mercredi 29 octobre 2025

البعد الوجودي

البعد الوجودي هو الوجه الآخر للبعد الصوفي في «ظل وضوء»، لكن دون الإحالة إلى الغيب أو التجربة الروحية؛ بل إلى الوعي الإنساني العاري أمام العالم. في السياق الوجودي/الفلسفي، يمكن قراءة العنوان «ظل وضوء» على النحو التالي: الظلّ بوصفه تجربة العدم أو الغياب: يمثل كل ما يعيشه الإنسان من هشاشة، قلق، موت، نسيان، مرض، وحدة، صمت، عبث… أي المساحات التي يشعر فيها الكائن بانسحاق وجوده أمام الفراغ. هنا يصبح الظلّ رمزًا للوجود الناقص أو المهدّد، حيث تَظهر الأشياء في نصف حضورها، مثلما يعيش الإنسان في نصف معنى. الضوء بوصفه الوعي والمعنى: هو لحظة الانبثاق، الإدراك، أو الفهم — ليس الضوء الميتافيزيقي بل الضوء العقلي أو الوجداني الذي يمنح لتجربة العدم شكلًا ومعنى. إنه الوعي بالوجود رغم هشاشته، وإصرار الإنسان على أن يرى حتى من داخل العتمة. العنوان إذًا يحيل إلى توتر أنطولوجي: فـ«الظل والضوء» ليسا حالتين منفصلتين، بل لحظتين متعاقبتين في تجربة الكائن. الإنسان — في نظرة وجودية — يتكوّن من نقصه ومن وعيه بالنقص: يعيش الظلّ، لكنه يبحث عن الضوء؛ ويبلغ الضوء، فيكتشف أنه لا يقوم إلا على ظلٍّ سابق. إنها جدلية الوعي بالعدم كطريقٍ إلى المعنى. في قصصك تحديدًا — من خلال ما أشرتَ إليه سابقًا — يظهر هذا البعد في تمثيل الشخوص بين حالتين: الموت مقابل الحياة (وعي الكائن بفنائه). النسيان مقابل الذاكرة (محاولة الإمساك بالزمن). المرض مقابل الصحة (تجربة الجسد كحدّ للحرية). الصمت مقابل البوح (العجز عن التواصل مقابل الرغبة في الإفصاح). اللامعنى مقابل المعنى (تجربة العبث في مواجهة فعل الكتابة). هذه الثنائيات لا تُحَلّ في قصصك، بل تُعاش كصراعٍ داخليّ — تمامًا كما في الوجودية، حيث المعنى لا يُعطى بل يُنتَزَع من داخل الغياب نفسه. الضوء في هذا الإطار ليس خلاصًا نهائيًا، بل لحظة وعي: كما عند سارتر أو كامو، الضوء هو إدراك العدم دون الهروب منه، والقبول بعيش التجربة رغم عبثيتها. إنه «المعنى الذي نخلقه بأنفسنا»، في مقابل الظلّ الذي يذكّرنا بفقدان أي معنى جاهز. بعبارة أخرى، «ظل وضوء» يمكن قراءته كـ ميتافيزيقا صغيرة للإنسان اليوميّ: الكائن الذي يعيش مأساة الفناء، لكنه لا يتوقف عن البحث عن بصيص المعنى وسط ظله الطويل. /// في «ظلّ وضوء» يتجسّد الوجود الإنساني في لحظة توتّرٍ دائم بين الغياب والحضور، بين ما يُفلت وما يُستعاد. العنوان لا يشير إلى ثنائية بصرية فحسب، بل إلى معادلة أنطولوجية يعيشها الإنسان في كلّ لحظة: فـ«الظلّ» هو ما يهبط من الحياة حين تنكسر فينا طاقتها الأولى — الموت، النسيان، المرض، الصمت، العدم — أما «الضوء» فهو ما ينهض فينا رغم ذلك: الحياة، الذاكرة، البوح، المعنى. ليس أحدهما نقيضًا للآخر، بل كلاهما قوى متداخلة تُنتج التجربة الإنسانية في تلاقيهما. في هذا المنظور، يقترب العنوان من الرؤية الوجودية التي ترى الإنسان ككائنٍ محكومٍ بالنقص، لكنه لا يكفّ عن الوعي بنقصه والسعي إلى تجاوزه. فـ«الضوء» لا يمحو «الظلّ»، بل يفضحه، يجعله مرئيًّا؛ والظلّ، في المقابل، يمنح الضوء عمقًا ومعنى. هكذا يصبح الوجود فعل توازنٍ هشّ بين الإدراك والفناء، بين أن تكون وأن تَعي أنك زائل. في هذا الفضاء تتنقّل قصص المجموعة: كائنات تجرّ ظلّها بحثًا عن بصيصٍ من ضوءٍ، وأخرى تمسك بالضوء لتكتشف أنه لا يقوم إلا على ظلٍّ سابق. ومن هنا يتجلّى العنوان بوصفه استعارة كبرى للإنسان: ذاك الذي يعيش في الحدّ الفاصل بين العدم والمعنى، بين العتمة التي تبتلعه والوعي الذي يُنيره.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire