samedi 12 juillet 2025

الأعمى والبصير

الأعمى والبصير سار رجلٌ يحمل صندوقًا أحمرَ صغيرًا بيده ببطءٍ في الشارع. كانت قبعته القشية القديمة وثيابه البالية تبدو وكأن المطر قد هطل عليها مرارًا، والشمس قد جففتها عليه مراتٍ عديدة. لم يكن عجوزًا، لكنه بدا واهنا؛ وسار تحت أشعة الشمس، على الرصيف الأسفلتي الحارق. على الجانب الآخر من الشارع كانت هناك أشجارٌ تلقي بظلالٍ كثيفة ولطيفة: كان الناس جميعا يسيرون على ذلك الجانب. لكن الرجل لم يكن يعلم، لأنه كان أعمى، بل كان غبيا. في الصندوق الأحمر كانت هناك مناديل ورقية، يسعى لبيعها. لم يكن يحمل عصًا، بل كان يوجه نفسه بسحب قدمه على حواف الرصيف أو يده على الأسوار الحديدية. عندما يصل إلى درجات منزلٍ ما، كان يصعدها. أحيانًا، بعد أن يصل إلى الباب بصعوبة بالغة، لا يستطيع العثور على جرس الكهرباء، فينزل بصبرٍ ويواصل طريقه. كانت بعض البوابات الحديدية مقفلة، حيث كان أصحابها في إجازة صيفية، وكان يقضي وقتًا طويلًا في محاولة فتحها، الأمر الذي لم يكن يهم كثيرًا، إذ كان لديه كل الوقت المتاح.. كان ينجح أحيانا في العثور على جرس الكهرباء: لكن الخادمة التي كان تجيب الجرس لم تكن بحاجة إلى مناديل ورقية، ولا يمكن إقناعها بإزعاج صاحبة المنزل لأمرٍ تافهٍ كهذا. كان الرجل خارجًا منذ وقتٍ طويل وسار مسافةً بعيدة، لكنه لم يبع شيئًا. في ذلك الصباح، زوده شخصٌ قد سئم من رؤيته يتسكع بلا عمل بعلبة المناديل هذه، وأرسله ليكسب رزقه. كان الجوع يقضم معدته، والعطش الشديد قد جفف فمه وأنهكه. كانت الشمس حارقة وكان يرتدي ملابس كثيرة – معطف فوق سترة فوق قميص. كان بإمكانه خلعها وحملها على ذراعه أو التخلص منها؛ لكنه لم يفكر في ذلك. امرأة طيبة رأته من نافذة علوية شعرت بالأسف عليه، وتمنت لو أنه يعبر إلى الظل. انجرف الرجل إلى شارع جانبي، حيث كانت هناك مجموعة من الأطفال الصاخبين والمتحمسين يلعبون. لون الصندوق الذي يحمله جذب انتباههم وأرادوا معرفة ما بداخله. حاول أحدهم انتزاعه منه. بدافع الغريزة لحماية نفسه ومصدر رزقه، قاوم وصاح في الأطفال وشتمهم. جاء شرطي من زاوية الشارع ورأى أنه محور الشغب، فجذبه بعنف من ياقة قميصه؛ لكنه عندما أدرك أنه أعمى، امتنع عن ضربه بعصاه وأمره بالمضي في طريقه. فسار الرجل تحت أشعة الشمس. خلال تجواله العشوائي، انعطف إلى شارعٍ كانت فيه سيارات رباعية الدفع تهدر ذهابًا وإيابًا، تصدر أصواتا صاخبةً وتهز الأرض تحت قدميه بقوة دفعها الهائلة. بدأ يعبر الشارع. ثم حدث شيءٌ ما - شيءٌ مروع جعل النساء يغمى عليهن وأصاب أقوى الرجال الذين شاهدوه بالغثيان والدوار. كانت شفتا سائق العربة رماديتين كوجهه، وكان وجهه شاحبا كالرماد؛ وكان يرتجف ويتمايل من الجهد الخارق الذي بذله لإيقاف سيارته.. من أين جاءت هذه الجموع فجأة، كما لو كان ذلك بسحر؟ أولاد يركضون، رجال ونساء يقتربون بعرباتهم لمشاهدة المنظر المريع: أطباء يهرعون كما لو كانوا مبعوثين بقدرة إلهية وازداد الرعب عندما تعرفت الجموع في الجثة المشوهة على أحد أغنى رجال البلدة وأكثرهم نفعًا ونفوذا، رجلٌ معروف بحكمته وبعد نظره. كيف يمكن أن يحل به مثل هذا المصير الفظيع؟ كان يسرع من مقر عمله للانضمام إلى عائلته، التي كانت ستغادر خلال ساعة أو ساعتين إلى منزلهم الصيفي على ساحل البحر. في عجلته، لم يلاحظ العربة القادمة من الاتجاه المعاكس، فتكرر المشهد المأساوي المعتاد. لم يعرف الأعمى سبب كل تلك الضجة. لقد عبر الشارع، وها هو ذا، يتعثر تحت الشمس، ويجر قدميه على حافة الطريق..

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire