mardi 12 août 2025
حين يسكن الظلام
حين يسكن الظلام
وُلدت القرية في حضن الجبل، كما تولد القطرة في قاع البئر، بعيدة عن كل طريق، بعيدة عن كل عين.
منذ زمنٍ بعيد، مرّ عليها مرضٌ أطفأ النوافذ في الوجوه، وترَك الأجساد تمشي في طرقاتها بذاكرةِ اللمس ورائحةِ التراب.
لم يرحل أحد، ولم يأتِ أحد. أنجبوا أبناءً بعينين مغلقتين منذ الخلق، وصارت العتمة أصلًا لا يُسأل عن سببه.
في صباحٍ علويّ، كان "بصير" يتسلق الجبل، يطارد الغيم، حين خانته صخرة، فانزلق، وتدحرج نحو قاعٍ مجهول.
نهض من غبار السقوط، فرأى بيوتًا بلا نوافذ، جدرانها تصرخ بألوان لا يسمعها أحد. أدرك أن الضوء هنا ليس ضيفًا على البيوت.
دخل الأزقة ينادي، لكن الأصوات مرت به كما تمر الريح بين الأصابع. اقترب من جماعةٍ جالسين على صمتهم، وقال:
— أنا من مكانٍ يرى.
تساءلت الأصوات:
— وما الرؤية؟ أهي رائحة؟ أهي طَعم؟
حاول أن يصف الشمس والماء والوجوه، لكن كلماته بدت لهم طلاسم. ضحكوا كما يضحك الأطفال من ظلّهم، ثم قالوا:
— عيناك مرضك. نقتلعُهما لتشفى.
هرب "بصير"، والظلام يطارده من خلفه، حتى أدرك عند سفح الجبل أن النور لا يسكن في العيون، بل في القلوب التي تصدّقه.
وحين التفت إلى القرية، بدت له كجرّةٍ مختومة، يعلوها غبار الأزمنة، يحتفظ بداخلها بشرٌ لا يعرفون أن في العالم شيئًا اسمه الفجر.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire