mercredi 6 août 2025

كتابة خائفة

(ذاكرة الفحم والسنابل) أسيرُ في ذاكرتي كمن يتلمّس أطرافَ صوته في ضبابٍ بعيد، كمن يعودُ إلى بيتٍ هدمته الذكرى وتركتْ نوافذه معلّقةً على سؤالٍ بلا جواب. لا أرى سوى عويلٍ يتسرّب من جدران الوقت، طفولةٌ بكتْ في الخفاء ثمّ نسيتْ لماذا، كأنّ الألم كان طقسًا يوميًّا، لا يحتاج إلى سبب. جثثٌ تُلوّح للحبّ كما تلوّحُ الظلالُ لليلٍ عابر، كأنها تقول: "ما زلنا نحلم، ولو حتفًا." من تحت الركام، ينبثق وجهٌ يشبهني، لا يحمل ملامحي، لكنّه يعرفني. عناقيدُ فحمٍ تكتب القادم من الأيام، كأنّ الرماد له ذاكرة وأنّ السواد ليس نسيانًا بل شكلٌ آخر من النبوءة، حين تتكلّم الكارثة بلسانِ البذور. السنابلُ تنزف جوعًا، ليس لأن الأرض بخلت، بل لأن الصمتَ نسي أن يُصلي، ولأن اليد المرتجفة لا تعرف كيف تزرع الرجاء. الأمهاتُ يحضنّ الغياب، كما لو أنه آخر الأبناء، والنوافذُ المفتوحةُ للريح، تتعلم التنهيدة الأولى. أجلس قرب الحقول المحروقة، أسمعُ نحيبًا خافتًا كأن الأرضَ تستغفرُ عنّا، كأنها تعبُر بنا إلى صمتٍ أنقى، صمتٍ لا يُشبه النسيان بل يُشبه النجاة. كلّ شيءٍ من حولي يريد أن يقول شيئًا ولا يجد اللغة، فأكتب، لا لأنني أملك اليقين، بل لأنني خائف، ولأن الورق آخر ما تبقى من الهواء.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire