dimanche 12 octobre 2025

سرد ما بعد القتل: تفكيك سلطة الذات في النص الأدبي

مقدمة: الثورة الفرنسية الثانية في الفكر يمثل النصف الثاني من القرن العشرين نقطة تحول جذرية في الفكر الغربي والنقد الأدبي، تُوّجت بإعلانات فلسفية ونقدية لا تقل ثورية عن التحولات السياسية. مقولتا "موت الإله" لنيتشه، و"موت المؤلف" لرولان بارت، و"موت الإنسان" لميشيل فوكو، لم تكن مجرد خلاصات نظرية، بل كانت تصفية حسابات مع المرجعيات المطلقة التي حكمت الفكر الغربي لقرون. في سياق السرد الأدبي، يُشكل الجمع بين مقولتي "موت المؤلف" (بارت، 1968) و**"موت الإنسان" (فوكو، 1966)** ما يمكن تسميته بـ "سرد ما بعد القتل". هذا المفهوم يصف الحالة التي وُجد فيها النص الأدبي بعد تفكيك سلطة مصدره (المؤلف) وتفكيك سلطة موضوعه (الإنسان بوصفه فاعلاً مركزياً ثابتاً). لقد أصبح السرد ساحة لتجارب جديدة تُعيد تعريف اللغة، والهوية، والمعنى. 1. المقتل الأول: من المؤلف إلى "النسيج النصي" ركّز رولان بارت في مقالته الشهيرة على تحرير النص من "طغيان" المؤلف. فالنقد التقليدي كان يرى في المؤلف المصدر الأوحد للمعنى، ويبحث في سيرته ونواياه لتفسير العمل. أ. قتل النية وتحرير النص بالنسبة لبارت، النص ليس نتاجاً لذات فردية معبرة، بل هو "نسيج من الاقتباسات"، أو فضاء تلتقي فيه لغات وثقافات عديدة. وعليه، فإن وظيفة الكاتب تتحول من "مؤلف" خالق إلى "ناسخ" أو "كاتب" (Scriptor)، دوره ينتهي بمجرد اكتمال الكتابة. "لا يمكن إعطاء النص مؤلفاً إلا من خلال فرض حدّ عليه، وإغلاقه على معنى ثابت." ب. ولادة القارئ كـ "مكان" النص النتيجة المباشرة لـ "موت المؤلف" هي "ولادة القارئ". فبمجرد قتل سلطة القصد، يصبح القارئ هو المكان الذي تتجمع فيه كل الاقتباسات التي يتكون منها النص. القارئ لم يعد متلقياً سلبياً يبحث عن معنى واحد، بل أصبح مشاركاً فعالاً في خلق المعاني المتعددة والمفتوحة للنص. هذا التحرر يمثل نقطة انطلاق للسرد ما بعد القتل. 2. المقتل الثاني: من الإنسان إلى "الوظيفة الساردة" تزامن هجوم بارت على سلطة الفرد في النص مع هجوم ميشيل فوكو الأوسع على مفهوم الإنسان في الفكر الغربي (وخاصة في العلوم الإنسانية). أ. "الإنسان" كاختراع إبستيمي في كتابه "الكلمات والأشياء"، أعلن فوكو أن "الإنسان" (بصفته ذاتا متعالية ومركزا للكائنات) هو مجرد اختراع حديث نسبي وُلد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتوقع أن يزول قريباً "مثل رسم لوجه على رمال البحر". هذا التفكيك ينسف الفكرة القائلة بأن هناك ذات إنسانية ثابتة يمكن أن تكون مرجعاً أو موضوعاً نهائياً في السرد. ب. وظيفة المؤلف وليست ذاته في مقالته "ما هو المؤلف؟"، لم يقتل فوكو المؤلف بالحدة التي فعلها بارت، بل حوّله من ذات بيولوجية إلى "وظيفة المؤلف" (Author Function). هذه الوظيفة هي مجموعة من القواعد والآليات التي تفرضها المؤسسات على النص لتصنيفه، وحمايته، وتأطيره داخل حقل ثقافي معين. التأثير على السرد الأدبي: السرد في مرحلة "ما بعد القتل" لم يعد يهتم بعرض "تجربة إنسانية أصيلة" (لأن مفهوم الأصالة قد تفكك)، بل أصبح يعرض تفكك الأنظمة واللغات التي تُنتج هذه التجربة. 3. سرد ما بعد القتل: خصائص جمالية عندما يُجتمع موت خالق النص (المؤلف) وزوال مركزه (الإنسان)، فإن السرد الأدبي يأخذ أبعاداً جمالية جديدة ومختلفة: أ. انهيار السرديات الكبرى (Metanarratives) يتخلى هذا السرد عن محاولات تقديم تفسيرات شاملة للعالم (التي كانت تمجد "الإنسان" و"التقدم"). الرواية لا تسعى للبحث عن الحقيقة النهائية أو النظام؛ بل تحتفي بـالتفتت، والتشظي، وتعدد الرؤى (تجسيداً لأفكار ليوتار عن نهاية الحداثة). ب. الهوية المهتزة والشخصية السطحية الشخصية في سرد ما بعد القتل تفقد عمقها النفسي والوجودي. هي ليست ذاتاً ثابتة تستطيع تحقيق هدف، بل تصبح مجموعة من الأقنعة أو نقطة تقاطع للخطابات الثقافية والاجتماعية المتضاربة. تصبح الشخصية سطحاً يعكس علاقتها بـ "اللغة" و"القوة" بدلاً من علاقتها بـ "الوعي" و"النفس". ج. التناص و"نص الكوارث" يزداد الاعتماد على التناص بشكل حاد؛ فالنص يعترف بأنه مجرد اقتباسات لا نهاية لها. كما أن السرد غالباً ما يُركز على فضاءات الأزمة والفشل (مثل العبث، واللامعنى، ونهاية التاريخ)، لأن محركات السرد التقليدية (الأمل، والتقدم، والبطولة الإنسانية) فقدت صلاحيتها المرجعية. خاتمة: من الموت إلى التحرر في نهاية المطاف، فإن "القتل" الذي أعلنه بارت وفوكو كان اغتيالاً تحريرياً. لم يهدف إلى القضاء على الأدب، بل إلى تحريره من أسر النزعة الإنسانية والنزعة الفردية (الكلاسيكية). "سرد ما بعد القتل" هو إقرار بأن النص ليس مرآة للعالم أو مرآة لنفس الكاتب، بل هو بنية لغوية مستقلة، تتشكل وتتطور وتكتسب معناها داخل شبكة معقدة من القراءات والخطابات. هذا المفهوم يفتح الباب أمام النقد للتركيز على آليات السرد نفسها، ليصبح النص، لا المؤلف، هو موضع دراستنا الوحيد.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire