mardi 17 février 2026

مرارةٌ في قعرِ البراءة

أحملُ فنجاني الصغيرَ بين كفّيَّ كأنني أقبضُ على غيمةٍ سوداءَ محبوسةٍ في الخزف. هذا السوادُ الكثيفُ الذي يغلي.. ليس بُنّاً فحسب، إنه "الحبرُ" الذي سالَ من قلمي في ليلةِ امتحانٍ طويلة، إنه تعبُ السنينِ الذي تكثّفَ في رشفة. أشمُّ رائحةَ التحميصِ القوية فترتدُّ بي الذاكرةُ صاغرةً.. إلى كوبِ "الحليبِ" الدافئِ فوق مائدةِ الفطور. هناك.. حيثُ كان بياضُ الكوبِ هو بياضُ العالم، وحيثُ كانت "القشطةُ" الرقيقةُ على سطحهِ هي أقصى مغامراتي.. وأكبرَ مخاوفي. بين مرارةِ القهوةِ التي أحتسيها الآن، وحلاوةِ السكرِ التي كنتُ أسرقُها من خزانةِ أمي، توجدُ مسافةٌ شاسعةٌ من "النموِّ" الإجباري. هذا البخارُ المتصاعدُ من الفنجان.. يُرسمُ لي وجوهاً غادرتْ، ويُعيدُ تشكيلَ "ضبابِ الشتاءِ" الذي كنتُ أتنفسه وأنا في طريقي إلى المدرسةِ بملابسي الخفيفة. أنا لا أشربُ القهوةَ لأستيقظَ فحسب، أنا أشربُها لأطمسَ طعمَ ذلك "الحليبِ" الساذج، ولكنني.. كلما وصلتُ إلى قعرِ الفنجان وجدتُ بقايا طفولتي الراسبةَ هناك، تنتظرني بابتسامةٍ بيضاء.. وسطَ كلِّ هذا السواد.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire