samedi 11 octobre 2025
سيرةُ الظلِّ والماءِ
سيرةُ الظلِّ والماءِ
(أناشيد الصمت الصغير)
كلمةُ الماء إلى الظلّ
أيّها الظلّ،
يا ما تبقّى من الإنسان بعد الضوء،
أما زلتَ تتبعني؟
كنتَ أولَ ما نطقَ بي،
وأنا كنتُ آخرَ ما ابتلعَك.
أنا الماءُ الذي يعلّم الأشياءَ شكلَها،
وأنتَ الأثرُ الذي يعلّمها ما تفقده.
كلّما اقتربتَ منّي تبلّلتَ بالذاكرة،
وكلّما ابتعدتُ عنك صرتُ نسيانًا.
نحنُ هذا الالتباسُ الأبديّ:
تأمّلٌ يسيرُ على قدميه،
وغرقٌ لا يريدُ أن يُشفى.
أنا الموجةُ التي تعرفُ أن العودةَ موتٌ مؤجّل،
وأنتَ السائرُ إلى الوراء كي تتذكّر.
فيك العنفُ الصغيرُ الذي يسكنُ اليد،
وفيّ الغفرانُ الذي يذوبُ في الملوحة.
نلتقي في منتصف المرايا:
حيث لا أحدَ يرى الآخرَ تامًّا،
وحيث يصيرُ الضوءُ شاهدًا
على كذبةِ الفصلِ بيننا.
أيّها الظلّ،
دعنا نمشي مرّةً أخرى على الماء،
لا بحثًا عن معجزة،
بل عن أثرٍ يزولُ بكرامة.
الموجةُ الأولى — ثلاثيةُ الموج
الرغباتُ ذكرياتٌ مسبقة،
والمحيطُ ينسى مَنْ توسّلَ إليه بالنجاة.
المدُّ يرحلُ من جديد،
يبحثُ عن شهرٍ آخرَ ليتذكّره.
في مكانٍ بعيدٍ شمالَ القلب،
شعابٌ على هيئةِ قلبٍ مكسور،
وعند الشاطئ، جعرانٌ
هاجرَ من جزيرتهِ المحترقة،
يتشبّثُ بورقةٍ متفحّمة،
يطفو عليها بموتهِ الهادئ،
كأنّ قبضتهُ الصغيرةَ
هي كلُّ ما أبقى عليه العالم.
أتأمّلُ في ذلك العناقِ الصامت:
رجلٌ، ورقةٌ، ريحٌ، موجة،
كلُّهم يحاولون النجاةَ من فكرةِ الزوال.
لكنّ الريحَ وحدها تعرفُ الحقيقة:
ما نحاولُ التمسّكَ به
هو ما يُثبتُ أننا وُجدنا أصلًا.
فهل تكونُ الوحدةُ آخرَ ما نصلُ إليه؟
جزيرةً أخرى في خليجٍ أبعد،
تتذكّرُنا كما نتذكّرُها،
ثمّ تمحو أثرَنا برفق،
كأمٍّ تُسكتُ طفلًا نامَ على صرختِه.
الموجةُ الثانية — سيّدُ العنف الصغير
يستيقظُ متأخرًا،
كمن يخافُ من النهار أكثرَ من الليل.
يفتحُ علبةَ خوخٍ معدنية،
يطعنُها بشوكةٍ وحيدة،
كأنّه يُجري طقوسًا صغيرةً لتثبيت الفوضى.
حولَه النملُ والذبابُ والعناكب،
شهودٌ صامتون على القسوةِ البسيطة.
هو لا يريدُ أن يؤذي،
لكنهُ لا يستطيعُ أن يعيشَ بلا أثرٍ طفيفٍ للخراب.
حين يرشُّ القطراتِ على نملةٍ تائهة،
وحين يرى العنكبوتَ يهبّ للدفاعِ عن غزله،
يدركُ أن السيطرةَ وهمٌ صغير،
وأنّ كلَّ عنفٍ يبدأُ ببراءةٍ مشتهاة.
القطةُ تأتيه بغنائمَ من رماد:
جناحُ حشرةٍ، جسدُ صرصورٍ مهشَّم،
فيشعرُ بالامتنان،
كأنّها تُذكّرهُ بما لا يجرؤُ أن يعترفَ به:
أنّه، مثلها، يقتاتُ على الهشاشة.
النهارُ يغسلُ المطبخَ بنورٍ جارح،
والشمسُ تمارسُ دفءَها كافتراسٍ ناعم.
كلُّ شيءٍ يذوبُ ببطءٍ:
الخوخ، النمل، الزمن،
وهو يظنُّ أن الذوبانَ ليس من فعله.
وفي المساء،
حين تصمتُ الغرفةُ ويُطفأ الضوء،
يقولُ في سرّه:
إنهُ النهارُ من قتلهم، لا أنا.
لكنّ الليلَ يعلمُ:
العنفُ، مهما صغُر،
يبدأُ دائمًا من مطبخٍ عاديّ،
ومن قلبٍ تعوّدَ أن يبرّر.
الموجةُ الثالثة — نشيدُ الظلّ الأخير
ها قد هدأ الماءُ،
واستراحَ الموجُ من نفسه.
لا ظلَّ هنا إلا ما يتركُهُ الضوءُ حين يتردّد،
ولا إنسانَ إلا صوتهُ في الغياب.
تتدلّى اللحظةُ مثلَ قطرةٍ على حافةِ الزمن،
ترتعشُ، ثم تسقطُ ببطءٍ
في اتّساعٍ لا اسمَ له.
كأنّ كلَّ ما فعلناه كان تدريبًا على الرحيل،
وكلَّ ما خسرناهُ كان تمهيدًا للفهم.
الذاكرةُ تُطفئُ نفسها،
اليدُ تغسلُ آثارَها في الفراغ،
والقلبُ يتعلّمُ من الموج
فنَّ التكرار دون رجاء.
ها هو الظلُّ يعودُ إلى الماء،
ها هي الأشياءُ تستعيدُ براءتَها الأولى،
كأنها لم تُمسَّ بعدُ بالعنف أو بالإنسان.
في هذا السكون،
يتكشّفُ ما لم نقلهُ قط:
أنّ الغفرانَ ليس نقيضَ العنف،
بل ماؤهُ الآخر،
وجهُهُ الذي لم يُرَ بعد.
هكذا تنتهي السيرةُ —
لا بانطفاءٍ ولا بتمامٍ،
بل بوميضٍ يشبهُ الفهم،
يتردّدُ في الأفقِ كأنّهُ
الظلُّ الأخيرُ للموجةِ الأولى.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire