lundi 2 février 2026
الرواية التونسية
الرواية التونسية بين مِقصلة النفي والتعالي الأكاديمي
طالعتنا إحدى الصحف مؤخراً بتصريح صادم لأكاديمي يدرّس الأدب بالجامعة التونسية، مفاده أننا "لم نكتب بعدُ رواية"، بل ويمضي في نفي الوجود عن "الرواية التونسية" جملة وتفصيلاً. والحقيقة أن هذا الحكم لا يستفز القرّاء والكتّاب فحسب، بل يطرح تساؤلاً جوهرياً حول تلك المسافة التي تفصل بعض أسوار الجامعة عن حركية الإبداع في الشارع والمكتبة، ويضعنا أمام تجلٍ صارخ لـ "الاستعلاء الأكاديمي" الذي لا يرى من الأدب إلا ما طابق قوالبه المسبقة وتعريفاته المدرسية المتكلسة.
وهمُ "الكتالوج" الجاهز
إن مكمن الخلل في هذا الطرح هو الانطلاق من نموذج ذهني صلب يُراد فرضه على واقع إبداعي سائل بطبعه. فالرواية، تاريخياً، هي الفن الأكثر مرونة وانفلاتاً من الترويض؛ هل هي "الملحمة البرجوازية" كما رآها هيغل؟ أم "تعددية الأصوات" كما نظر لها باختين؟ أم هي "تخييل ذاتي" معاصر؟ إن القول بـ "عدم الوجود" هو نتاج عجز الأدوات النقدية عن الإحاطة بمنجز محلي تراكم عبر عقود، فما هو "كوني" في الرواية ليس موديلاً معلباً في المختبرات، بل هو قدرة النص على ملامسة جوهر الإنسان بخصوصية بيئته.
الناقد ليس وصيّاً
عصر "الناقد المشرّع" الذي يمنح صكوك الوجود أو الفناء قد ولّى. إن العلاقة بين الروائي والناقد هي علاقة تكاملية لا تراتبية؛ الروائي هو من يقتحم المجهول ويخلق العوالم من العدم، بينما يأتي الناقد تالياً له، ليقتات على تلك العوالم محاولاً فهمها. وحين يعجز الناقد عن "الكشف" ويلجأ إلى "المحو"، فإنه يمارس عدمية نقدية تضره هو قبل أن تضر النص. فإذا كان المُنظّرون قد أعلنوا منذ زمن "موت المؤلف"، فمن باب أولى أن يكف الناقد عن لعب دور "الوصيّ" أو "اللاهوتي" الذي يحدد ما يُعترف به وما يُنفى.
إنكار التراكم.. إجحافٌ بحق الذاكرة
القول بـ "العدم" هو نكران لتراكم إبداعي تونسي لم يتوقف. كيف يمكن بجرة قلم نفي إرث بدأ بإرهاصات علي الدوعاجي، وتكرس بعبقرية البشير خريف ومحمود المسعدي، وصولاً إلى فتوحات أجيال لاحقة أمثال صلاح الدين بوجاه، الحبيب السالمي، كمال الرياحي، وشكري المبخوت وغيرهم الكثير؟ هل كل تلك التتويجات العربية والعالمية، والاعترافات النقدية الخارجية، والترجمات، هي مجرد "سراب" في عين الأكاديمي؟ إن الخلل هنا يكمن في "عين الناقد" لا في "جسد النص".
الإبداع كينونة لا "شهادة عبور"
إن الرواية التونسية ابنة بيئتها، ولدت من رحم لغة وهواجس محلية، وهي لا تحتاج لشهادة عبور من معايير مدرسية جامدة تشترط محاكاة الرواية الفرنسية أو الروسية الكلاسيكية لتعلن عن "جنسيتها". العمل الأدبي هو كائن حيّ، "حمال أوجه"، وهو ملك لقرائه الذين وجدوا فيه ذواتهم وهواجسهم.
ختاماً؛ إن الوظيفة الأسمى للنقد هي استنطاق الموجود لا التبشير بالفراغ. الرواية التونسية موجودة بدمها ولحمها، بأخطائها وجمالاتها، وهي حية في وجدان القارئ. نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى نقد تونسي "مواكب" يمتلك شجاعة القراءة، لا إلى نقد يمارس "النفي الثقافي" من داخل أسوار النظرية الجامدة. فالإبداع فعل حرية، والوجود لا يُنفى بقرار أكاديمي.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire