samedi 12 juillet 2025

غريب يعرفني

غريب يعرفني *** (في عالم يتطلب منّا أن نبدو بخير طوال الوقت، أحيانًا لا نحتاج إلا إلى من يلاحظ أننا لسنا كذلك... دون أن يرحل.). "أنتِ لا تكفّين عن الابتسام" رفعت سلاف نظرها عن كتابها، وقد باغتها الصوت. كان أيهم يجلس بجانبها على المقعد في الحديقة، وأصابعه ترسم خطوطًا عشوائية على الخشب. كانت شمس العصر المتأخرة تصبغ الأشجار بلون ذهبي، وضحكات الأطفال تتردد من بعيد. ابتسمت، وهي تزيح خصلة شعر عن وجهها: "وهل هذا أمر سيّئ؟". لم يرد الابتسامة.. "لا، فقط أتساءل إن كان حقيقيا؟" ضغطت بأصابعها على دفتيْ الكتاب. لقد أمضت سنوات تتقن هذا الأمر- ضحكتها العفوية، خفّتها... لأنك حين تبتسم، لا يسألك أحد إن كنت تتألم من الداخل... هزت كتفيها وهي تتكئ إلى الوراء، تنظر إلى أوراق الخريف المتساقطة: "أنت تبالغ في التفكر، يا أيهم" زفر ببطء. "وأنتِ... تتظاهرين كثيرًا" حملت الريح كلماته بعيدًا، لكنها استقرّت عميقًا في صدرها. كان الوحيد الذي نظر إلى ما وراء السطح، الوحيد الذي حاول أن يراها حقًا. لكنها لم تكن تستطيع أن تسمح له بذلك.. لأن الناس يرحلون حين يرون الأجزاء المحطّمة. لذا، ضحكت، غيّرت الموضوع، ودفعت اللحظة بعيدًا. وكالعادة، ترك أيهم الأمر يمر. إلا أنه في الأسبوع التالي، لم يكن هناك. ثم أسبوع آخر. وآخر. لا رسائل. لا مكالمات. فقط فراغ بجانبها على المقعد. أقنعت نفسها أن الأمر لا يهم. أنها معتادة على هذا. أن الناس دائمًا يرحلون... لذا استمرت في المجيء إلى الحديقة، وظلت تجلس على نفس المقعد، وواصلت الابتسام. حتى حين كان يؤلمها ذلك. وبعد أشهر، كان الهواء أبرد، والأشجار أكثر عُريًا. ثم- رأته. أيهم. جالس على مقعدهما. ينتظر. انحبست أنفاسها. ببطء، مشت نحوه وجلست بجانبه، تضع على وجهها القناع المشرق ذاته الذي ارتدته طوال حياتها. "طال غيابك، أيها الغريب" استدار نحوها، ونظراته أكثر رقة، تكاد تكون حزينة. "أنتِ لا تكفّين عن الابتسام"، همس. ابتلعت ريقها بصعوبة. ولأول مرة منذ وقت طويل، ارتجف القناع وهذه المرة- حين ابتسمت - لم تكن ابتسامة كاذبة. صمت. ثم ارتسمت ابتسامة ساخرة خفيفة على شفتيه. ."وأنت"... همست، وقلبها يتألم، "لا تكفّ عن الملاحظة أبدًا" جلسا، والصمت بينهما ثقيل. كل شيء قيل دون أن يُقال... لم تسأله: "لماذا رحلت؟" ولم يطلب منها أن تشرح لماذا كانت دائمًا تبتسم. هو لم يكن بحاجة إلى إجابات. هو فقط رأى ما لم يره غيره، وهي لم تهرب حين رآه. ربما ما كانت تحتاجه طوال الوقت... ليس من يسألها، بل من يرى، ويفهم، حتى وهي غريبة عن نفسها. وها هو، الغريب... لم يعد غريبًا.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire