mardi 10 février 2026

سيزيف الجمعي.. في مديح العزلة المشتركة

تقديم: سيزيف الجمعي.. في مديح العزلة المشتركة لا يبدأ النص الشعري من قصيدته الأولى، بل من "العتبة" التي يختارها الشاعر ليوسم بها أثره الوجودي. وفي هذه المجموعة الموسومة بـ "كلنا يحمل الصخرة"، نحن لسنا أمام عنوان وصفي، بل أمام "مانيفستو" (بيان) ينقل الشاعر من حيز الذاتية الضيقة إلى رحابة الهم الكوني. إن أول ما يصدم القارئ في هذا العنوان هو استدعاؤه الفوري لأسطورة "سيزيف"؛ ذلك الكائن المحكوم عليه بدحرجة صخرته إلى الأبد. لكن الشاعر هنا يجري "انزياحاً" بارعاً في بنية الأسطورة؛ فبينما كان سيزيف يواجه عقابه وحيداً ومنعزلاً، يأتي العنوان ليحول الفردية إلى "كلية" (كلنا). غير أن هذا الجمع ليس جمعاً غوغائياً أو صاخباً، بل هو جمعٌ قائم على "التوازي" لا "التقاطع". وتتجلى عبقرية العتبة في الاختيار اللغوي الدقيق (كلنا يحمل)، حيث آثر الشاعر إسناد الفعل إلى المفرد الغائب بدلاً من نون الجماعة. إن هذا العدول النحوي هو جوهر الرؤية الفلسفية للمجموعة؛ فالشاعر لا يقول "نحن نحمل" كما في الهتافات السياسية أو الأناشيد الجماعية التي تذيب الفرد في القطيع، بل يقول "كلنا يحمل" ليرسم مشهداً تراجيدياً لـ "العزلة الجماعية". نحن أمام طابور طويل من الكائنات، يرزح كل واحد منها تحت ثقل صخرته الخاصة، يسيرون في الدرب نفسه، لكن دون أن يملك أحدٌ منهم يد المساعدة للآخر. الصخرة هنا ليست حجراً صلدًا فحسب، بل هي رمز لـ "الأمانة" الوجودية، للوعي الحاد بمرارة الحياة، وللخطايا التي نجرجرها خلفنا بصمت. تتحول "الصخرة" في هذا السياق من مادة صلبة إلى حالة ذهنية وشعورية. إنها تمثل "الثقل" الذي لا مفر منه؛ قد يكون وطناً ممزقاً، أو ذاكرة مثقوبة، أو فناءً يقترب. وبفعل "الحمل" المستمر، تصبح الصخرة جزءاً من تشريح الجسد الإنساني، لا عبئاً طارئاً عليه. الشاعر هنا لا يشكو، بل يمارس وظيفة "المشاهد" الذي يقرر حقيقة بيولوجية ونفسية: أن تكون إنساناً يعني أن تكون حاملاً لصخرتك. إن هذا الديوان، من خلال عنوانه، يدعونا لاكتشاف تلك المسافة القلقة بين "الأنا" و"النحن". إنه يقرّ بأننا شركاء في المصير، لكننا غرباء في الألم. "كلنا يحمل الصخرة" هو نشيد الصبر الهادئ، واحتفاء بالبطولة اليومية العادية التي يمارسها كل كائن بشري وهو يستيقظ كل صباح ليجر صخرته مرة أخرى نحو القمة، مدركاً تماماً أنها قد تسقط، لكنه يختار، بوعي تراجيدي، أن يواصل الحمل. إنها دعوة للقراءة، لا لتخفيف الحمل، بل لفهم كينونة هذا الثقل وكيف استحال، عبر اللغة والشعر، إلى طاقة للتمرد والاستمرار.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire