samedi 14 février 2026

كلاب القصر

أحاول كبح دموعي، لكنها ذكية؛ ففي اللحظة التي تلتقي فيها أعيننا، ستعرف الحقيقة. لا مفر، ولا سبيل لإخفاء الأمر عنها. "عزيزتي، تعلمين أننا نشرف على الموت جوعاً، أنا وأنتِ. لا يمكنني رفض هذه الوظيفة. أخبروني أن هناك الكثير من الطعام الجيد، وأنهم يدفعون بسخاء". أمرر يدي عبر شعرها الأشقر الناعم. تصغي إليّ بهدوء، كأنها تحاول امتصاص الحزن في صوتي—نبرة لم تعهدها مني من قبل. رغم كل بؤسنا وشقائنا، كنا سعيدين معاً. هل ستغفر لي؟ أم ستنظر إليّ كخائن؟ هي—تلك الوفية—التي لا تستريح، ولا تغمض لها عين قبل أن تتأكد أن كل شيء على ما يرام. كيف لها أن تقبل رحيلي بعد كل هذه السنين؟ بعد كل ما تقاسمناه من ضحك ودموع وجوع ويأس؟ لم تترك جانبي قط. لم تعصِ لي أمراً. ظلت وفية دوماً—سواء كنتُ على حق أم على باطل. كيف لي أن أتركها الآن؟ ماذا أقول لها؟ وأي وعود أقطعها وأنا لا أعرف حتى أين سأتركها أو متى سأعود؟ لقد قالوا إنني قد لا أعود أبداً. فقبل البدء بالعمل، يجب أن أوافق على كافة الشروط: الولاء، السرية التامة، والامتثال المطلق—بلا أسئلة، ولا فضول، ولا تردد. طاعة عمياء للسيد. الإحتجاج ممنوع، والخيانة عقوبتها الموت. عاهدتُ نفسي ألا أسكر الليلة، لكنني لا أستطيع الاستغناء عن "الحشيش"؛ فهو الشيء الوحيد الذي يساعدني على الاحتمال. وبينما كنتُ أقطع الحشيش على ضوء شمعة خافت، انسلّ لحن قديم من المذياع. صرّ الباب وانفتح، ودخلت رفيقة. "أنت هنا؟ كالعادة.. خمر، وحشيش، وأغانٍ قديمة، وشقراء تحدق فيك بصمت. لوحة شاعرية حقاً". قالتها وصوتها ينضح بالسخرية. "هل ستعتنين بها حتى أعود؟" "من؟ أنا؟ لاااا!.." لم أرفع عيني عن السكين، ونصلها يتحرك صعوداً وهبوطاً يقطع الحشيش. راقبتني رفيقة بدهشة، فقد توقعت مني أن أصرخ في وجهها أو أطردها كما كنت أفعل دائماً حين يجرحني لسانها السليط. لكنها استطردت بنبرة هادئة: "حتى لو أردتُ ذلك، فلن تسمح أمي به. هل نسيت ما فعلته أنت وتلك الشقراء بنا؟ لن توافق أبداً. وكيف تتوقع مني إطعامها وأنا بالكاد أطعم نفسي وأمي؟" أشرق وجهي؛ الآن تأكدت أن رفيقة قابلة للتفاوض. رغم كل ما فعلته— طلاقي لها، بيع مجوهراتها، وتركها هي وأمها بلا شيء— لا تزال تأتي لتتفقدني. حتى إنها ممرضتي حين أحتاجها. هي تعلم أنني أحبها، لكنها تعلم أيضاً أنني لست الرجل الذي يمنحها الأمان. الحقيقة أننا كلينا نتاج العشوائيات، يربطنا البؤس، والفرق الوحيد أن رفيقة كافحت لتترفع عنه، بينما استسلمت أنا للحشيش والخمر. "سأرسل مالاً كافياً من وقت لآخر، ولن تحتاجي للعمل بعد الآن". ضحكت بمرارة: "هل تعمل في مغارة علي بابا؟ أم أعطوك خاتم سليمان؟" ابتسمتُ: "لا يهم أين، المهم أنهم يدفعون جيداً". تركتُ الشقراء مع رفيقة، وأنا أقسم أن أحفظ عهدي ما استطعت. تصارع السيارة الأحراش وطرق الجبل الملتوية. يزداد الظلام حلكة ونحن نصعد ونهبط، ويبدو أن السائق يحفظ الطريق جيداً. تدريجياً، بدأت الأضواء تلوح، كاشفة عن مبنى ضخم— قصر، يكاد يكون ملكياً في فخامته. لم أرَ قط شيئاً كهذا، لا في الواقع ولا حتى في التلفاز. اتسعت عيناي من الذهول: "أنا؟.. سأعمل هنا!". مر عام كامل. أصبحتُ الآن مدرباً جيداً، ومحلاً لثقة الجميع، حتى الكلاب. كان السيد راضياً عن عملي وولائي، فرقّاني إلى رئيس للحرس. يهدأ القصر نهاراً، لكنه ينبض بالحياة ليلاً؛ مكان للملذات— خمر، قمار، مخدرات، عبيد، وجوارٍ. هنا، يمكنك أن تقابل سندريلا، وشهرزاد، وحتى أبا لهب. كل شيء فاخر وجميل، والشيء الوحيد الذي كان ينقصني هو "الشقراء". عندما صدرت لي الأوامر بجلب خدم وحراس جدد، اغتنمت الفرصة. أحضرتها. "السيد قادم. ابقِ هادئة، لا تفضحينا. سأذهب للقائه". كان قلبي يخفق بعنف. "سيدي، هل تود رؤيتها الآن؟" أشار بيده بلا مبالاة: "لا يهم، أريد فقط أن أسمع نباحها". غمرتني راحة شديدة. عدتُ إليها وجثوتُ بجانبها: "أنتِ في أمان الآن، فقط انفحي جيداً. هو يظن أنكِ كلبة؛ فقد أُمرت بجلب كلبة وعصيتُ أمره، خنتُ أمانته، وإذا اكتشف الأمر لا أدري ماذا سيفعل". ثم خفضت صوتي: "لا تقتربي من (زيوس)، ذلك الألماني؛ فهو يحمل دماء هتلر. إنه ماكر، وسيتخلى عنكِ، ولن يحميكِ من الرصاص". لكنها لم تسمع لي؛ وقعت في حب زيوس، وسرعان ما بدأ بطنها ينتفخ. ماذا سأفعل إذا اكتشف السيد الأمر؟ شاركت مخاوفي مع أحد الحراس نهاراً. وفي تلك الليلة، أمرني السيد بإحضار الشقراء إليه. استلقت عند قدميه، صامتة ومستسلمة. حدقتُ في المسدس الموضوع بجانبه، ونبضي يطرق في أذني كالمطرقة. هل سيفرغ الرصاص فيها؟ أم فينا نحن الاثنين؟ طال الصمت، ثم قال: "اعتَنِ بها جيداً.. نحن بحاجة لمزيد من الكلاب". خارت قواي. نبحت الشقراء، وتردد صدى صراخها في أروقة القصر. أدركتُ، بعد فوات الأوان، أنها لم تكن ملكي حقاً أبداً. إنها تنتمي لهذا المكان الآن... تماماً مثلي.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire