lundi 9 février 2026
ورقة نقدية حول "نداء المشاركة" في الدورة العاشرة للمهرجان الدولي للفن والشباب والمدينة بسليانة
مقدمة:
انطلاقاً من الحرص على إنجاح الدورة العاشرة لهذا المهرجان العريق، وباعتبارنا شركاء في الهمّ الثقافي والبحثي، نقدّم هذه القراءة النقدية في نص "نداء المشاركة". نلاحظ أن النص يعاني من فجوات منهجية، تاريخية، واصطلاحية تحول دون صياغة إشكالية علمية تواكب الراهن الفني.
1. الإسقاط التاريخي وتشويه مفهوم "شمال/جنوب"
يرتكز النص على ثنائية "شمال/جنوب" كإطار تاريخي صراعي أزلي، وهو ما يتضمن مغالطتين:
تاريخية التسمية: مصطلح "شمال/جنوب" هو نتاج جيو-سياسي واقتصادي ظهر في منتصف القرن العشرين (خاصة مع تقرير براندت 1980) لتوصيف الفوارق التنموية. إن إقحام هذا المصطلح في "العصور القديمة" كما ورد في النص هو "إسقاط تاريخي" (Anachronism) يتجاهل أن موازين القوى في المتوسط كانت تتبادل المواقع؛ فقد كانت قرطاج ومصر والإسكندرية مراكز إشعاع وهيمنة (جنوبية) في وقت كان فيه الشمال غارقاً في بداياته.
اختزال الهيمنة: النص يصور الجنوب كمستقبل دائم للتأثير، وهو طرح يغفل قروناً من الهيمنة الحضارية العربية الإسلامية في المتوسط (الأندلس وصقلية)، مما يجعل من حصر الصراع في "التأثير الأورو-متوسطي" الطاغي رؤيةً قاصرةً لا تستقيم مع القراءة الشمولية للتاريخ.
2. هلامية مفهوم "العمل الفني المتوسطي"
يطرح النداء سؤالاً حول إمكانية الحديث عن "عمل فني متوسطي". وهنا تبرز إشكالية تعريفية:
غياب المرجعية: هل "المتوسطية" سمة جغرافية، أم أسلوبية، أم إيديولوجية؟ تاريخ الفن لا يعرّف "جوهراً" ثابتاً للفن المتوسطي. في ظل العولمة الرقمية، تلاشت الخصوصيات المحلية لفائدة "لغة بصرية عالمية".
التناقض مع العولمة: النص يتحدث عن "الذكاء الاصطناعي" و"العولمة"، وهي أدوات توحّد الأساليب وتلغي الحدود، مما يجعل البحث عن "هوية متوسطية" نقية في هذا الزمن نوعاً من "النوستالجيا" التي لا تسندها الممارسات الفنية المعاصرة.
3. الاضطراب الاصطلاحي (الفنون البصرية نموذجاً)
يقع النص في خلط مفاهيمي واضح عند تصنيف الفنون:
العموم والخصوص: يذكر النص "الفنون البصرية، والسينما، والمسرح، والتصميم". أكاديمياً، الفنون البصرية (Visual Arts) هي المظلة التي تندرج تحتها السينما والتصميم والفنون التشكيلية. وضعها في سياق "العطف" يوحي بأنها كيانات منفصلة تماماً، مما يربك الباحث في تحديد مجال تخصصه.
إقحام المسرح: المسرح هو "فن أدائي" (Performing Art) بالأساس. ورغم تقاطعه مع البصري (السينوغرافيا)، إلا أن إقحامه في نداء يركز على "الفنون البصرية" والذكاء الاصطناعي دون توضيح زاوية التناول يجعل المحور مشتتاً.
4. التوظيف السطحي للذكاء الاصطناعي
يُذكر الذكاء الاصطناعي في النص كعنصر تكميلي أو كـ "موضة" لغوية، دون النفاذ إلى إشكالياته الحقيقية:
النص يسأل عن "التمازج" في ظل الذكاء الاصطناعي، بينما الإشكالية الحقيقية تكمن في "شرعية الإبداع"، و**"خوارزميات الهيمنة"** التي قد تخلق "شمالاً وجنوباً" جديداً ليس جغرافياً، بل تقنياً (من يملك الخادم يملك الفن).
5. غياب "سوسيولوجيا المكان" (سليانة والمدينة)
رغم أن المهرجان يحمل اسم "المدينة" ويقام في "سليانة"، إلا أن النص جاء "معلباً" يصلح لأي مدينة متوسطية أخرى. كان من الأجدى مساءلة: كيف يمكن للتكنولوجيات الحديثة والذكاء الاصطناعي أن تخدم "الفنون في الأطراف" (مثل سليانة) لكسر مركزية العواصم (تونس أو عواصم الشمال)؟
الخاتمة والتوصيات:
إن النص بصيغته الحالية يفتقر إلى "التحيين الفكري" ويبدو كأنه صدى لأدبيات السبعينيات التي تم تحديثها بكلمات معاصرة مثل "الذكاء الاصطناعي". نقترح:
إعادة صياغة المحاور لتكون إشكاليات بحثية وليست أسئلة مغلقة.
توضيح الحدود الفاصلة بين الفنون البصرية وفنون الأداء.
التخلي عن الثنائيات الجامدة (شمال/جنوب) لصالح مفاهيم أكثر مرونة مثل "الشبكية" (Networking) و**"الترابية المتقاطعة"** بشكل علمي دقيق.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire