mardi 7 octobre 2025

بين الصمت والوحي: قراءة رمزية أنثروبولوجية في رواية سرّ الصخرة الملساء

بين الصمت والوحي: قراءة رمزية أنثروبولوجية في رواية سرّ الصخرة الملساء المقدمة تُعدّ رواية سرّ الصخرة الملساء للكاتبة عائشة بن صالح السلامي من الأعمال السردية التي تُقيم توازنًا دقيقًا بين الواقعي والرمزي، بين اليومي والأسطوري. فالرواية لا تكتفي بسرد حكاية عن قرية تونسية معزولة، بل تبني من هذه العزلة فضاءً للتأمل في الشرط الإنساني في معناه الوجودي: كيف يعيش الإنسان تحت وطأة الخوف، وكيف يصوغ من الصمت لغة جديدة للمقاومة. منذ الصفحات الأولى، تضعنا الكاتبة أمام مشهد تأسيسي: صاعقة تضرب طفلة فتحرمها من الكلام، لكنها تبقي على قدرتها على السمع. هذا الحادث العنيف لا يشكّل فقط لحظة ولادة جديدة للبطلة “سُليمى”، بل أيضًا لحظة ولادة للرواية نفسها. فمن هنا يتولّد سؤالها المركزي: كيف يُمكن للكائن أن يعيش في عالمٍ يعجز فيه الصوت عن التعبير، لكن لا يتوقف الوعي عن الإصغاء؟ المبحث الأول: المكان كنسق مغلق ومرآة للوجود تدور أحداث الرواية في قرية نائية تُدعى “عين المرّة”، محاطة بالجبل والمقبرة والصخرة الملساء. هذا التكوين المكاني ليس اعتباطيًا، بل يشكّل نظامًا مغلقًا يعكس حالة الانسداد التي يعيشها الأفراد داخله. فالجبل يرمز إلى العلوّ والعزلة، والمقبرة إلى الموت المستقرّ في اليومي، بينما الصخرة تُجسّد الثقل الوجودي الذي لا يمكن تجاوزه. بهذا المعنى، يصبح المكان كائنًا رمزيًا يشارك في بناء الدلالة لا كخلفية محايدة، بل كفاعل روائي. إنه المكان الذي «يسجن» الشخصيات في دائرة من التكرار والجمود، لكنه في الوقت ذاته يهيّئ لإمكانية الانفراج، كما سيحدث لاحقًا مع اكتشاف النفق. هذه البنية المكانية المغلقة تُحيل إلى ما يسميه الناقد الفرنسي غاستون باشلار بـ"جماليات المكان"، أي المكان الذي يحتفظ بذاكرة الجماعة ويشكّل خزانها النفسي والرمزي. القرية، إذن، ليست جغرافيا بل ذاكرة جمعية متكلّسة، والمكان فيها مرآة للنفس: مأزومة، خائفة، ومترقبة للخلاص. المبحث الثاني: الصخرة كرمز أنثوي ووحي أرضي تحتل الصخرة في الرواية موقعًا مركزيًا، إذ تكرّر ذكرها على ألسنة الشخصيات، وتحيط بها الأساطير والخرافات. يعتقد الأب (عمّار) أن تحتها كنزًا، ويؤمن الناس بأنها مأوى للجنّ. لكنّ الرواية تتجاوز هذا المعنى السطحي لتجعل من الصخرة رمزًا متعدد الطبقات. رمز أنثوي: الصخرة في الرواية ذات شكل ملساء، مغلقة على نفسها، لكنها تخفي في داخلها باطنًا قابلًا للانفتاح (نفقًا تحتها يكتشفه معمّر وسعيدي في النهاية). هذه الصفات تجعلها تشبه الجسد الأنثوي في تمثله للسرّ والاحتجاب والخصب. إنها ليست صخرة جامدة، بل رحم الأرض ومصدر الأسرار. وحي أرضي: الصخرة لا تفتح على السماء كما في التجليات الدينية التقليدية، بل على باطن الأرض؛ أي إن الوحي في الرواية ليس سماويًا بل أرضيّ، مرتبط بالتراب والذاكرة والإنسان. وبهذا المعنى، تستبدل الكاتبة الوحي الإلهي بالوحي الإنساني، أي الإلهام الذي ينبع من التجربة والألم والمعرفة الحسية. إن “الوحي الأرضي” هنا ليس ضدّ المقدّس، بل إعادة صياغة له داخل حدود الإنسان. هكذا تتحوّل الصخرة من "مكان للكنز" إلى رمز للوعي المطمور الذي لا يُكتشف إلا بالحفر – ماديًا ومعنويًا. المبحث الثالث: سُليمى وتمثيل الوعي المقيّد سُليمى، البطلة، هي مركز هذا الوعي المطمور. بعد الحادث الذي جعلها بكماء، اختارت أن تدّعي الصمم لتنجو من شفقة الآخرين وفضولهم. عجزها عن النطق واقعي وحقيقي، لكنه يفتح لها أفقًا إدراكيًا آخر: فبينما تفقد وسيلة التعبير الخارجي، تنفتح حواسها الداخلية على ما لا يُقال. بهذا المعنى، يمكن القول إن سُليمى تجسّد الوعي المقيّد: وعيٌ يدرك ويحلّل ويشعر، لكنه محجوب عن العالم الخارجي بعجز اللغة. إنها "تعرف"، لكنها لا "تُفصح"، مثل المجتمع الذي تنتمي إليه: يسمع ويشاهد ويعي، لكنه يعجز عن الكلام والمواجهة. هذا الوعي المقيد يجعلها بمثابة ضمير الرواية الصامت؛ فهي ليست فاعلة في الأحداث بقدر ما هي شاهدة عليها، حاضرة في كل المشاهد دون أن تتكلم، مما يمنحها سلطة رمزية كبرى: سلطة الإنصات والاحتفاظ بالسرّ. المبحث الرابع: اللغة بين الصمت والكشف – نحو ميتافيزيقا اللغة في رواية سرّ الصخرة الملساء، اللغة ليست أداة للتواصل فحسب، بل موضوع للسؤال نفسه. من خلال سُليمى، تتأمل الكاتبة جوهر اللغة: هل المعنى في ما يُقال، أم في ما يُكتم؟ هل الكلام كشفٌ أم حجاب؟ الرواية تجيب عبر الصمت: فحين تفقد اللغة (المنطوقة)، تولد لغة أخرى أعمق — لغة الإشارة، النظرة، الصدى الداخلي. هنا يتجلى ما يمكن تسميته بـ ميتافيزيقا اللغة، أي الوعي بأنّ اللغة تتجاوز حدودها اللفظية لتصبح تجربة وجودية. الصمت في الرواية ليس عجزًا فقط، بل كثافة في الشعور، وكأنّ ما لا يُقال أبلغ مما يُقال. من هنا نفهم أنّ الكاتبة لا تمجّد العجز، بل تبحث عن شكل آخر للقول، شكلٍ يتخطى البلاغة ليصل إلى الجوهر الإنساني. المبحث الخامس: النفق كاستعارة للخلاص والعبور في نهاية الرواية، يكتشف معمّر وسعيدي نفقًا تحت الصخرة، يتيح لهما الهروب من القرية. هذا الاكتشاف يُكمل الرمزية التي بُنيت منذ البداية: فالصخرة التي بدت انسدادًا تتحول إلى منفذ، والعزلة إلى عبور. النفق هنا ليس مجرد طريق، بل استعارة للخلاص الوجودي: الخروج من العتمة إلى الضوء، من الخوف إلى الحرية. لكنه أيضًا خلاص جزئي ومعلّق، لأنهما يخرجان من عزلة القرية إلى عزلة المدينة الخاوية بسبب الحجر الصحي (كورونا). بهذا، يذكّرنا النص بأنّ الانسداد ليس جغرافيًا بل إنسانيًا — العزلة تسكن الإنسان أينما ذهب. الخاتمة تكشف رواية سرّ الصخرة الملساء عن عالمٍ مفعم بالرموز والدلالات، تُعيد فيه الكاتبة بناء العلاقة بين الإنسان والقدر والمكان واللغة. فالصخرة ليست مجرد حجر، وسُليمى ليست مجرّد فتاة بكماء، بل كلاهما علامتان على البحث عن المعنى في عالمٍ خانق. الرواية تضع القارئ أمام تجربة وجودية عميقة: كيف يمكن للإنسان أن ينجو بالمعرفة حين يخونه الصوت؟ من خلال هذا النسيج الرمزي، تبرع الكاتبة في تحويل المأساة الفردية إلى أسطورة جماعية، وتجعل من الصمت لغة، ومن العجز نوعًا من الوعي، ومن الحجر علامة على الإنسان الذي يواصل البحث عن منفذٍ نحو الضوء.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire