vendredi 29 août 2025
رسالة بلا مُرسِل
وصل الظرف إلى بابه، مختومًا بعناية، بلا اسم مرسِل. في البداية، ظنّه بطاقة تهنئة من أمّه القلقة، تحاول أن تُبقي شعلة أمل صغيرة في قلبه، في عيد ميلاده الأوّل بدون زوجته. لكنه حين فتحه، وجد شيئًا لا يُصدّق: طفلاً مطويًّا بعناية، كأنّه ورقة أُغلقت بإحكام، وعلى وجهه تجاعيد من أثر الطيّ. وقف الرجل مشدوهًا في مطبخه، يحدّق في الظرف كما لو كان عينًا مسطّحة تومض في وجهه قبل أن يصرخ ويرمي الظرف، ثم يغيب عن وعيه فيسقط رأسه على حافة الطاولة حين أفاق، سمع صوتًا طفوليًا ينادي: "أبي؟ أبي، استيقظ"- فتح عينيه على ألمٍ في جبينه ودمٍ يسيل، ليدرك أنّه على أرض المطبخ الباردة. أمامه، كان الطفل قد انبسط وكبر، كزهرة خرجت من غلافها. كان يرتدي ثوبًا أبيض بسيطًا، وشعره الأسود ممشّطًا. قال الصبي: أنا جائع... أريد معكرونة بالجبن" ارتجف الرجل: "ما هذا؟ من أنت؟" ابتسم الطفل ببراءة: "أنا ابنك" يا إلهي، لقد فقدت عقلي أخيرًا"، قال الرجل، مُنحنيًا على الطاولة، ورأسه بين يديه أبي، من فضلك لا تبكِ"، قال الصبي" "سأتصل بالشرطة"، قال الرجل ، "أين هاتفي؟" أنا لستُ طفلًا سيئًا"، قال الصبي." "ليس بالنسبة لك، أيها الأحمق. بالنسبة لي. أنت في عقلي. أنت أنا"، أجاب الرجل. "لقد فقدت عقلي أخيرًا" ""أحمق كلمة سيئة كان الرجل في ارتباك، يتساءل إن كان ما يحدث وهْمًا من رأسه المصدوم، أم حقيقة لم يستوعبها بعد. حين استدعى الشرطة، جاء ضابطٌ ومسعف. استقبلهما الرجل بحماس عند الباب. كان يرتدي معطفه، وضع مفاتيحه وهاتفه ومحفظته في جيوبه، وربط حذائه. "أحتاج للذهاب إلى المستشفى"، قال. "هيا بنا" "ما هي المُشكلة؟" سأل الضابط، واضعًا يديه بحذر على مشبك حزامه. "أُعاني من الهلوسة"، قال الرجل. "لقد كانت الأشهر القليلة الماضية صعبة. أحتاج لرؤية طبيب". نظر الضابط إلى جبهته الدامية. "من أجل هذا؟" سأل، مُشيرًا إلى رأس الرجل. "ماذا؟ لا"، وضع يده على رأسه، "لا، أرى طفلًا. إنه خلفي". نظر الضابط بإيجاز إلى المُسعف، الذي انتقلت عيناه من الضابط إلى خلف الرجل. "يظل يطلب المعكرونة ويتحدث عن بسكويت برقائق الشوكولاتة ". شهق الطفل من خلفه "هل تقصد ذلك الطفل؟" سأل المُسعف. "نعم، ذلك الطفل. إنه ليس ابني" توقف واستدار لينظر إلى الطفل، ثم، مُنزعجًا، إلى الرجلين. "هل ترونه؟" نظر الطفل ولوح لهما بيده "سيدي، لماذا لا تجلس"، أشار المُسعف إلى الأريكة المُبعثرة. في ذهول، تبعه الرجل وجلس. انحنى المُسعف بجانبه. "لديك جرح كبير جدًا في رأسك. هل تمانع إذا ألقيت نظرة؟" أومأ الرجل، ناظرًا إلى الضابط وهو يقترب من الطفل. "مرحبًا أيها الطفل، كيف حالك؟ هل هذا والدك؟" "نعم، هذا أبي" "هذا ليس ابني!" صاح الرجل أدرك الرجل أنّ الآخرَين يرونه أيضًا. ازداد ارتجافه: أيكون حقيقة إذن؟ جلس الطفل هادئًا وهو يلعب بالهاتف وحين سألوه عن قصته، قال ببساطة "كنتُ أنتظر أبي. والآن وجدته"- "هل تم تبنيك؟" سأل الضابط، "لا تأخذ الأمر على محمل شخصي لأن والدك ليس على ما يُرام. لقد ضرب رأسه" " أعرف، رأيته يسقط. إنه يعتاد عليّ فحسب" "طفل ذكي"، طمأنه الضابط تمتم الرجل: "لقد جاء في البريد". أومأ الضابط. " إنه لشيء جميل أن تأخذ طفلًا وتربيه كطفلك. ستعتاد الأمر" لم يعرف الرجل ما يقول. لكن قلبه أخذ يخفق بطريقة غريبة قال المسعف: "أود أن آخذك إلى المستشفى لفحصك. متى ستعود زوجتك إلى المنزل؟" سأل، ناظرًا إلى خاتمه. "قريبًا"، كذب الرجل. بعد ستة أشهر، لم يستطع حتى الآن تقبل حقيقة أنها لن تعود أبدًا. "أعتقد... أعتقد أنني سأبقى." إذا كان بإمكانهم رؤية الطفل، استنتج، فإما أنه يُهلوس بهم جميعًا، أو أن الطفل في شقته حقيقي. لم يكن متأكدًا أيّهما أكثر رعبًا. أصدر جهاز لاسلكي الضابط صوتًا مُشوّشًا عن حادث على بعد ثلاثة أميال. قال المسعف، "حسنًا. ستحتاج أنت وزوجتك إلى مُراقبة الأعراض. إذا شعرت بالقيء، أو تفاقم الصداع، أو استمر ارتباكك، فستحتاج إلى الفحص. اتصل بنا إذا احتجت إلى أي شيء" " انصرفا الرجلان. بينما كان يشاهدهما يسيران في الممر خارج شقته، تمتم: "كان في ظرف نظر الطفل، واضعًا الهاتف بجانبه. "لماذا كذبت بشأن مجيء السيدة إلى هنا؟" وضع الرجل يديه على وجهه. "ماذا؟" قال من خلال راحتيه. "أوه. لا أعرف". ردّ الصبي: "أعرف أنها لن تأتي إلى هنا". أنزل الرجل يديه. "ماذا؟" ثم أدرك الأمر على الرغم من أن زوجته لم تكن قاسية ولا مُخادعة، إلا أن ذلك كان الاحتمال الوحيد. قالت في أول موعد لهما إنها لا ترغب أبدًا في الأطفال، والرجل، الذي لم يرغب في شيء أكثر من أن يكون أبًا، اعتقد أنها ستُغير رأيها. خبأ رغبته، مطوية ومُغلقة بإحكام. ولكن مع مرور الوقت، تسللت من جديد، دافعة نفسها خارج الحواف، مُنسكبة في مُحادثات تحولت إلى شجارات، مُفسدة الرابطة، منهية الزواج. "ألا تريدني؟" سألت، والدموع في عينيها. أرادها، لكنه أراد شيئًا آخر أيضًا. كان الأمر مُعقدًا بشكل ميؤوس منه، مُتشابكًا، ومؤلمًا. أعطاها كل شيء في الطلاق، حزم القليل الذي لديه، ووجد شقة بغرفة نوم واحدة مليئة فقط بالصمت والأثاث القديم من مرآب والدته وسوق السلع المُستعملة. هذا بالإضافة إلى الأريكة المُلطخة بالقهوة. "آمل أن تُصبح أبًا يومًا ما"، قالت له، "ستكون أبًا رائعًا". ثم رحلت. مرّت أيام قليلة، بدأ خلالها يكتشف أنّ الطفل يعرف أشياء لم يخبره بها أحد: عن المرة التي أعطى فيها آخر ورقة نقدية في جيبه لرجل مشرّد، عن انكساره في ليالٍ بلا رفقة. وحين سأله: "من أخبرك بهذا؟" أجاب الطفل: – "أهل الغيب... الملائكة قالوا إنك رجل طيب" كان الصبي يتحدث عن "دار النور" التي أُرسل منها، وعن "الملائكة" الذين يرسلون البركة لمن ضاقت بهم الدنيا. قال له يومًا: – "قالوا لي إنك أب صالح. ولهذا جئتُ إليك." لم يجد الرجل ما يردّ به. جلس على الأرض واضعًا رأسه بين كفّيه. اقترب الصبي منه هامسًا: – "الآباء يُطعمون أبناءهم. أنا جائع يا أبي" قام الرجل متثاقلًا نحو المطبخ، وضع قدرًا على النار، وبدأ يسلق المعكرونة. في صمته شعر أن شيئًا في داخله يتغيّر. حين قدّم الطبق للطفل، قال له بارتباك: "إذن، أنت ابني الآن؟"- ابتسم الصبي بعفوية، وفمه ممتلئ بالطعام: "لطالما كنتُ بانتظارك. الآن صرتَ أبي"- بقي الرجل صامتًا، ينظر إلى هذا الكائن الغريب الذي جاءه من المجهول، كهدية لم يطلبها لكنه كان يتمنّاها طوال عمره. وعلى الطاولة، كانت هناك بطاقة صغيرة، لم ينتبه إليها أول الأمر. التقطها وقرأ ما فيها: "ما دام للإنسان قلبٌ يحلم، فإن الله يفتح له بابًا للنجاة" رفع الرجل رأسه نحو السماء، وهمس: "شكرًا... شكرًا جزيلاً"-
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire