jeudi 30 octobre 2025
همس المساء
كان المساء يتنفَّسُ بخفة، وكأنَّ الأرض تردُّدُ صدى آخر أنفاس النهار. كانت الأشجارُ تهمسُ بأوراقها، حاكيةً بحركةٍ رقيقةٍ أسرارَ ساعات الضوء التي مضت، كأنَّما تتحدَّثُ عن وجوهٍ مرَّت، وضحكاتٍ طارت، ولحظاتٍ لم يعد لها أثرٌ سوى هذا الهمسِ الخافت. جلستُ على المقعد الخشبيِّ القديم عند حافة الطريق، أتابعُ الظلَّ وهو يتمدَّدُ ببطءٍ، زاحفًا كأنَّه حيوانٌ ضخمٌ يبتلعُ آخرَ أثرٍ للضوءِ بلَذَّةٍ صامتة. كانت الحرارةُ تنسحبُ من الجوِّ تدريجيًّا، تاركةً وراءها برودةً لطيفةً تلامسُ الوجهَ كلمسةِ روحٍ غريبة.
وفي تلك اللحظة، مرَّ طفلٌ صغيرٌ يركضُ وراء فراشةٍ صفراءَ ترفرفُ كشعلةٍ حيةٍ في الفضاءِ الآخذِ في الاعتكار. ضحكتُه، المرتفعةُ كجرسٍ صغيرٍ، اخترقتْ صمتَ المساءِ مثل ومضةِ حياةٍ في ليلٍ يوشكُ أن يكتمل. كانت الفراشةُ تتمايلُ في الهواءِ وكأنَّها تعرفُ أنَّها تُطارَد، تارةً تقتربُ منه وتارةً تبتعد، وهو يمدُّ يديه الصغيرتين محاولاً الإمساكَ بها، غيرَ مدركٍ أنَّ بعضَ الجمالَ لا يُمسَك، بل يُرافَقُ بلحظةٍ ثم يُترَكُ يحلِّق. ثم ابتعدَ الطفلُ والفراشةُ معًا، وغاصا خلفَ منعطفِ الطريق، تاركينَ أثرَ ضحكةٍ لا يزالُ صداها يتردَّدُ في داخلي.
لم أكن حزينًا، لا. كان قلبي هادئًا كالبحرِ الساكنِ بعد عاصفةٍ طويلة. لكنَّ شيئًا ما في داخلي كان يشي بالغياب. لم يكن غيابَ شخصٍ بعينه، ولا ذكرى محدَّدة، بل كان كظلٍّ طويلٍ يتبعني دون أن أعرف مصدره. ربما كان غيابُ زمنٍ مضى لن يعود، أو غيابُ نفسي التي كانت يومًا ما أكثرَ قربًا من العالم. كنتُ جالسًا هناك، وحيدًا، أرى العالمَ يتحوَّلُ ببطءٍ من ألوانِ النهارِ إلى درجاتِ الليل، وكأنَّما حياتي كلَّها تمرُّ أمامي في هذه اللحظةِ الهادئة.
تذكَّرتُ أيامَ الطفولة، حين كنتُ أنا ذلك الطفلَ الذي يركضُ وراء الفراشات. حين كانت الفراشاتُ تُمسَكُ أحيانًا، وتُتركُ أحيانًا، لكنَّ الركضَ نفسه كان متعةً لا تنتهي. كانت الحياةُ بسيطةً كضحكةٍ في مساء، وكفراشةٍ لا تعرفُ معنى الغياب. والآن، وأنا هنا، على هذا المقعدِ الخشبي، أدركُ أنَّني لم أعد ذلك الطفل، وأنَّ الفراشاتِ التي أركضُ وراءها اليومَ أصبحتْ خفيةً، غيرَ مرئية، وكثيرًا ما تفوتني دون أن أدري.
بدأتِ النجومُ تظهرُ واحدةً تلو الأخرى في السماء، كأنَّها عيونُ الليلِ التي تراقبُ الأرض. وصوتُ همسِ الأشجارِ أصبحَ أكثرَ وضوحًا، يحملُ في طيَّاته حكاياتِ المسافرين، وأمنياتِ العابرين، وأسرارَ الغرباءِ الذين جلسوا على هذا المقعدِ من قبل. ربما كلُّ واحدٍ منهم تركَ شيئًا من روحه هنا، ربما كلُّ واحدٍ منهم شعرَ بهذا الغيابِ نفسه.
وَنَظَرْتُ نَحوَ الطَّرِيقِ الَّذِي اخْتَفَى فِيهِ الطِّفْلُ والفَرَاشَةُ، ثُمَّ مَشَيْتُ بَعِيدًا عَنِ المَقْعَدِ، تَارِكًا الهَمْسَ وَالظِّلَّ وَالغِيَابَ يَمْتَزِجُونَ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ. رُبَّمَا فِي مَسَاءٍ آخَرَ، سَيَجْلِسُ آخَرُونَ هُنَا، وَسَيَشْعُرُونَ بِنَفْسِ الشُّعُورِ، وَسَيَرَوْنَ طِفْلًا يَرْكُضُ نَحوَ فَرَاشَةٍ، وَسَيُدْرِكُونَ أَنَّ الغِيَابَ جُزْءٌ مِنْ وُجُودِنَا، كَالظِّلِّ الَّذِي يُرَافِقُ الضَّوْءَ دَائِمًا، كَاللَّيْلِ الَّذِي يَلِي النَّهَارَ دُونَ انْقِطَاعٍ.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire