jeudi 17 juillet 2025

وادي الأحلام

عندما كنت في التاسعة من عمري، حذّرني والدي من مخاطر الأحلام. قال لي ذات صباح، وصوته كالصنفرة، مزيج من الخشب والغبار: "تعرف، لو شربت ميّة بزيادة، توقف التوصيلات الكهربائية في جسمك، وتطيح مكانك." كنا نجلس على طاولة المطبخ، أنا أمام وعاء كورن فليكس بدأ يلين ويتفتت، وهو يحتضن كوب قهوته الفوريّة، الكوب نفسه الذي لا يشرب إلا منه رغم أن طرفه مشروخ. وكانت أشعة الشمس تصنع من الغبار في الهواء مجرّة صغيرة تدور بيننا. "جسمك ينسى كيف يتنفّس"، تابع كلامه. "والأحلام نفس الشيء—إذا حلّقت فيها كثير، ما تلقى أكسجين كفاية." قالها كما لو كان خبيرًا، كما لو أنه حلم ذات يوم حتى كاد أن يغرق. كنت قد أخطأت وأخبرته أنني أريد أن أصبح مستكشفًا. كانت المعلمة قد عرضت علينا صورامن مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" عن جزر الغالاباغوس. فقمم ضبابية وسلاحف عملاقة وأسود بحر تتكاسل على الصخور. ظللت أحدّق في الصور حتى بعد انتهاء الحصة، كأنها بوابة سحرية ستنقلني إليها. رجعت إلى البيت مشتعلاً بالدهشة، وأخبرته أنني أريد أن أرى العالم، أن أغوص في محيطات مجهولة وأسمّي نباتات لم يسمّها أحد من قبل. تأملني طويلًا، ثم قال كلامه عن الماء والكهرباء والأكسجين. وبعدها وضع يديه الجافتين المتشققتين على وجنتيّ، وغادر إلى حيث ينتظر الدجاج. لم ألومه. كان يريد أن يصبح ميكانيكيًا حين كان فتى، لكن أمه مرضت، وغادر والده، وتراكمت الفواتير، وانطفأت أحلامه كما تنطفئ شعلة لا تجد ما تتنفسه. ربما فقدت تلك الأحلام كهرباءها أيضًا. كنت أتساءل: ماذا يفعل ذلك بالإنسان؟ الآن أعتقد أنني أعرف. لأنني أستلقي في وادي الأحلام. لا مجازًا، بل حرفيًا. الهواء هنا ناعم وذهبي، ولا أذكر حتى كيف وصلت. الأشجار لها أوراق فضية تلمع دون أن تهب ريح. الأنهار تصعد التلال. لا شيء منطقيّ، وهذا بالضبط ما يجعل كل شيء منطقيًا. الوادي لا يخضع لقوانين. الوادي مساحة للّاحتمال. أمرّ عبر حقل من الزهور المستحيلة، وأرى أشياء لم أتخيّلها: عوالم في شفرة عشب، طيورًا تتحاور، نسختي الصغيرة تحمل عصًا كسيف، تقاتل تنانين لا يراها سواها. وأراه هو أيضًا. والدي. ليس الرجل المتعب بقميصه المتقادم وأظافره المكسورة، بل الفتى كما كان. أصابع ملوّثة بالشحم، عيون تلمع كعيوني ذات زمن. يبتسم. ليس لي، بل لشيء أمامه. حلم لم يُطلب منه بعد أن يتخلّى عنه. ربما وجد الوادي هو أيضًا. ربما نصل إليه جميعًا، عاجلًا أو آجلًا—إن لم يكن في الحياة، ففي ما يليها. الهواء هنا مليء بالتنفّس. ولأوّل مرة، لا أفكّر في المشابك العصبية، ولا في الأسلاك، ولا في ارتفاع الحلم. أنا فقط... أحلُم.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire