mercredi 6 août 2025

مرآة الغَرْقى

وجهي يُبَادِلني التحيّة كأنّه اعتاد الغياب، وغريبانِ تُلوّحُ لهما السُّفنُ الغَرِيقة، تلوّحُ بلا أمل، كما تُلوّحُ المرايا لمَن نَسُوا ملامِحهم. نقفُ على حافّةِ الموج، حيثُ الماءُ ينسى أسماءه، وحيثُ الريحُ تعودُ من الجهاتِ الأربع بصوتٍ واحد: صدى من سقطوا ذات تيه. نُحاولُ أن نتذكّر أوّلَ الغياب، لكنّ الذاكرةَ تُقلّبُ وجوهًا بلا أعين، والمكانُ بلا توقيع، كأنّه ورقةٌ بيضاءُ نُفِضَ عنها الحبرُ قسرًا. الأصواتُ تنفلتُ من ثقوبِ الجدران كما ينفلتُ الليلُ من عُقدةِ الفجر، وكما يسيلُ العمرُ من سطرٍ غير مكتمل إلى حاشيةٍ نسيها الكاتب. أشيرُ إليه، فيلتفتُ إليّ كأنّه أنا وكأنّي ظِلٌّ في حنجرةِ غيم، نصفُ طيفٍ، نصفُ ندم، نصفُ حياةٍ تُراوِغُ الموتَ بالتأمّل. نُبحِرُ دون شراع، نلوّحُ دون يد، نذوبُ دون وداع، كأنّنا خُيولٌ بلا جَسَد، أُسطُرٌ تُكْتَبُ بالماءِ على زَبَد. ولكن، من كان يُلوّحُ لمَن؟ نحنُ؟ أم ظلُّنا الذي نسيَ الرجوع لأنّه وجد في الغرقِ بيتًا آخر؟ أيعقل أن لا أحد في المرآة؟ أنّ الوجوهَ مجرّدُ محاولاتٍ فاشلةٍ لتصوُّرِ الذات؟ أنّ الغرقَ ليس نهايةً، بل صيغةٌ أخرى للشفاء من التيهِ المُقيم؟ نظلُّ نُلوّحُ، لا لأنّنا ننتظر، بل لأنّ في الحركةِ عزاء، وفي التلويحِ اعترافٌ صامت بأنّنا كنّا دومًا مجرّدَ عبورٍ في ذاكرةِ الموج.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire