samedi 12 juillet 2025
على حافة البقاء
على حافة البقاء
يستيقظ، وعلى وجهه حجاب من غروب الشمس البرتقالي الباهت. يرفع يده ببطء، يلوّح بها عبر شظايا الضوء. لا تشققات جافة ولا جلد متقشّر. إنها ناعمة، لطيفة.
ينهض، يتأمل متكاسلا المساحة الكثيفة من العشب البري. صمت مطبق. الأشجار تصطف عند الأفق المحروق في ظلال سوداء ملتوية. تتناثر شقائق النعمان فوق الخضرة كشرارات من اللون الأحمر السائل. يصرف بصره، والأفكار تمرّ في ذهنه كطَيفٍ خاطف: يتمنى لو يستطيع البقاء. لا يتذكر لماذا لا يستطيع.
الصمت يحمل الآن حدّة – تلك التي تلسع الجلد وتدفع القلب إلى الحلق. يتسلل الدخان إلى أنفه ويرى أمامه العشب مضغوطًا على الأرض. فوقه جثث محترقة، مصطفة بعناية جنبًا إلى جنب، الأذرع متقاطعة فوق الصدور، وثقل السُّبات الدائم بين أضلعها. ألياف نبات الشوك الدامي تمتد عبر شقوق العظام واللحم المحترقة، ولا يزال الدخان يتصاعد منها. يركع، يقترب.
"دكتور!" يهمس النداء المؤرّق عبر العشب، يثلج جلده بقبلة من الصقيع ومرارة طعمها علقم.
يستيقظ - حقًا هذه المرة؛ على الأقل هو على يقين بقدر ما يستطيع التأكد في عالم الموت الأبيض والأحمر هذا - يتنفس هواءً ممزوجًا بنتف الثلج البلورية. الحفرة التي حفرها ليقضي فيها الليل باردة كما كانت حين غفا أول مرة. يرفع عينيه الثقيلتين.
الجنود الآخرون ينكمشون في خنادق محفورة في الأرض المتجمدة، محتمين بالأشجار الطويلة التي تحيط بهم، يعضّون على أصابعهم، والدموع تترقرق في عيونهم. عندها يلاحظ أن بعض الجذوع المتكسرة تتصاعد منها أدخنة. قطع متناثرة من الفحم الأسود تشتعل في البرد، تلطّخ بياض الأرض.
يبتلع ريقه بصعوبة. كم مرّ من الوقت وهو نائم؟ الثلج يغطي رموشه وشفتيه المرتجفتين. يمدّ يديه المحمرّتين عبر الهواء المتجمّد. خشنتان، جافتان، متشققتان، متقشرتان. بلا قفازات. لقد أعطاها. وسيُعطي ويعطي ويستمر في العطاء، سائرا على حافة البقاء، لأن هذا ما تطوّع لأجله.
تهدر الأرض. تهتز الأشجار. يغمض عينيه. يعرف - هزة أخرى للأرض، شهيق مرتجف آخر - أن الشمس تمر عبر الغيوم الرمادية والليل الكثيف.
"دكتور!" يتردّد الصدى بنبرة حادّة تشي بالموت.
يمدّ يده إلى الحقيبة المشدودة بجانبه - شاش، مقص، حقن. يرمش مرة، مرتين، ويقف على قدميه في الثالثة. يركض، يتعثر في الظلام، يد على خوذته، والأخرى على حقيبته - يطارد ذلك الصدى البعيد على قدمين مخدّرتين.
فرقعة مدوية. وميض من الضوء يخترق الليل، يعلو فوق الأشجار، يلمع بخبث، ثم ينفجر. صرخة حادّة تمزّق الصمت. يتساقط الضوء في كل الاتجاهات كمذنّبات تمضي نحو الفناء. تتصادم الشرارات بالأرض، بالأشجار، بالجنود. الدخان يخنق الهواء، يملأ الرئتين بسُمّه الثقيل. وميض آخر يرتفع، يقطع الظلام، وتتبعه صرخات متألمة:
دكتور.. دكتور.. دكتور
يسمعها من كل الجهات، بكل الأصوات، كثيرة جدا... عالية جدا... وله يدان فقط. يدان ترتجفان بشدة. لكن هناك واحدة - التي سمعها في البداية. إنها صرخة رطبة، مبحوحة، يعرف معناها.. إن استطاع الوصول إليها
تنفجر مجموعة أشجار قريبة في وابل من الشظايا والضوء. يسقط أرضًا، فمه ممتلئ بالتراب والخشب. ينهض. يواصل. العرق يبلل جبينه في البرد القارس. أنفاسه حادة، متقطعة.
"! "ماذا تفعل، يا أيوب؟ احْمِ نفسك
يأتي الصوت من يساره، فينظر. إنه يحي. قال له شيئًا في الليلة الماضية، حين كانا يرتجفان معًا في حفرة، يتشبثان بالصباح.. شيئًا عن ابنته. كان يحمل صورتها: عينان بنيتان مشرقتان، أسنان متفرقة وشعر ناعم بلون الليل. قال إنها أبقته حيًا. كانت تميمته.
يدفع يحي جنديًا نحو حفرة غير مكتملة، يلوّح بجنون. "هيا يا سليم!" وفي وميض من الضوء، يختفي. كلاهما اختفيا.
يتوقف أيوب عن التنفس، لكنه لا يبكي. يرمش فقط. يمسح وجهه بيده المتخشبة ويتحرك.
"دكـ... دكتور"
النداء ضعيف، لكنه قريب.
جندي ملقى في الثلج، بقع أرجوانية تحيط به. يتلوّى، يركل الثلج الأبيض. عصا خشبية تبرز من بطنه.
يمد أيوب يده المرتجفة إلى حقيبته - شاش، مقص، حقن - ثم يتوقف.
شقائق النعمان... كثيرة جدًا.
يقترب، يركع، يحتضن الجندي، يضغط على الجرح حول الخشبة. الدم الساخن يلسع يديه المتجمدتين، لكنه لا يتزحزح. يتسرّب الدم من بين أصابعه.
"هل يمكنك...؟" يبدأ الجندي بالبكاء. يتوقف ليخنق شهقة، ويرتجف بلا سيطرة. "هل يمكنك نزع العصا؟"
تتحول الكلمات في ذهن أيوب إلى: "هل يمكنك إيقاف الألم؟". ليست سؤالاً، بل رجاء. الكل يسأل نفس الشيء.
يضغط بقوة. عبثًا. "لا"."
"آه..." يئن الجندي، عقِبا حذائه يحفران الثلج وهو يتلوّى من الألم. "آه..." لحظة إدراك.. تسليم صامت بما هو كائن.. بما هو آت. يهمس: "يا دكتور... سأموت".
"نعم" لا يكذب أيوب. ليس في هذا. "لكنه سيكون أفضل من هنا، على أية حال." يريد أن يقول أكثر، لكنه لا يجد الكلمات. كأن شيئًا يكممها في أعماقه.
يضحك الجندي بخفوت. "معروف، يا دكتور؟"
."أي شيء"
."هل تكتب لأمي؟" بقع دم تتناثر على شفتيه. يتماسك لينطق: "ستحتاجها.. أعلم أنها ستحتاجها"
أفعل ذلك إن شاء الله""
يمنحه الجندي ابتسامة واهية، وهو ينسحب. يرحل.
تهدأ الأصوات. لكن الثلج يستمر في الهطول – بلطف لا يُحتمل.
تقترب خطوات بطيئة. أحدهم قادم. لكن لا أحد يأتي حاملًا ما يستحقه الأموات من وداع يليق بهم... حتى لحظة الحزن الخاطفة لا تلبث أن تختنق في الصمت، وتمضي.
يواصل أيوب الضغط على الجسد البارد والدم المتخثّر، كما لو أنه ما زال يربط الحياة بالثلج..
صوت تنحنح خلفه.
."يا دكتور، الملازم يطلبك في الخط الأمامي"
"ينتظر." نبرة حادة، كالرمان الحامض، تلسع اللسان وتلتصق بالحلق.
."الأمر عاجل"
يستدير أيوب نحو الفتى النحيل، بزّته العسكرية أوسع من جسده، وخوذته تغطي عينيه. طفل. طفل أكثر من البقية، وأكثر طفولة من أيوب نفسه. ربما كانت نظرة أيوب كافية ليتقلص الطفل أمامها. شيء ما فارغ في عينيه. الكل يعرف. لهذا لم يعد أحد ينظر في عينيه. لهذا لم يعد يرى انعكاسه.
"حسنًا." يبلل شفتيه بلسانه. "لكن أرسل أحدًا ليبقى معه. مفهوم؟"
يهز الطفل رأسه. الخوذة تتمايل على جبينه.
ينهض أيوب – بيديْن ملطختين بالدم، متيبستين، جافتين، متشققتين، متقشرتين يحدّق في الامتداد الأبيض الكثيف. صمت مطبق.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire