lundi 28 juillet 2025
المأوى كفكرة: حين يصبح السكن استعارةً للطمأنينة
في عالمٍ تتكاثر فيه الجدران وتقلّ فيه البيوت، يصبح سؤال المأوى أكثر من مجرّد مسألة عمرانية أو اجتماعية؛ إنه سؤال فلسفي، وجودي، إنساني حتى النخاع. المأوى ليس فقط سقفًا يحجب المطر، أو جدرانًا تقي من الحرّ والبرد والخوف، بل هو المساحة التي نسمح فيها لأنفسنا بأن نكون ضعفاء، هادئين، صامتين دون وجل. هو ذلك الركن غير المرئي الذي نخلعه من العالم، ونلبسه حين تشتدّ الوحشة.
منذ فجر الحضارة، ارتبط مفهوم البيت بالانتماء. ليس صدفةً أن تُشتقّ مفردات "الوطن" و"الطمأنينة" من جذرٍ لغوي يلامس السكن والاستقرار. لكن ماذا يحدث حين تتآكل هذه المفردات من الداخل؟ حين لا يعود للبيت عنوان، أو حين يصبح مأهولًا لكن خاليًا من المعنى؟
في زمن العزلة الحديثة، حيث الفردانية تُحتفى بها كقيمة، يُعيد الإنسان اكتشاف هشاشته. فحتى أكثر الناس صلابة يحتاج إلى ركنٍ يأوي إليه. ليس فقط لحمايته من تقلّبات الطقس الخارجي، بل من عواصف الداخل التي لا يراها أحد. والمأوى بهذا المعنى، قد يكون غرفة صغيرة أو صدرًا حنونًا أو حتى لحظة صدقٍ مع النفس.
إننا حين نبحث عن المأوى، نحن لا نبحث فقط عن الجدران بل عن الشرط الإنساني الذي يمنح الجدران معناها: الاحتواء. نريد أن نُحتوى لا فيزيائيًا فقط، بل عاطفيًا ونفسيًا وروحيًا. نريد مساحة نُصغي فيها لصمتنا دون خوف، ونُفرغ فيها تعبنا دون تبرير.
في المقابل، هناك من لا يملكون هذا الامتياز. الذين يفترشون الشوارع، أو الذين يسكنون بيوتًا لا يملكون فيها شيئًا من الطمأنينة. هؤلاء لا يعيشون فقط خارج المأوى، بل خارج خريطة التمثّل الرمزي للانتماء ذاته. إنهم غرباء في مدنٍ مزدحمة، وساكنون في عزلةٍ كونيةٍ لا مرئية.
لذا، فالتفكير في المأوى هو تفكير في عدالة العالم. في كيفية تشكّل المدينة، وتوزيع الثروات، وصناعة الهشاشة. هو أيضًا تأمل في علاقتنا بالذات: ما الذي يجعلنا نشعر بالأمان؟ هل هو الآخر؟ أم الذكرى؟ أم المعنى؟
المأوى إذًا ليس مجرد مكان، بل حالة. قد نسكن في قصر ونشعر بالتشرّد، أو نقيم في غرفةٍ ضيّقةٍ ونشعر بأننا محاطون بالدفء. المأوى الحقيقي لا يُقاس بالمتر المربّع، بل بمقدار السكينة التي يبثّها فينا.
وفي النهاية، حين تضيع المدن، ويضيق العالم، يبقى المأوى فكرةً نقاوم بها الزوال. نلجأ إليها لا لنختبئ من الحياة، بل لنحتمي بها كي نواجهها من جديد، بوجهٍ أقل تعبًا، وقلبٍ أكثر احتمالًا.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire