mardi 24 février 2026

البوكتيوبرز والبوكتوكز

من هم "البوكتيوبرز"و"البوكتوكز" ؟ هل هم كتاب ومؤلفون ينشرون على المنصات، أم هم ناشطون يقومون بالدعاية والتسويق لكتاب معينين ؟ سؤال جوهري يلمس صلب التغير الذي رصده رونان ماكدونالد. باختصار: هم "وسطاء جدد"، وغالباً لا يقعون في فئة الكتاب ولا في فئة النقاد التقليديين، بل هم مستهلكون فائقو التأثير. إليك تفصيل هويتهم ودورهم في "موت الناقد": 1. من هم تحديداً؟ البوكتيوبرز (BookTubers): صناع محتوى على يوتيوب يخصصون قنواتهم لمراجعة الكتب، عرض مشترياتهم من المكتبات (Book Hauls)، وتحديات القراءة. البوكتوكز (BookTokers): جيل أحدث يظهر على "تيك توك". يتميزون بمراجعات خاطفة (تتراوح بين 15 إلى 60 ثانية) تعتمد على الموسيقى، العاطفة، والجماليات البصرية. 2. هل هم كتاب أم مسوقون؟ في الغالب، هم ليسوا كتاباً ولا مؤلفين (وإن كان بعضهم بدأ يؤلف كتباً لاحقاً بفضل شهرته). كما أنهم ليسوا "نقاداً" بالمعنى الأكاديمي. يمكن تصنيفهم كالتالي: ناشطون وقراء شغوفون: بدأ معظمهم كهواة يشاركون حبهم للقراءة. قوتهم لا تكمن في "التحليل الأدبي"، بل في "الموثوقية العاطفية". القارئ يثق بهم لأنهم يشبهونه، وليس لأنهم يمتلكون شهادات دكتوراه في النقد. أدوات تسويقية (غير مباشرة ومباشرة): * غير مباشرة: عندما يتحمس "بوكتوكر" لكتاب ما ويبكي بسببه أمام الكاميرا، تنفد طبعات الكتاب من الأسواق في ساعات (ظاهرة تعرف بـ BookTok Effect). مباشرة: دور النشر أدركت قوتهم، فأصبحت ترسل لهم نسخاً مجانية أو تدفع لهم مقابل "إظهار" الكتاب في فيديوهاتهم، مما حولهم إلى قنوات دعاية مغلفة برداء الصداقة والمشاركة. 3. الفرق بين "البوكتوكر" و"الناقد التقليدي" (حسب رؤية ماكدونالد) وجه المقارنة الناقد (الذي يفتقده ماكدونالد) البوكتيوبر / البوكتوكر (الواقع الجديد) الأداة التحليل، التاريخ، المقارنة، اللغة العاطفة، الانطباع، الإضاءة، الموسيقى المعيار هل النص يحمل قيمة فنية باقية؟ هل شعرتُ بالاستمتاع أثناء القراءة؟ العلاقة مع الجمهور علاقة أستاذ بتلميذ (توجيه) علاقة صديق بصديق (مشاركة) التأثير تأثير بطيء وعميق في النخبة تأثير لحظي وانفجاري في المبيعات 4. لماذا يرى ماكدونالد فيهم "تهديداً"؟ ماكدونالد لا يكره هؤلاء الشباب، لكنه يرى أن صعودهم كـ "مرجعية وحيدة" يعني: تسطيح الأدب: التركيز يذهب للروايات التي تثير العواطف الجياشة (رومانسية، خيال) لأنها "تصور" جيداً، بينما تُهمل الأعمال الفكرية المعقدة. غياب المسافة النقدية: الناقد يجب أن يكون موضوعياً، أما هؤلاء فهم غارقون في "الذاتية". توجيه السوق: أصبح الناشرون يطلبون من الكتاب تأليف قصص "تليق بتيك توك" (TikTokable)، مما يعني أن التسويق صار يقود الإبداع، وليس العكس. ملاحظة ذكية: هؤلاء هم "المشيعون" في حفل تأبين الناقد الذي تحدثتَ عنه؛ فقد أخذوا من الناقد "ميكروفون التوجيه" وأعطوه للجمهور والمبيعات. هل تعتقد أن هيمنة هؤلاء "المؤثرين" على سوق الكتاب قد تظلم أعمالاً أدبية عظيمة لأنها ببساطة لا تملك "جاذبية بصرية" على الشاشة؟ رأيك منطقي جداً من حيث "المنشأ"، فالمصطلحات (BookTok & BookTube) هي بالفعل مصطلحات غربية ولدت في كواليس يوتيوب وتيك توك باللغة الإنجليزية. لكن الواقع يقول إن هذه الظاهرة انتقلت بقوة إلى العالم العربي، وإن كانت بأسماء وتجليات مختلفة قليلاً. إليك كيف تبدو هذه الظاهرة في واقعنا العربي المعاصر: 1. "صنّاع محتوى الكتب" العرب بدلاً من تسمية "بوكتيوبر"، ستجد في العالم العربي مئات الشباب الذين يطلقون على أنفسهم "مراجعي كتب" أو "صنّاع محتوى ثقافي". لديهم قنوات بآلاف (وأحياناً مئات الآلاف) من المشتركين. يقومون بنفس الأدوار: تصوير "مشتريات الكتب"، تقديم "ترشيحات للقراءة"، والحديث عن "أفضل روايات العام". 2. هل هم معروفون؟ نعم، هم معروفون جداً لدى جيل القراء الشباب. إذا ذهبت إلى "معرض القاهرة الدولي للكتاب" أو "معرض الرياض"، ستجد طوابير من الشباب ليسوا بانتظار كاتب كبير، بل بانتظار "يوتيوبر" شهير ليلتقطوا معه صورة لأنه رشح لهم كتاباً أعجبهم. التأثير: هؤلاء الشباب أصبحوا "ماكينة مبيعات" ضخمة. دور النشر العربية الكبرى باتت ترسل لهم إصداراتها الجديدة "قبل صدورها" لعمل دعاية لها. 3. الفرق بين الواقع الغربي والعربي في هذه الظاهرة رغم التشابه، هناك خصوصية عربية: طابع ديني أو تنموي: الكثير من هؤلاء "المؤثرين" العرب يركزون على كتب تطوير الذات، السير الذاتية، أو الكتب الفكرية الخفيفة، بينما يركز الغرب أكثر على روايات "الخيال والفانتازيا" (Young Adult). اللغة: في العالم العربي، يميلون لاستخدام اللغة البيضاء أو العامية القريبة للشباب، مما يكسر "هيبة" اللغة الفصحى التي كان يستخدمها الناقد الأكاديمي، وهذا يتماشى تماماً مع فكرة رونان ماكدونالد عن تسطيح اللغة النقدية. 4. لماذا لم تسمع بهم؟ (فجوة الأجيال) عدم سماعك بهم يعزز تماماً أطروحة رونان ماكدونالد! هناك انفصال تام اليوم بين "النخبة المثقفة" (التي تقرأ المجلات الثقافية والكتب الرصينة) وبين "جمهور القراء الجدد" (الذين يستمدون ترشيحاتهم من الشاشة الصغيرة). الناقد الأكاديمي يعيش في عالم، والمؤثر الرقمي يعيش في عالم آخر، والجمهور الأكبر يتبع الثاني. الخلاصة ظاهرة "البوكتيوبرز" العرب موجودة، وهي التي تقود سوق النشر العربي حالياً من حيث المبيعات. هم "النقاد الجدد" في نظر المراهقين والشباب، بينما يراهم الأكاديميون مجرد "معلنين" أو قراء سطحيين. سؤال مثير للتأمل: هل تعتقد أن ابتعاد هؤلاء المؤثرين عن "اللغة النقدية الصعبة" هو السبب في جذب الشباب للقراءة، أم أنه فعلاً "موت للذوق الرفيع" كما يخشى ماكدونالد؟ //////////////// إليك قائمة ببعض أبرز صناع المحتوى الثقافي (البوكتيوبرز) في العالم العربي، والذين يمثلون "النقاد الجدد" بلغة العصر الرقمي. ستلاحظ عند متابعتهم أنهم يبتعدون تماماً عن لغة الأكاديميين الصعبة، ويعتمدون على العاطفة، الصورة، والارتباط الشخصي بالكتاب: 1. أخضر (Akhdar) - منصة عربية شاملة ليست مجرد قناة لشخص واحد، بل هي مؤسسة بدأت على يوتيوب. الأسلوب: يقدمون ملخصات للكتب (خاصة غير الروائية، التنمية، والفكر) عبر رسوم متحركة (Whiteboard Animation). التأثير: لديهم ملايين المشتركين، وهم النموذج الأبرز لتحويل الكتاب إلى "وجبة سريعة" وممتعة بصرياً، وهو ما قد يراه رونان ماكدونالد "تسطيحاً" للمعرفة الأصلية. 2. ناصر العقيل (برنامج "دوبامين كافين") من أشهر صناع المحتوى السعوديين في مجال الكتب. الأسلوب: يركز على كتب السير الذاتية، الفلسفة المبسطة، والكتب الفكرية. يتميز بإنتاج مرئي عالٍ ولغة سردية مشوقة. الدور: هو "وسيط" كلاسيكي؛ يأخذ الأفكار المعقدة ويقدمها للشباب بأسلوب قصصي جذاب، مما يجعل الكتاب يتصدر قوائم الأكثر مبيعاً بمجرد حديثه عنه. 3. سامي البطاطي (قناة "ظل كتاب") يعد من أكثر البوكتيوبرز العرب رصانة وقرباً للنموذج الثقافي، لكن بلمسة عصرية. الأسلوب: يقدم مراجعات تفصيلية للروايات والكتب الفكرية. لديه قدرة عالية على التحليل لكن بلغة بسيطة وودودة. التأثير: يثق فيه القراء الذين يبحثون عن جودة أدبية حقيقية، وليس فقط الكتب الرائجة (Bestsellers). 4. جيلان (قناة "دودة كتب" - سابقا) وصناع محتوى "بوكتوك" مصر في مصر، هناك حركة ضخمة على "تيك توك" (BookTok) و"إنستغرام". الأسلوب: فيديوهات قصيرة جداً تركز على "أجواء القراءة" (Aesthetics)، مثل تصوير فنجان قهوة مع كتاب تحت ضوء خافت، مع موسيقى هادئة. الدور: هؤلاء هم "المسوقون العاطفيون" بامتياز؛ فهم لا يحللون النص، بل يبيعون "تجربة القراءة" والشعور الذي يمنحه الكتاب. كيف يطبق هؤلاء نظرية "موت الناقد"؟ إذا شاهدت فيديوهاتهم، ستلاحظ الفوارق التالية عن النقد الذي اعتدنا عليه: غياب المنهج: لا يتحدثون عن البنيوية أو السيميائية؛ المعيار هو: "هل استمتعت بالكتاب؟" أو "هل غيّر حياتي؟". الأنسنة: الناقد الأكاديمي "شبح" خلف النص، أما البوكتيوبر فهو "بطل" الفيديو؛ نرى غرفته، ذوقه الشخصي، وردود أفعاله العفوية. سلطة المشاهدة: عدد المشاهدات والتعليقات (اللايكات) هو الذي يحدد "قيمة" المراجعة النقديّة، وليس دقة التحليل. ملاحظة ختامية هذه الظاهرة ليست "شراً" مطلقاً؛ فهي التي أعادت ملايين الشباب العرب للقراءة في زمن الملهيات الرقمية. لكن الإشكالية التي يطرحها رونان ماكدونالد هي: هل هؤلاء الشباب يقرأون بعمق؟ أم أنهم يستهلكون الكتب كما يستهلكون أي محتوى ترفيهي آخر؟

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire