٍ ثُمَّ هَبَّتْ ذِكْرَى، كَرِيشَةٍ سَاهِيَةٍ فِي جَنَاحِ الوَقْتِ فَسَمِعْتُ وَجْهِي يَهْمِسُ: "لَا أَحَدَ يَنْتَظِرُنَا فِي الجِهَةِ الأُخْرَى... سِوَانَا" كُنَّا نَسِيرُ فِي اتِّجَاهَيْنِ مُتَقَاطِعَيْن، وَنُلَوِّحُ لِلنُّقْطَةِ الوَاحِدَةِ نَفْسِهَا. كُنَّا نَتَذَكَّرُ، لَكِنَّ الذِّكرَى كَانَت تُقَلِّبُ وَجْهَهَا كَمِرْآةٍ مَخْدُوشَة. كُنَّا نَتَكَلَّمُ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنَّا، تَسْقُطُ فِي جَيْبِ الغِيَابِ. هُنَاكَ صُوتٌ كَانَ يَجْلِسُ بَيْنَنَا، لَا يَقُولُ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُدِيرُ المَسَاءَ. مَنْ أَيْقَظَ الأَشْبَاحَ فِي أَحْلَامِنَا؟ وَمَنْ سَقَانَا هَذَا النَّعَاسَ الذِي يُشْبِهُ الصَّحْوَ؟ نَحْنُ أَيْضًا كُنَّا سُفُنًا، وَلَكِنَّ الغَرَقَ كَانَ أَكْثَرَ لُطْفًا مِنَ الشَّاطِئ. وَلَكِن، مَن كَانَ يُلَوِّحُ لِمَن؟ نَحْنُ... أَم ظِلُّنَا الَّذِي نَسِيَ الرُّجُوعَ؟

كتابة خائفة

(ذاكرة الفحم والسنابل) أسيرُ في ذاكرتي كمن يتلمّس أطرافَ صوته في ضبابٍ بعيد، كمن يعودُ إلى بيتٍ هدمته الذكرى وتركتْ نوافذه معلّقةً على سؤالٍ بلا جواب. لا أرى سوى عويلٍ يتسرّب من جدران الوقت، طفولةٌ بكتْ في الخفاء ثمّ نسيتْ لماذا، كأنّ الألم كان طقسًا يوميًّا، لا يحتاج إلى سبب. جثثٌ تُلوّح للحبّ كما تلوّحُ الظلالُ لليلٍ عابر، كأنها تقول: "ما زلنا نحلم، ولو حتفًا." من تحت الركام، ينبثق وجهٌ يشبهني، لا يحمل ملامحي، لكنّه يعرفني. عناقيدُ فحمٍ تكتب القادم من الأيام، كأنّ الرماد له ذاكرة وأنّ السواد ليس نسيانًا بل شكلٌ آخر من النبوءة، حين تتكلّم الكارثة بلسانِ البذور. السنابلُ تنزف جوعًا، ليس لأن الأرض بخلت، بل لأن الصمتَ نسي أن يُصلي، ولأن اليد المرتجفة لا تعرف كيف تزرع الرجاء. الأمهاتُ يحضنّ الغياب، كما لو أنه آخر الأبناء، والنوافذُ المفتوحةُ للريح، تتعلم التنهيدة الأولى. أجلس قرب الحقول المحروقة، أسمعُ نحيبًا خافتًا كأن الأرضَ تستغفرُ عنّا، كأنها تعبُر بنا إلى صمتٍ أنقى، صمتٍ لا يُشبه النسيان بل يُشبه النجاة. كلّ شيءٍ من حولي يريد أن يقول شيئًا ولا يجد اللغة، فأكتب، لا لأنني أملك اليقين، بل لأنني خائف، ولأن الورق آخر ما تبقى من الهواء.

ذاكرة الفحم والسنابل

أسيرُ في ذاكرتي كمن يتلمّس أطرافَ صوته في ضبابٍ بعيد، كمن يعودُ إلى بيتٍ هدمته الذكرى وتركتْ نوافذه معلّقةً على سؤالٍ بلا جواب. لا أرى سوى عويلٍ يتسرّب من جدران الوقت، طفولةٌ بكتْ في الخفاء ثمّ نسيتْ لماذا. جثثٌ تُلوّح للحبّ كما تلوّحُ الظلالُ لليلٍ عابر، كأنها تقول: "ما زلنا نحلم، ولو حتفًا." عناقيدُ فحمٍ تكتب القادم من الأيام، كأنّ الرماد له ذاكرة وأنّ السواد ليس نسيانًا بل شكلٌ آخر من النبوءة. السنابلُ تنزف جوعًا، ليس لأن الأرض بخلت، بل لأن الصمتَ نسي أن يُصلي، ولأن اليد المرتجفة لا تعرف كيف تزرع الرجاء. أجلس قرب الحقول المحروقة، أسمعُ نحيبًا خافتًا كأن الأرضَ تستغفرُ عنّا. كلّ شيءٍ من حولي يريد أن يقول شيئًا ولا يجد اللغة، فأكتب، علّ الكلمات تكون لنا شاهدًا أو عزاءً أو بدايةً أخرى في آخر الليل.

عزاء الذاكرة

أُسيرُ في ذاكرتي، لا أرَى إلاّ عويلاً يطفو على جُثثٍ يُلوّح لها الحبُّ كمن يعتذرُ متأخّرًا. عناقيدُ فحمٍ تكتُب القادم من الأيام على جدرانٍ بلا ضوء، والسنابلُ تنزِفُ جوعًا، كأنّ الأرضَ تنكّرت لأحلامِها. كلّ خطوةٍ نحيب، وكلّ صورةٍ شُرفةٌ تطلُّ على الغياب. ثقلُ الزمن يتدلّى من أهداب الذاكرة، والصمتُ يسيل كندبةٍ قديمة. أرتّق الخرابَ بإبرة الذهول، كأنّي أُقنِع الحياة أن تبقى قليلًا، أو أقنعني أنني ما زلتُ أُجيد الحنين. عنوان مقترح: "خريطة من رماد" أو "عزاء الذاكرة" أو "حين يلوّح الحب للجثث"

أَسِيرُ في ذَاكِرَتي

أَسِيرُ في ذَاكِرَتي فلا أرَى سِوَى عَوِيلٍ يطْفُو على جُثَثٍ يُلَوِّحُ لها الحُبُّ عناقيدَ فَحْمٍ تكتُبُ القادمَ من الأيّامِ والسنابلُ تَنْزِفُ جُوعًا. في الزوايا القديمة ظلٌّ يُقلّب وجوهي. يَهْمِسُ باسمي مَن لا اسمَ له، ويَهْرُبُ في دهشةِ الغُبار. كأنّي أرتِّقُ الخرابَ بإبرةٍ من الذهول.

سِرَاجُ الصَّوْتِ

الصوتُ سِرَاجٌ تَتَفَتَّحُ الأَسرارُ بِنُورِهِ يَمْزِجُ النَّدَى والعِطْرَ في قَوارِيرَ يَضَعُها العَاشِقُونَ في خَفَقَاتِهِمْ تَهْتَزُّ الظِّلالُ إذا مَسَّهَا نَغْمٌ تَحْنُو الأَصْدَاءُ على جُرْحِ الغِياب يَهْتَزُّ السُّكُونُ إِذَا تَكَلَّمَ النُّورُ

أنشودة الضوء

الصوتُ سِرَاجٌ تَتَفَتَّحُ الأَسرارُ بِنُورِهِ يَمْزِجُ النَّدَى والعِطْرَ في قَوارِيرَ يَضَعُها العَاشِقُونَ في خَفَقَاتِهِمْ. ويَتَسَلَّلُ كَأُنْشُودَةٍ دَاخِلَ الغَيْمِ، تُرَجِّعُها السَّمَاءُ بِخَفْقٍ لَطِيف. يُرَتِّقُ صَدْعَ الوَحْدَةِ، ويَغْرِسُ فِي الرُّوحِ نُقْطَةَ ضَوْء. يَسْكُنُ الأَثَرَ فِي نَبْضِ الصَّمْتِ، ويُفْصِحُ عَمَّا لا يُقَال. فَإِذَا النَّفَسُ تُرْجُمَةُ الحُبِّ، وَكُلُّ صَوْتٍ صَادِقٍ صَلَاة.

بين الغياب والحضور

الموتُ لا يُغلق الأبواب، بل يتركها مواربةً لريحٍ تعرف الطريق. يأخذ الجسدَ... ويترك الصوت يتردّد في جدران القلب، ويترك العادةَ جاثمةً على حافةِ الأصابع، ويترك الذكرى تمشي حافيةً في ممرات الحنين. نودّعهم، لكننا لا نذهب بعيدًا. نُطفئ النور، لكن ظلّهم يسبقنا إلى الوسادة. نُغلق أعيننا، فيستفيقون في الحلم، ولا يعتذرون عن عودتهم. الفقدُ ليس انطفاءً، بل تحوّلٌ في شكل الضوء. هو الوجه نفسه، لكن في مرآةٍ أخرى... زمنٌ يُعيد نفسه بصوتٍ خافت، ويدٌ تطرق الباب في لحظةٍ لا ننتظر فيها أحدًا. إنهم يسكنوننا. في الضحكة التي تخرج دون سبب، في الخطوة التي تُشبههم، في الأغنية التي نُتمتم بها ولا نعرف لِمَن. الذين غابوا، خفّفوا عنهم وزن الجسد ليتفرّغوا للبقاء فينا. ربما الخلود ليس تمثالًا من حجر، بل أثرُ خطوةٍ لا يمحوها المطر، أو دميةٌ نُخفيها في التراب... فتعود إلى الوسادة. بلا ملامح، لكننا نعرفها.

mardi 5 août 2025

حرير

رغم أنه مصنوع من أجود أنواع الحرير هذا الثوب أصبح باليا أرى عروقا حمراء تنزف من الحواف حيث أيدينا رتقت الفتق الذي لم يتمزق لكن خياطتنا لم تكن مشدودة بما فيه الكفاية للحفاظ على الخيوط في أماكنها انحلت لما أغلقت الباب.

رجعُ النبض

⟡ رجعُ النبض ⟡ أصغي إليّ... فثمة صوت قديم يُجرّب أن يعود، ليس نداءً، بل رجعُ نبضٍ نسي اسمه بين الضلوع. لا تقل شيئًا. دع صوتك يتمدّد كضوءٍ على الماء، يرتاح في قلبي قبل أن يُفكّر بالكلام. جلستُ تحت ظلّ العتاب، أُعدّ أوراقي اليابسة... كل ورقة، ذكرى لم تُسعفها دمعةٌ واحدة. صوتك لم يأتِ، لكنّ الفراغ ارتجف... كأن النداء مرّ من هنا، وخاف أن يوقظني. هزّي جذعَ الروح بصوتك، ليتساقط التعب... والعتب.

شبحٌ خلف الباب

شبحٌ يطاردني، يسيرُ بجانبي طفلاً ورأسي الآنَ شابْ. كالظلِّ يسبقني، وكالخريفِ إذْ يذوي وتنمو في يدي أهدابْ. أمشي، فيمشي صامتًا، وإذا التفتُّ إليه غابْ. متشيّئٌ في الريحِ، منزلهُ ضبابْ، والخوفُ لعبتُهُ القديمةُ، والوجوهُ بلا نقابْ. من أينَ أعبرُ نحو سكينةٍ؟ والمدى قلقٌ وخلفَ البابِ... بابْ. خطوي يراوغني، وأسمعُ همسَ ذاكرةٍ تكابدُني، وتغزلُ من دمي أسبابْ. كلُّ انتباهٍ يرتدُّ في صدري عذابْ، وكلُّ نبضي يستغيثُ ولا يُجابْ. في الدربِ أرواحٌ تسيرُ بلا ملامحْ، وأسرابُ من الظنِّ الذي لا يُحتَسابْ. أقرأُ وجهي في مرايا العابرينَ، ولا أرى إلا غيابْ. يا أيُّها الطيفُ القديمُ، أما كفاكَ من الاغترابْ؟ أما كفاكَ من ارتقابِ وعدٍ تكسَّرَ في الجوابْ؟ لكنّهُ عادَ... يمدُّ يدًا كأنَّ بها كتابْ. ويقول: "ما كنتَ قبلي كنتَ يبابْ، أنا السؤالُ، وأنتَ إن أصغيتَ بابْ."

lundi 4 août 2025

منزلق الظل

شبحٌ يطاردني يسير بجانبي طفلاً ورأسي الآن شابْ كالظلِّ رافقني وكالفزعِ المُقيم وكالسرابْ. أمشي فيمشي صامتاَ وإذا التفتُ إليهِ غابْ..! مُتَشيِّءٌ والخوف لعبتهُ التي أخشى ومنزلهُ الضبابْ. من أين أعبرُ للسكينةِ والمدى قلقٌ وخلف البابِ ...بابْ. أصرخْ فلا صوتي يلوِّنُ ليلَهُ والصمتُ في أذنيَّ أفصحُ من عتابْ. يمضي وفي عينيّ يُثبّتُ سَيرهُ مُتلبِّسًا وجعي كأني لا أغيبُ... ولا أُهابْ. أجري فتُقعدني المرايا كلّما حاولتُ أن أَنسى ملامحَهُ تتشكل على السحاب. كيف النجاةُ وكلّ ما فيَّ احتمالي؟ وكلّ ما حولي يشي بخُطاه أو ينسجُ لي خرابْ...؟ يمحو خطايَ ويستبيح مسافتي فكأنني أمشي لأحفرَ في الغيابْ. يتشكّلُ القلقُ القديمُ على يديّ وأسيرُ أُشبهني كأنّ الوقتَ قد سُلبَ الانجاب. كلُّ الجهاتِ ملامحٌ متآكلةٌ وأنا، بقلبي نصفهُ نارٌ ونصفٌ من ترابْ. يا أيّها الشبحُ الذي لمّا يملّ الظلَّ منّي خلتُهُ قد نامَ لكنّي وجدتهُ في نبضِ قلبي مستطابْ. كم مرةً حاولتُ أن أُلقي عليهِ الاسمَ؟ أن أمنحهُ ملامحَ وجهِ موتي؟ غير أني كلّما ناديتُه توارى في ارتيابْ.

المرايا

سألتُ المرايا: من أنا؟ فارتجفَ الزجاجْ، وتقشّرَ الوجهُ القديمُ وسقطَ القناعْ. نبشتُ وجهي في الطفولةِ بين ألعابٍ بلا أصدقاءْ، وبيتٍ يَشربُ العُزلةَ كفنجانٍ بلا قهوة. قالت لي المرايا: "أنتَ أنا حين كنتَ ترتجفُ من صوت البابِ إذا صَفَقَتهُ الريح، وتحسبُ المطرَ نحيبًا في زوايا البيتِ الذي لا ينام". وقفتُ، وفي يديّ سؤالٌ وفي قدميّ حجارةُ الماضي، وفي القلبِ ريحُ الخوفِ تدورُ كأنها لا تهدأ. لكنني، في لحظةِ شرودٍ فوق جرف الذكرى، رأيتني أُفلتُ يده، أركضُ صوبَ الضوء ولو كان رمادًا! رأيتُ الخطوَ يصبح نبتةً، والندمَ ينامُ أخيرًا في حضنِ الغفران. قلتُ للمرايا: "ابقَ خلفي إن شئت، لكنني لن أُبطئ المسير، لن أضعفَ بعدُ من مرايايَ المكسورة، فالعينُ الآنَ ترى، ولو من شقوقِ الجدار." وغاب، كما يختفي الضبابُ حين يُحدّقُ فيهِ الصباحْ.

شبحٌ يُقيمُ بي

شبحٌ يُطاردني، يسيرُ بجانبي طفلًا، ورأسي الآنَ شابْ. كالظلِّ رافقني، وكالفزعِ المقيم، وكالسرابْ. أمشي، فيمشي صامتًا، وإذا التفتُّ إليهِ غابْ...! متشيّءٌ، والخوف لعبتُهُ، التي أخشا، ومنزلهُ الضبابْ. من أين أعبرُ للسكينةِ؟ والمدى قلقٌ، وخلفَ البابِ... بابْ. ناديتُه: من أنت؟ فما نطقَ، فما اقتربَ، فما انسحبَ، كأنّ بيني وبينه عهداً من الغيابْ. ركضتُ خلفَ الظلِّ، لكنّي وجدتُ خطايَ ترتجفُ في الترابْ. كلُّ الدروبِ تشابهتْ، والحرفُ ذابْ. كلُّ الوجوهِ توزّعتْ بين المرايا، والملامحُ ذابت في الضبابْ. يا أيّها الشبحُ الذي أقمتَ في عينيّ منذ أولِ ارتيابْ، كم مرّةً حاولتُ أن أمحوك من لغتي؟ فعدتَ... أكثر اقترابْ! قال الشبحُ: "أنا الذي عاشرتَ خُطاكَ وأنت تبحثُ عن جوابْ، أنا الذي كنتَ تسقيني بكاءَك، ثمّ تنكرني إذا فاضَ العذابْ." فبكيتُ، لا وجعًا، ولكنْ حين أدركتُ الصوابْ، أنّي أنا... أنا الذي بنيتُ للذعرِ المهيبِ له بابْ، وأني كنتُ أُطعمه ارتباكي، ثمّ أرسمه سرابْ. قلتُ له: امشِ إن شئتَ، لكنّي تعبتُ من العتابْ، ارحلْ ودعني أرتقُ الأيامَ من دون ارتقابْ، من دون أن تُخيفني خطايَ ولا ارتيابْ. وغابَ، كما يغيبُ الحزنُ حين يُشفى الغيابْ، وغفتْ خطايَ، ولم يعدْ خلفَ البابِ... بابْ. وحين عادتْ للسماءِ نجمةٌ كانت تؤنسني صغارًا في الغيابْ، مددتُ قلبي نحوها فأضاءَ دربي دونما حَجَبٍ… ودون ارتيابْ. أدركتُ أن الشبحَ لم يكن العدوَّ، بل الحجابْ، وأنّ خوفي كان يوصد كلَّ نافذةٍ ببابْ. فتحتُ نافذتي، وطلّت نسمةٌ تشبه ابتسامَة أمٍّ حين تنسى كلَّ عُتابْ. نسيتُ صوتَ الشكِّ، وارتجافَ خطوتي، وعرفتُني طفلًا يعودُ إلى الصوابْ. ** والآن… لا ظلٌ يسيرُ، ولا سرابْ. أنا، وصوتي، والطريقُ بلا ضبابْ. أنا من صنعتُ الباب، وأنا الذي فتحتُه… فانكسرَ الحجابْ.

أنا أزهر

ضحكتُ أمام المرآة، لا سخرية... بل وداع. قلتُ بصوتٍ خافت: شكرًا لمن كنتُ، لكنني لا أريد العودة إليك. كان وجهٌ قديم يذوب كأنّ المرآة نفسها تفرغ من الذكرى. لم أعد أرى سوى بذرة صغيرة، تشقّ جلدها اليابس، وتولد من صمتها زهرة. أدرتُ ظهري للظلّ، لأنّ النور الذي فيّ كفيل بأن يدلّني على الطريق. لا لزوم لحقائب الأمس، ولا لخريطة الآخرين. كل ما أحتاجه هو هذه الضحكة، التي خرجت من عمق وجعٍ قديم، وأعلنت: أنا أزهر الآن.

ضحكة تُشبه الحياة2

ضحكتُ أمام المرآة، لا سخرية… بل وداع. قلتُ بصوتٍ خافت: "شكرًا لمن كنتُ، لكنّني لا أريد العودة إليك." كان وجهٌ قديم يذوب، كأنّ المرآة نفسها تفرغ من الذكرى. لم أعد أرى سوى بذرة صغيرة، تشقّ جلدها اليابس، وتولد من صمتها زهرة. أدرتُ ظهري للظلّ، لأنّ النور الذي فيّ كفيل بأن يدلّني على الطريق. لا لزوم لحقائب الأمس، ولا لخريطة الآخرين. كل ما أحتاجه هو هذه الضحكة التي خرجت من عمق وجعٍ قديم، وأعلنت: أنا أزهر الآن.

ضحكة تُشبه الحياة

ضحكتُ بصوتٍ عالٍ كأنّني أسمع قلبي للمرّة الأولى. أدرتُ ظهري للظلّ ولبستُ ضوءي. ودّعتُ ذلك العابر الذي كنته، صافحتُ الحياة وهي تتفتح في داخلي، وركضتُ نحو النور بخطواتٍ تعرف الطريق دون خريطة. الآن، لا أسأل من أكون — بل أزهر. ✦ نص نثري موازي: لم يكُن وداعًا حزينًا، بل ولادة. حين ضحكتُ، لم أكن أستهزئ بما مضى، بل أحتفل بنفسي كما صارت. كأنّني طيّتُ الصفحة، وها أنا أقرأ من جديد — بلغةٍ لا تحتاج إلى حروف، بل إلى تنفّس.

مرآةٌ

ضحكتُ، لا لأنّ شيئًا مضحكًا حدث — بل لأنّني أخيرًا أدركتُ كم كنتُ غريبًا عن نفسي. في المرآة رأيتُ طيفًا يلوّح لي، فأومأت له: امضِ، لقد تعبتُ من حملك. وراء الزجاج، تفتّحت زهرة لا تعرف اسمي القديم، ولا تخاف العتمة. ✦ نص نثري موازٍ: في تلك اللحظة، لم تكن الضحكة سوى اعتراف. اعتراف بأنّ ما كنتُه لم يعُد صالحًا للسكن. أنّ وجهي تغيّر، لا في الملامح، بل في النظرة. ودّعتُ شيئًا ظلّ يلازمني مثل ظلٍ عنيد، وأهديتُ مرآتي وعدًا: أن أترك لنفسي أخيرًا أن تنمو، بلا حرج… وبلا تراجع.

تحوّل

ضحكتُ في وجه المرآة، كأنني أودّع غريبًا كان يسكنني. تركتُ خلفي الجلد القديم، والصوت المرتبك، والظلّ الذي كان يخاف الضوء. أشرعتُ نافذتي لنفسي، وفتحتُ الباب على مصراعيه… لزهرةٍ أخيرًا قرّرت أن تتفتح. ✦ قصيدة حرّة: ضحكتُ للمرآة، قلتُ وداعًا لما كنتُ عليه، ورحّبتُ بالبراعم وهي تهزّ الرأس للمساء. فيّ شيءٌ ينبت رغم الذكرى، رغم ما ذبل.

بوصلة الصمت

لا تسأل الطريق عن وجهته، فهو لا يبوح، لكنّه يومضُ أحيانًا كجفنٍ في حلم. دع الكلمات تنكمش كأوراقٍ بلّلها الغيم، ودع الصمت يُفسّر ما خفي. خطوتك ليست خريطة، لكنها الأثر. وقلبك ليس آلة، إنه البوصلة. أحيانًا، يظهر لك ظلّك قبل أن تدرك نفسك، ويأتي الصوت من مكانٍ لم تطأه قدماك بعد. لا تخف من الضياع، فالضياع أيضًا نوعٌ من المعرفة. امضِ، وإن ترددت، امضِ ببطء. الريح تعرف أسماءً لم تُنطق بعد، وأنتَ واحدٌ منها.

المشي بالصدق

الكلمات تخبرك بأشياء كثيرة، لكنّها ليست الطريق. الدرب لا يُكتب، بل يُكتشف. لا تحتاج أن تعرف كل شيء، يكفي أن تمشي بقلب صادق. لا تخف من الخطأ، ولا تنتظر أن يفتح لك الباب وحده. امشِ… والأبواب ستعرفك.

قلبك هو البوصلة

كلمةٌ تُفتَحُ مثل بابٍ لا يؤدي إلى شيء إلا إلى ضوءٍ يتردد. صوتٌ في الريح يهمسُ باسمٍ نسيت أنه اسمك. خطوتك ظلّك، لكن قلبك… هو الطريق. لا خريطة، ولا وجهة، فقط صدًى ينمو حين تصمت.

انطلق!

كفى مراوغة، الكلماتُ لا تحميك، ولا تصنع طريقًا. افتح قلبك، انزع قناعك، وامشِ! الدرب لا يهاب المتردّدين، ولا يمنح سره للمتقنعين. انطلق… بقلبٍ يخطئ ويتعلّم، بقلبٍ يرى، لا يكتفي بالقراءة.

سرٌّ بينك وبين الطريق

لا تسألْ الطريق عن المعنى، هو يعرفُ، لكنّه لا يتكلّم. دع الكلمات تهدأ، دع الصوت يسكن، فالصمتُ أصدقُ حين تمشي. الخطوة لا تنتظر دليلاً، ولا يحتاج القلب إلى خارطة، ما دمتَ تنصت. سرْ… ربما لا تصل، لكنّك ستفهم.

سر بقلبك العاري

الكلماتُ تقولُ الكثير، تحيكُ الحكايات وتغوي العابرين بالمعنى. لكن الطريق... لا يُرصفُ بالأصوات، ولا تُضاء خطاهُ بالحروف. الطريق هناك، أبعد من الحكاية، أقرب من صمتك. سرْ، بلا أقنعة، بلا يقينٍ مسبق، سرْ بقلبٍ منكشف، يخطئ... ثم يضيء.

الطريق

الكلمات تحمل أحيانًا ظلّ الحقيقة، لكنها لا تكفي لتُريك الطريق. الرحلة لا تُروى… بل تُعاش. وما لم تخلع عن قلبك أستار الحذر والشك، لن ترى المعنى، حتى وإن قرأته ألف مرة. لا تمشِ بالحروف فقط، بل بخفقةٍ صادقة، تدلّك على الطريق وإن غاب الضوء.

مقام الرضا

نركض خلف السراب، نظن أن السعادة مكان، أو لحظة نبلغها ثم نستريح. لكنّ المشاعر كالمواسم، تأتي وتمضي، لا تستأذن ولا تبقى. الطمأنينة ليست في امتلاك الفرح، بل في التصالح مع غيابه. في أن نكفّ عن المطاردة، ونجلس بهدوء في حضرة ما هو موجود، وإن كان بسيطًا. هناك، في الرضا، تبدأ الحياة حقًا.

حياة معلّقة

نص نثري موازي أحيانًا، تكفي قطرة واحدة لتختصر العالم كله. قطرة ماء على ورقة وحيدة، لا تلفت الانتباه، ولا تسعى إلى المجد. لكنها هناك، تحتضن ضوء الشمس، وتخبّئ في انحناءاتها تاريخ الكائنات. في تلك القطرة، يولد سؤال: كم من الأرواح نحمل في داخلنا دون أن ندري؟ كم من الأوزان الشفافة، من الحنين، من الندم، من البدء المؤجَّل، يقطر فينا كما تذوب القطرة في الريح؟ قد لا يحتاج العالم إلى ضجيج كي يُفهم. أحيانًا، يكشف أبسط ما في الطبيعة عن أعقد ما فينا. في الهامش، في الصمت، في الهشاشة، تتجلّى جوهر الإنسانية — تلك التي لا تحتاج تعريفًا، بل لمسة، نظرة، قطرة. الإنسانية ليست حدثًا عظيمًا، بل انثناء خفيف على سطح الورقة. لحظةُ توازنٍ بين السقوط والتشبث. نقطة من الماء... تلمع، ثم تختفي. لكنّها كانت، وأدركَت كلّ شيء.

قطرة

في قطرةٍ صغيرةٍ تتدلّى على ورقةٍ خضراء، ينعكسُ كلّ ما نحنُ عليه — الارتباك، الولادة، الأمل، والانكسار. ذلك الوميضُ الذي لم يلحظه أحد، يحملُ أصواتَ المدنِ الغارقة، وأنينَ طفلٍ لا يعرفُ لماذا وُلد. قطرةٌ تحملُ خرائطَ الرحيل، ووصايا الغرباء، وصمتَ من غابوا دون وداع. أين تنتهي الإنسانيّة؟ في صرخةٍ؟ أم في ارتطامِ الماءِ بالتراب؟ في قطرةٍ واحدة، تسكنُ المآسي كلها، وتحلمُ الحياة أن تبدأ من جديد. هل ترغب أن أضع اقتباسًا تأمليًا في بداية القصيدة، أو نكتب معها نصًا نثريًا موا

بلا أقنعة

في بعض الأيام، لا تحتمل الحياة رتوشها. تتعرّى الشمس من غيومها، والأجساد من أثقالها، والوجوه من قشرتها الحمراء التي تسمّيها خجلًا. لا يعود للزينة معنى، ولا للأقنعة ضرورة. في تلك اللحظات، تمشي الحقيقة كما خُلقت، حافية، ساخنة، بسيطة. كأنّ العالم حين يشتدّ وهجه لا يعود يطيق الخداع. فالحَرّ لا يطيق الثياب، كما الروح، حين تُحمى بنار التجربة، لا تطيق الزيف. في تلك الأيام، لا نحتاج إلى كلماتٍ كثيرة، يكفينا ظلّ شجرة، ونَفَسٌ لا يُزاحمه التكلّف. الصمتُ يكشف، والبساطة تقول كلّ شيء. كم نحتاج أحيانًا لأن نضع الزينة جانبًا، أن نسمح لأنفسنا أن نكون كما نحن: وجوه بلا مساحيق، أرواح بلا دروع، وخطى تسير على الأرض الساخنة دون خوف من الاحتراق.

الصدق العاري

في بعضِ الأيّام، تتجرّدُ الحياةُ من زينتِها، تخلعُ الشمسُ سُتورَ الغيم، وتتدلّى الحقيقةُ كأنّها جسدٌ لا يخجلُ من الوهج. تنسحبُ الوجوهُ من لونِ الخجل، تُطفئُ الحُمرةَ المصطنعة، وتدعُ الهواءَ يمسحُ عنها غبارَ التكلّف. لا حاجةَ لثوبٍ أو قناع، فالحرُّ لا يحتملُ الزيف، والأرواحُ المحروقةُ بالنار تأنفُ الزينة. نمشي حفاةً على جمرِ النهار، نبحثُ عن ظلٍّ لا ينهارُ في الصمت. الصمتُ هنا... لغةٌ أخرى، فيه تتهجّى البساطةُ أسماءَنا وتعيدُنا إلى البدء. وجوهٌ بلا مساحيق، خطىً بلا تردّد، ونَفَسٌ كأنّه المرآةُ الأولى قبل أن يلمسَها الخوف.