mardi 15 juillet 2025

حين يصبح كنس الأوراق نوعًا من الترجمة

في لحظات معينة من الحياة، لا نملك لغةً نقول بها ما يعتمل في الداخل. لا نصرخ، ولا نكتب، ولا نكسر شيئًا. بل نأخذ مشطًا ونخرج إلى الحديقة… ونجرف الأوراق. ما يبدو فعلاً عابرًا، مملًا وربما آليًا، قد يكون في حقيقته أحد أعمق أشكال الحوار الصامت مع الذات. فنحن لا نكنس الأرض فقط، بل نعيد ترتيب الفوضى التي لا نعرف كيف نُواجهها بالكلمات. الأوراق المتساقطة هي الأيام التي لم نفهمها، الذكريات التي لم نملك وقتًا لنعالجها، والكلمات التي قيلت في لحظات الغضب، ثم علقت في الهواء ولم تغادر أبدًا. بعض الغرف في بيوتنا تصبح خانقة، ليس لصغر حجمها، بل لأن الهواء فيها ثقيل برائحة الخيبات، أو الحوارات المبتورة، أو الصمت الطويل بعد جدال. نهرب منها ليس إلى مكان آخر، بل إلى فعلٍ آخر: نرسم بالدوران حركة بطيئة لها معنى، كأننا نقول: "هنا على الأقل، أستطيع أن أُعيد ترتيب شيء ما." ولعل أجمل ما في هذه الطقوس الصامتة، أنها لا تسعى لحلّ كل شيء، ولا تدّعي النقاء أو التطهّر، بل تمنحنا فقط فسحة صغيرة للتماسك، للتنفس، للهمس بالحزن بدلًا من الانفجار به. لكن حتى ونحن نرتب… تتساقط أوراق أخرى. ويبدو أن الفوضى جزء من الإيقاع، وأن مهمتنا ليست القضاء عليها، بل مراقصتها، بلطف، وبشكلٍ دوريّ، حتى لا تطمرنا.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire