jeudi 31 juillet 2025

تأمُّلٌ في الفراغ الذي يتركه الرَّحيل:

في القِطَعِ الورقيَّةِ الصَّغيرةِ تكْمُنُ أعظمُ أسئِلَتِنا. هُناكَ، بجوارَ خَانةِ "الشَّخصُ الذي يُمكنُ الاتِّصالُ به"، يَبرُزُ العَجْزُ الإنسانيُّ بِأبْهَى صُورِه. نَمْلَأُ الدُّنْيا أرقامًا وَعناوينَ، لِنَكتَشِفَ أَنَّنَا نَحفَظُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ رَقْمًا وَاحِدًا فَقَطْ.. لِمَنْ صَارَ رَقْمًا مُنْقَطِعًا. السَّطرُ الفَارِغُ يَصيرُ نَصْبًا تِذْكَارِيًّا. لَيْسَ لِعَدَمِ وُجودِ أَحَدٍ، بَلْ لِوُجودِ مَنْ لَا يُمْكِنُهُمُ الرَّدُّ بَعْدَ الْيَوْمِ. نَتَذَكَّرُ حِينَ كُنَّا نَمْسَحُ عَرَقَ الْقَلَقِ وَهُمْ يَضْحَكُونَ: "أَنْتِ طَوارِئِي الدَّائِمَةُ"، ثُمَّ يَغِيبُونَ وَيَتْرُكُونَنا نُحَاذِرُ حَتَّى نَزْلَةَ الْقَلَمِ مِنْ أَصَابِعِنَا. الْغُرْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَلَّا تَجِدَ مَنْ يَكْتُبُ اسْمَهُ حِينَ يُسْأَلُ: "مَنْ يُنْقِذُكَ إِذَا سَقَطْتَ؟". أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ كَانَ سَيَصِلُ حَتَّى إِلَى جَحِيمٍ لِإِخْرَاجِكَ.. ثُمَّ تَرَى أَنَّ الْجَحِيمَ الْوَحِيدَ هُوَ عَدَمُ وُجودِهِ فِي قَائِمَةِ الْاتِّصَالِ. فَرَاغُ الْخَانَةِ لَيْسَ فَقَطْ عَدَمًا، بَلْ وَعَاءٌ يَمْتَلِئُ بِكُلِّ مَا لَمْ نَقُلْهُ حِينَ كَانَ الْوَقْتُ مُتَّسِعًا. وَهَذَا هُوَ الْقَفَصُ الصَّدِئُ الَّذِي نُقَادُ إِلَيْهِ بَعْدَ كُلِّ فِقْدَانٍ: أَنَّنَا لَمْ نَكُنْ مُسْتَعِدِّينَ لِكَوْنِ الْوُجودِ أَكْثَرَ هَشَاشَةً مِنْ وَرَقَةِ تَأْمِينٍ صِحِّيّ. لمحةٌ تَصويريَّةٌ: تخيَّلْ يَدًا تَتَعَلَّقُ بِهَاتِفٍ صَامتٍ، وَهِيَ تَعْلَمُ أَنَّ الْخَطَّ سَيَظَلُّ مُنْقَطِعًا.. فَالْمُنْقَطِعُ حَقًّا لَيْسَ الْاتِّصَالَ، بَلْ ذَاكَ الْقَلْبُ الَّذِي كَانَ سَيُسْرِعُ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْخَطِّ. هَذَا هُوَ الْفَقْدُ فِي عَصْرِنَا: لَيْسَ بُكَاءً عَلَى قَبْرٍ، بَلْ رَجْفَةُ إِصْبَعٍ عِنْدَ الضَّغْطِ عَلَى رَقْمٍ مَحْذوفٍ مِنَ الْقَائِمَةِ.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire