mardi 10 février 2026

تصدير: جغرافيا الثقل..

تصدير: جغرافيا الثقل.. في تشريح "سيزيف" المعاصر لا يقف عنوان هذه المجموعة الشعرية "كلنا يحمل الصخرة" عند حدود التسمية، بل يمتد ليصبح "برزخاً" نقدياً وفلسفياً يعبر بنا من ضيق الذات إلى شساعة الكونية. إنه عنوان يمارس صدمة الوعي منذ العتبة الأولى، محولاً الأسطورة السيزيفية من عقاب إلهي فردي إلى "قدر إنساني مشاع". إن الشاعر هنا يمارس انزياحاً لغوياً وفلسفياً مذهلاً؛ فباختياره صيغة المفرد الغائب (يحمل) بدلاً من نون الجماعة، فإنه يضعنا أمام الحقيقة العارية للشرط البشري: نحن جماعة في "الحالة" (الحمل)، لكننا فرادى في "الممارسة". نحن نشترك في "المصير" ولكننا نغترب في "الألم". كل واحد منا يجرجر صخرته في عزلة مطبقة، رغم أننا جميعاً نسير في الزحام ذاته، وتحت السماء ذاتها. تتحرك نصوص هذا الديوان في منطقة "بينية" حمالة أوجه؛ فهي من جهة تمارس "واقعية فجة" تشرح يوميات الكائن الكادح، تلامس تعبه الملموس، جسده الذي تنهكه الجاذبية، وخطواته التي تقيس أرصفة الخيبة. الصخرة هنا هي الهمّ المعيش، هي لقمة العيش المرة، وهي الوطن الذي يثقل الكاهل. لكن، وبمجرد أن نتوغل في اللغة، تنزاح هذه الصخرة عن ثباتها المادي لتصبح "كائناً سريالياً" بامتياز. تتحول من حجر صلد إلى مادة هلامية تسكن الأحلام، وتجليات اللاوعي، وغرف الذاكرة المظلمة. إنها "الثقل الميتافيزيقي" الذي يعري الكائن في أقصى لحظات انكشافه وهشاشته. حين يشتد الحمل، تتفسخ الأقنعة الاجتماعية، وتسقط الدروع الزائفة، ليظهر الإنسان في عُريه الوجودي الأول: هشاً، قلقاً، لكنه متشبث بفعل "الحمل" كآلية وحيدة لإثبات الوجود. ولا يتوقف هذا الثقل عند حدود المادة أو الفلسفة الوجودية، بل يمتد ليضرب بجذوره في أعماق المخيال الروحي والديني. فالصخرة في رحلة "الكل" هي تلك "العلامة" عند مجمع البحرين حيث تبدأ المعرفة اللدنية، وهي "الثبات" الرمزي المرتبط بقبة الصخرة كمركز للكون والوجدان والقضية. إنها الصخرة التي تضغط على صدور الضعفاء في رمضاء الابتلاء لتستنطق يقينهم، وهي "الحجر الزاوية" الذي يُبنى عليه معبد الذات. بهذا المعنى، يصبح الديوان صلاةً جماعية صامتة، يحمل فيها كل مصلٍ محرابه (صخرته) على ظهره، ويمضي نحو مطلقه الخاص. بين صلابة الواقع الذي يطحن العظام، وشطحات السريالية التي تفتت العقل، وبين حمولة الرمز الديني العابر للأجيال، ينسج هذا الديوان رؤيته. إنه نشيد للذين يمشون الهوينا، ليس ضعفاً، بل لأن أحمالهم تزن جبالاً من الأسئلة الوجودية. إنه كتاب الهشاشة التي صارت قوة، والفرادة التي نبتت من قلب الجماعة، ليعلن في النهاية أننا، وإن كنا نحمل صخورنا فرادى، إلا أننا نتقاسم قداسة المحاولة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire