vendredi 6 février 2026
زفافٌ في الحديقة الفضية
ويحكِ.. ماذا بكِ؟ لِمَ كل هذه الفوضى النفسية؟ ماذا حصل بربكِ؟ كيف تتجهزين لعرسٍ مضى عليه القطار وفات.. ويحكِ يا امرأة.. أجننتِ؟
لكنها لم تبالِ ساعتها بالتعليقات والتكهنات المعتادة. هكذا هم الناس؛ لا يعجبهم العجب، فإذا ما تزوجت صغيرة اتهموا والديها بالطمع والتقصير، وإذا ما قبلت الزواج كبيرة اتهموها بالخرف والجنون.. ولكنهم لم يدركوا بعدُ أن زوجها هي مختلف عن كل الأزواج في الوجود، وأن عرسها السعيد محفوف بسعادة خاصة، تختلف عن كل الأفراح الدنيوية.
ارتدت البياض ووقفت تتأمّل نفسها في المرآة. هذا التورّد الجميل في وجنتيها يدلل على فرحتها الطاغية وسعادتها التي لا توصف. أخفت معالم الشيخوخة الظاهرة خلف أصباغ التألق والسعادة، تناولت وردتها الحمراء النّدية ورصّتها بحرص في شعرها المُمشّط بعناية. الرماد المتناثر في شعرها أثار بعض الضيق في نفسها، لكنها تجاهلته وقامت بترميم آثار الزمان على وجهها ويديها.
قبعت بقرب النافذة، تتأمّل الليل الدامس الذي زيّنته اِلتماعات الشّهُب والنجوم. تلك نجمة تسقط وأخرى تذوب.. شخصٌ سيرحل الليلة، سيرحل سعيداً في عالمٍ كعالمنا، عالمٌ يجب أن نلتمس الخروج منه ببطء؛ فإما أن نعيش بجبن أو نرحل بشجاعة.
تنهدت.. ثم تنهدت.. وظلت تتنهّد وتئنّ. عريسها مُفرط في الدلال، والاضطراب بدأ يشلّ حركتها. ضاعت كل معاركها في الحياة وعصارة حنكتها، وبدت كعروس صغيرة وهي تتأمل زائرها السماوي ورفيق عمرها الباقي.. لم يظهر بعد.. لم يأتِ بعد.
بحركات متوترة قامت تحوم في غرفتها الغارقة في السكون، ودّت لو تُناوَل دفّاً أو مزماراً لتعزف فرحتها وانتظارها الأليم، ودّت لو تعبق حياتها بأسرار الشفاء بعد رحلة قاسية من الجروح. خُطاها بدأت تقِلّ تباعاً، الليل يشرد من ناظريها، المشوار طويل.. وعريسها يعاني ليصل، سويعات والنهار يحل عليها.
لن تيأس.. هكذا صممت. لم تكترث لإشاعات جاراتها وأقاربها، سيأتي هذا الزواج النادر ليخلّصها من كل هذا الوجود المكتئب. تأمّلت الحركة السريعة في شارع المدينة المكتظ بالأجساد البشرية.. قرفت طويلاً من هذا النشاط المثبط لعزيمتها، وبصقت في وجوه المراهقات المتضاحكات في طريقهن للمدارس، وقعدت بعيون متفحّصة تمعن النظر في سائقي السيارات.. لا، الحياة لم تعد كما كانت قبلاً، الآن أصبح كل شيء حكراً على كل شيء. متى يحل هذا العريس لينتشلها إلى عالمه البعيد؟ ليزرعها وردة في تربته القدسية، ليسقيها برعايته ويفرحها.
ظلت في غرفتها، وأقفلت نافذتها عند استقرار الشمس في كبد السماء. لعنت الوشايات التي أصخت السمع لها رغما عنها، وراقبت بعجز ارتجاف يديها وضعف ساقيها.. إنها مضطربة، ويحق لعالمنا أن يضطرب وهو يشهد أحلاماً تتهدّم وتنهار.
ويمضي النهار ببطء شديد، وعند حلول المغرب، ركعت تصلي، تدعو ربّها أن يرسل لها عريساً بسرعة لتخرس الهمهمات ووحديث الهمس. وعندما انتهت، ضمّخت نفسها بعطر منسيّ وجدته صدفة في إحدى الخزائن. رأت الليل حديقة زهر بديعة، ربيعاً يغني في سواد مدقع، ووروداً تتناجى بشوق. ضحكت وضحكت.. فرحانة هي لأنها تستشعر قدومه.
آه.. أجراس قدومه تدق السماء بصليلها المميز.. إنه قادم.. قريب جداً.
سار هو مثقلاً بالهموم، يحمل دفاتره وأوراقه تحت إبطه، مترددٌ ومسير. ارتدى ذلك اليوم بدلته السوداء الغامضة، وطوى سُدفة الليل باتجاه عروسه. جلس يعدد عرائسه من قبل ومن بعد فابتسم، قعد على صخرة ليستريح، فالمشوار إلى وردة جديدة يتطلب صبراً وإرادة. لكنه فكر قليلاً ولم يلبث أن أظهر دهشته؛ فهي المرة الأولى التي ترحب به مخلوقة على وجه الكون! تمعن في الأمر.. إما أنها قانطة حتى الموت، أو أنها مجنونة.
عندما استيقظ أدرك أن مهمته تحتاج يوماً آخر لإنجازها. أصلح هيئته، عدل هندامه، وبهدوء الناسك مشى. صفّرت الريح خلفه وعصفت بأوراق الربيع لتلقيها أمواتاً في الطرقات. أسرع في مشيته أكثر، الليل يحل شيئاً فشيئاً، الليل الذي يراه أغنية خريف.. قصيدة نعي.. رحيلاً غاشماً وقسوة أبدية. ترفرف سترة بدلته في الهواء كليل في ليل، تسانده القوى الخفية وما هو إلا سائر في طريق مخطوط.
وعندما لمح منزل وردته، دوّن في دفتره علامة حمراء، ثم تابع سيره وهو يفكر في التربة التي تستحق أن تغرس فيها هذه الوردة النادرة. في طريقه لمح أطفالا وعشرات الأشخاص، لكنه لم يتوقف. أصلح من هيئته ونفض الغبار عن بدلته، لم تبق إلا خطوات قليلة ليأخذ وردته إلى حديقته.
دق الجرس معلناً وصوله. شيئاً فشيئاً، ظهر أمامها كقدر محتوم تؤمن به وبشدة. تأمل انفعالات وجهها، توقع أن تنهار عندما تراه، لكنها ركضت إليه وارتمت في أحضانه! دهش لحظة وأطلق آهة استغراب سرعان ما تبددت.
وقبل أن تغلق عينيها لترحل، أطلقت نظراتها لتعبث في جو غرفتها الخانق، والتقطت بسمعها آخر ضحكات شابة في الشارع المجاور.. غضبت.. حنقت.. وتشبثت بسترته السوداء بإصرار.
ببطء رحلت.. ببطء غرست في تربة فضية.. ككل عرائس زوجها.
هناك، حيث لا ضجيج لسياراتٍ أو همس لجارات، انسكبَ البياضُ ليغمرَ المدى. لم تعد تشعرُ بثقل الرماد في شعرها، ولا برعشة العجز في ساقيها؛ فقد استحالت أوجاعها عروقاً خضراء تتنفسُ الطمأنينة. في تلك الحديقة الفضية، كانت الأرواحُ تصطفُّ كزهورٍ نادرة، لا يذبلُ فيها العطرُ ولا يزورها الخريف. التفتت خلفها لمرةٍ أخيرة، فرأت غرفتها القديمة ومراياها الباهتة تصغرُ وتتلاشى كذرة غبار، بينما عريسها الصامت يغلقُ دفتره بابتسامةٍ هادئة، معلناً بداية العُرس الأبدي.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire