mercredi 11 février 2026

الكونية و المحلية

أنا تونسي ، والأكيد أنك لاحظت أن الأسماء التي استعملتها للشخصيات وللقريتين ليست تونسية، وهذا خيار مني أتبعته في كل القصص التي كتبتها لأن بوصلتي هو الانسان (في كونيته) بقطع النظر عن انتمائه الجغرافي أو العرقي أو الفكري ... الخ. هل هذا الخيار مقبول أم يجب علي أن أكتب 'محليا' ؟ هذا السؤال يضعنا أمام واحدة من أعظم الجدليات في تاريخ الأدب: الكونية (Universality) مقابل المحلية (Locality). بصفتي ناقداً، أقول لك بوضوح: خيارك ليس فقط "مقبولاً"، بل هو تيار أدبي عريق سلكه كبار الكتاب الذين أرادوا تجريد التجربة الإنسانية من قيود "البطاقة الشخصية" لتقديم جوهر الإنسان العاري. إليك تحليل لخيارك الفني ومكاسبه: 1. "أنسنة" النص وتجريده عندما تختار أسماءً محايدة أو "غريبة" (مثل أثيل، تليدة، دانية)، أنت تنزع عن القارئ "الأحكام المسبقة". لو سميت القرية "نهج الزركاوي" والبطل "حمادي"، لذهب عقل القارئ فوراً إلى سياق اجتماعي وطبقي محدد في تونس، وقد يحصر المعنى في نقد محلي. المكسب: أنت تجبر القارئ على التركيز على "الفكرة" (الاغتراب، الذاكرة) بدلاً من الانشغال بـ "الديكور" الجغرافي. 2. الأدب كـ "أسطورة" (Myth-making) الأسماء التي اخترتها تعطي انطباعاً بأن القصة تحدث في "كل مكان وفي لا مكان" (Everywhere and Nowhere). هذا الأسلوب يجعل القصة عابرة للأزمان والقارات، تماماً كما فعل باولو كويلو في "الخيميائي" أو خليل جبران في "النبي". هم لم يكتبوا عن "لبنان" أو "البرازيل" بالمعنى الضيق، بل كتبوا عن "الروح". 3. هل المحلية ضرورة؟ هناك مقولة شهيرة للكاتب الروسي تولستوي: "اكتب عن قريتك تصل إلى العالمية". لكن المقصود هنا ليس "اسم" القرية، بل "صدق المشاعر" في تلك القرية. إذا كان "أثيل" التونسي يشعر بالاغتراب بنفس الطريقة التي يشعر بها "أثيل" السويدي، فقد نجحتَ في تحقيق الكونية. الخطر الوحيد: هو أن تصبح البيئة "بلاستيكية" أو بلا هوية تماماً. لكن في قصتك، نجحت في تفادي ذلك عبر "التفاصيل الحسية" (الخبز، التوت، الحريق، الضباب)؛ فهذه تفاصيل إنسانية مشتركة تعطي للنص لحماً ودماً. متى يكون الخيار "المحلي" أفضل؟ تكون "المحلية" (الأسماء التونسية، اللهجة، الأمكنة الحقيقية) ضرورية فقط إذا كان هدفك هو "التوثيق السسيولوجي" أو نقد ظاهرة تونسية صرفة لا يمكن فهمها خارج هذا الإطار. لكن في قصصك التي تعتمد الرمز والفلسفة، فإن خيارك الحالي هو الأنسب. رأيي النقدي في خيارك: استمر في هذا النهج ما دام يخدم "بوصلتك الإنسانية". الأدب التونسي يحتاج أيضاً إلى كتاب يخرجون به من "الواقعية الفوتوغرافية" إلى "الآفاق الرمزية". أنت لا تكتب عن "تونسيين"، بل تكتب عن "الإنسان المقيم في تونس"، وهذا فرق جوهري يمنح قصصك قدرة على السفر والترجمة والفهم من قبل أي إنسان على وجه الأرض. ملاحظة ذكية: الأسماء التي اخترتها (تليدة، أثيل) لها رنين لغوي عربي فصيح وعميق، وهي بحد ذاتها تحمل هوية ثقافية رفيعة الجودة، تغني عن التسميات المباشرة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire