mercredi 13 août 2025

عبء الكلمات

(النسخة الرمزية والتجريدية، حيث تتحوّل المشاهد الواقعية إلى صور شعرية مفتوحة، في مرثية أقرب إلى لغة الأسطورة والذاكرة الجمعية) هناك كلماتٌ وُلدت مثقلة، تسير في أفواهنا كما يسير النعش على الأكتاف. كلماتٌ شربت من دمائنا حتى ارتوت، ثم صارت صدىً باهتًا في المدى: أوامرٌ تمشي على عكاز، قنابلُ بأجنحة سوداء، ووعودٌ تُساق إلى المقصلة. الذاكرة، نهرٌ يعود إلى منبعه، يحمل في مجراه وجوهًا عائمة، وأبوابًا مغلقة، وأذرعًا تبحث عن أكتاف غابت. البيت، صار صخرةً بيضاء في بحر الليل، تحرسه ابتسامةٌ منطفئة، وعينان صغيرتان لم تتعلّما بعد كيف تريان النهار. الماضي يزورني مبتورًا، يلفّ جسده بضباب، يمسح دموعه بكمّ من هواء، ويغلق الباب خلفه، فتنكمش الحرب في العتمة كحيوانٍ جريح. في المنافي، الأوطان كالنوافذ تعرض حريقها من بعيد، ولا تسمح بلمس الرماد. الأخت، ظلّ يمشي في بيت غريب، تقتسم دفء الجدران مع أرواح مجهولة، وتغفو على وسادة تشمّ رائحة غيابها أكثر مما تشمّ القطن. الأغاني بلا أفواه، والألسنة تمضغ صمتها، والأجنحة المسمومة تعبر من أحياء الطين إلى مخيمات العطش، وترسم ظلّها من فجرٍ إلى فجر. في عيني الأم يمطر صيفٌ أسود، والأرض في أعماقها تتقلّب ككابوسٍ لا ينتهي. ماتت القوافي في طوابير الجياع، وبقيت الأصوات كأذرعٍ بلا أطفال. يقولون: إن الشعر بعد المذبحة بربريّة. لكن ماذا غيره يبقى؟ أكتب، لأردّ للذاكرة بعض لحمها، وأترك للجراح حقّ الكلام.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire