lundi 14 juillet 2025
حين يكون الهروب خلاصًا: عن الطفولة المكسورة وشهوة النجاة
ليس كل من يهرب خائنًا.
وليس كل من يترك البيت عاقًّا، ولا كل من يختار الرحيل باكرًا تائهًا بالضرورة.
في أحيان كثيرة، يكون الهروب أول تنفّس حقيقي، أول صرخة ضد حياة لم يكن فيها مجال للصراخ.
هناك طفولة لا تُروى في الحكايات، ولا تُحفظ في الألبومات.
طفولة يُقمع فيها الصوت، ويُخدش فيها الجسد، وتُطفأ فيها الروح شيئًا فشيئًا، تحت ضربات الكلمات واللكمات، أو بين صمت الأمهات والآباء الذين غابوا حتى وهم حاضرون.
طفولة لا تُكسر مرّة واحدة، بل تُهشّم على امتداد الأعوام، ثم تُرمى على الطرقات دون وداع.
في هذه البيوت، تصبح اللغة سوطًا، والصوت سلاحًا، والليل كهفًا من الخوف لا مأوى فيه.
وهناك، في أقصى زوايا الروح، يولد صوتٌ خافت: "اركض."
صوت لا يأتي من الخارج، بل من بقايا أمومةٍ خائفة أو وعيٍ غريزي بالنجاة.
صوتٌ يُهمس أولًا، ثم يعلو شيئًا فشيئًا، حتى يصير أقوى من الجدران نفسها.
وحين تشتدّ الضربات، وتخفت الأمل، يصبح الهروب فعلًا أخلاقيًا، وضرورةً وجودية.
الفتى أو الفتاة الذي يهرب من العنف لا يبحث عن المغامرة، بل عن مكان يستطيع فيه أن يبقى حيًا دون أن يُجلد.
أن يكون له اسم لا يُصرخ به، ووجه لا يُصفع، وليل لا ينام فيه فزعًا من القادم.
وليس الهارب دائمًا ضائعًا.
بل كثيرًا ما يجد ذاته بين التائهين، وسط المخذولين والمكسورين، أولئك الذين عرفوا الألم دون لغة، والذين يبنون خيامهم لا من حجر، بل من قصص مشتركة تحت نجوم غريبة.
أن تهرب في سن الرابعة عشرة يعني أن الحياة أجبرتك على أن تكبر قبل أوانك.
وأن تحيا بعد ذلك، رغم كل شيء، هو في حد ذاته شهادة على قوة الكائن الإنساني حين يُخيّر بين البقاء والانكسار.
النجاة لا تشبه النصر دائمًا.
وأحيانًا، لا تكون النهاية بيتًا جديدًا أو حضنًا بديلًا، بل مجرّد لحظة سلام مؤقتة تحت سماء بعيدة.
لكنها كافية، لأنها من اختيارك.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire