mercredi 4 février 2026
المنزل الساكن (مختزل)
استيقظت "خيرية" من أحلامٍ حاشدة لتجد نفسها في مرافئ الشيخوخة الهادئة. كان في غرفة نومها العلوية نافذتان ، وحين فتحت عينيها، كانت الغيوم تتهادى بوقار وبطء أمام سماء باهتة؛ بينما انطبعت لبرهة هيئة جناح نورس في تحليق صامت خلف الزجاج. كانت وحيدة في ذلك البيت الساكن سكوناً مطلقاً؛ وقد اعتادت هذا الأمر الذي كان يمنحها غالباً شعوراً بالتحرر، بعد سنوات زواجها الطويلة. لكنها في أحلامها، كانت ترتد إلى خضمّ الحياة—حشود صاخبة، أطفال، حركة، رحلة بالقطار، وأحاديث مبهجة.
حلمت أن "مازن الأحمدي" جاء لزيارتها على دراجة هوائية، وكان لا يزال شاباً بشعره البني المجعد ولحيته الكثيفة التي لم تكن جذابة الآن لكنها كانت كذلك يوماً. كانت تدرك في حلمها أن "مازن" في الواقع قد فارق الحياة منذ زمن، لكنها لم تكن متأكدة إن كان هو يدرك موته، مما أضفى على لقائهما هالة من الرهبة والشجن. زارها في بيتٍ خُيّل إليها أنه بيتها، وأراد أن يريها رواية كتبها؛ نسخة مطبوعة على ورق رقيق. كانت تحاول جاهدة إعادة أوراق الرواية إلى غلافها الورقي، لكن الصفحات كانت تنزلق وتتبعثر، وهي عاجزة عن لمّ شتاتها. وحسب علمها، لم يكتب "مازن" في حياته الواقعية رواية أو أي شيء يُذكر، باستثناء أطروحته غير المكتملة عن أبطال "يوسف إدريس" التراجيديين.
كان هناك زمنٌ، إذا دخل فيه "مازن الأحمدي" غرفةً، كان الجميع ينظر إليه. كان الرجال يتمنون أن يكونوا منافسيه أو تلاميذه، وكانت النساء مغرمات به— على الأقل خيرية، وكذلك صديقتها المقربة "جودة". كنّ طالبات جامعيات آنذاك، في أوائل السبعينيات، وكان مازن طالب دراسات عليا؛ كنّ يشعرن بالرهبة منه لأنه كان يقرأ كل شيء، ويعرف كل شيء.
بدا لخيرية وجودة في تلك الأيام أن النساء مَعيبات بعيبٍ جوهري؛ فبينما كان الرجال يملكون قدرةً على الاستغراق الخالص في الأفكار والتأملات، كانت النساء يظهرن دائماً بشكلٍ "غير حقيقي"، دائمات الوعي بأنفسهن وهنّ يفكرن. لم يكنّ يملكن إلا رؤية أفكارهن كملحق لجمالهن أو شخصياتهن. وبينما كان الرجال يسترسلون في الحديث عن "يوسف إدريس" أو "طه حسين" أو "شوبنهاور"، كانت النساء يغرقن في وعيهن بتفاصيل المشهد: الإضاءة والمزاج، أجسادهن وثيابهن، وخيوط القوة التي تحوم في الغرفة. كنّ مأخوذات بسحر الحضور الجسدي للرجال، الأمر الذي بدا الرجال غير مدركين له: غضنة مشدودة بجانب الفم، ظل في تجويف الخد، وأصابع قوية لوّثها التبغ. كان للرجال تلك العظمة العفوية لأنهم لم يعرفوا أنفسهم، بينما كانت الفتيات يتُقن لصرف شيء من ذلك الانتباه الجاد نحوهن.
اتصلت "خيرية" بصديقتها "جودة" لتقص عليها الحلم. كانتا تعيشان الآن في سبعينيات عمرهما، ولا يفصل بينهما سوى شوارع قليلة، وتتبادلان الزيارات باستمرار.
"هل كانت روايته جيدة؟" سألت جودة. "ليس لدي أدنى فكرة. المرء لا يقرأ في الأحلام. كنتُ مشغولة بالعبث بالصفحات، أحاول إعادتها إلى الملف. لم تكن الرواية هي ما يهمني، بل اللقاء نفسه. كنتُ مأخوذة بوجودي مع مازن مجدداً بعد كل هذه السنين. لقد نسيته حقاً، وفجأة عاد وكأنه لم يرحل أبداً. كان يشع بحرارة الحياة.. كان ذلك مُسكراً".
"هل نتحدث عن مازن الأحمدي نفسه؟ مازن الذي أفسد حياته ولم يحقق شيئاً؟" "لكنه لم يكن الرجل الذي صار إليه لاحقاً. كان ذاك الذي أحببناه في الأيام الخوالي، ألا تتذكرين؟"
لم تكن الصديقتان قد تحدثتا عن "مازن" منذ زمن؛ والآن بدت "جودة" وكأنها تنأى بنفسها عن ذكرياتهما المشتركة، بل دأبت مؤخراً على إنكار وقائع من الماضي يعرف كلاهما أنها حقيقية، وكأنها لعبة تسلي بها نفسها في سنوات تقاعدها.
التقتا في اليوم التالي لتناول القهوة. كانتا تستمتعان بطقوس خلع المعاطف وتدبير الحقائب والاستعداد لحديث مستفيض. كانت كل منهما تنظر للأخرى بإعجاب لأنها لا تزال تبدو متماسكة وذكية، لم تظهر عليها بعد علامات الانهيار.
"إذن حلمتِ بمازن القديم،" قالت جودة، "أنا لا أفكر فيه أبداً". "لكنه كان مهماً في حياتنا". "كان مجرد إعجاب عابر،" ردت جودة ببرود، "من منظوري الآن، يبدو كل ذلك بعيداً جداً، حتى أنني بالكاد أتذكره. الحاضر هو الأهم، هو كل شيء". "ألا تظنين،" تابعت خيرية، "أن الرجال في تلك الأيام كانوا، بشكل ما، من صُنع خيالنا؟ لقد أصبحوا أبطالاً ومثقفين لأننا اعتقدنا ذلك. تماماً كما صارت النساء تلك الكائنات الروحانية الحالمة التي أرادها الرجال. لقد أصبحت تلك الشخصيات حقيقة لأننا تخيلناها كذلك".
سكتت جودة لبرهة، ثم قالت: "هل تعلمين أنني رأيته مرة في متجر للأحذية؟ لم يكن يشتري، بل كان يبيع. كان ذلك في متجر كئيب، وكنتُ في عجلة من أمري. لم يتعرف إليّ مازن! كان في حالة سيئة آنذاك، تائه الذهن وتقوم والدته على رعايته. وها هو جاثٍ عند قدميّ—في المكان الذي تمنيته فيه دائماً—يخرج أحذية رخيصة من صناديقها. كان بائعاً فاشلاً تماماً. أردت أن أقول له شيئاً مؤثراً، مثل: مازن، ألا تذكر تلك الليلة تحت ضوء القمر؟ لكنني لم أملك الوقت، كان عليّ المضي في حياتي. غادرتُ المتجر ولم أره بعدها".
"ربما عرفكِ لكنه شعر بالخجل،" قالت خيرية. "لن نعرف أبداً".
مات مازن في حادث أحمق، سقط من فوق سلم وهو يصلح هوائياً. كانت خيرية وجوة قد فقدتا الاتصال به تماماً وقتها، وانتقل هو مع زوجته إلى مدينة أخرى في الشمال.
عادت خيرية إلى بيتها، واستيقظت في اليوم التالي على صوت المطر. جلست في سريرها في الفجر الرمادي، وبينما كانت تفكر في "مازن"، تذكرته وهو يقرأ لها بصوت عالٍ من كتاب. لا تذكر ماذا قرأ، لكنه كان شيئاً مذهلاً حررهما معاً في فضاء الخيال. كان ذلك في شقته الضيقة، حين كانت زوجته تُعد الطعام في المطبخ الصغير، وخيرية تحتسي شرابها وتشعر بذهنها يشحذ وجدانها.
في هذا المنزل الساكن، أدركت خيرية أن الشيخوخة ليست مجرد مرافئ هادئة؛ فهناك دوامات ومياه سوداء، لكن هناك أيضاً تلك الحكايات التي ترفض أن تموت، وتظل تنبض خلف الجفون، تعود في هيئة أحلام أو حفيف مطر، لتخبرنا أن ما عشناه—بكل أخطائه وأوهامه—كان يستحق العناء.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire