dimanche 12 octobre 2025

سرد ما بعد القتل

سرد ما بعد القتل: حين يموت المؤلف والإنسان ليولد القارىء "سرد ما بعد القتل"… عبارةٌ تحملُ في طياتها نبوءةً مأساويةً وأخرى خلاقة. إنها لا تشير إلى جريمةٍ مادية، بل إلى اغتيالين نظريين هزّا أركان الفكر الغربي في القرن العشرين: "موت المؤلف" كما أعلنه رولان بارت، و"موت الإنسان" كما تنبأ ميشال فوكو. لم يكن هذان "الموتان" نهايةً للسرد، بل كانا مولداً لمرحلة جديدة منه، مرحلةٌ نسميها هنا "ما بعد القتل"، حيث يُحرَّر النص من سلطة خالقه، ويُحرَّر العالم من مركزية كائنه المُطلق. القتل الأول: موت المؤلف وسقوط السلطة في عام 1968، أصدر رولان بارت مقالته الشهيرة "موت المؤلف" كأنها بيان ثوري. لم يكن يقصد أن الكاتب قد توقف جسدياً عن الكتابة، بل كان يطعن في أسطورة "المؤلف-الإله"، ذلك الكائن الذي يمتلك سلطة مطلقة على معنى نصه، والذي نبحث في سيرته الشخصية عن "التفسير" النهائي لعمله. بموت المؤلف، ينهار هذا المعبد. ماذا يحدث للنص بعد هذه الجريمة؟ ينتقل السلطان من المؤلف إلى القارئ. النص، في نظر بارت، هو "نسيج من الاقتباسات" الآتية من آلاف منابع الثقافة، وهو لا يحمل معنىً واحداً مقدساً. المعنى يخلقه القارئ في لحظة لقائه بالنص. هكذا، يصبح السرد "متعدداً" بلا نهاية. كل قراءة هي إعادة كتابة، وكل تأويل هو حياة جديدة للنص. السرد في عصر "ما بعد قتل المؤلف" لم يعد ملكية خاصة، بل أصبح فضاءً ديمقراطياً مفتوحاً، ساحة لعب تتعدد فيها الأصوات ويتشظى المعنى، فلا سيد فيها سوى اللغة نفسها.بموت المؤلف، لم يولد النص الحر فحسب، بل ولد القارئ بوصفه الخالق الجديد للمعنى القتل الثاني: موت الإنسان وتفكيك المركز إذا كان بارت قد قتل الإله-الصغير (المؤلف)، فإن ميشال فوكو جاء ليعلن نهاية "الإنسان" كمركزٍ للكون وكائنٍ مستقل وواعد. في كتابه "الكلمات والأشياء"، يشرح فوكو أن "الإنسان" هو اختراع حديث، لم يكن موجوداً قبل نهاية القرن الثامن عشر، وهو محكوم بأن يمحى "مثل وجه مرسوم على رمل البحر". الإنسان، بوصفه ذاتاً مستقلة، هو مجرد بناء تاريخي وثقافي، نتج عن تقاطعات خطابات المعرفة (كالاقتصاد، والبيولوجيا، اللغويات) في عصر محدد. ماذا يعني هذا للسرد؟ إذا مات "الإنسان" بوصفه ذاتاً متماسكة واعية، فكيف يمكننا الاستمرار في سرد قصص عن "أبطال" هم محور الكون؟ السرد التقليدي كان يدور حول الشخصية، دوافعها النفسية، صراعاتها الداخلية، وتطورها. لكن بعد "قتل الإنسان"، لم تعد الشخصية كائناً مكتملاً، بل أصبحت "وظيفة" سردية، أو عقدةً تمر عبرها الخطابات والقوى الاجتماعية. لم نعد نقرأ عن "هاملت" الإنسان، بل عن "هاملت" كموقع تتقاطع فيه خطابات السلطة، والجنون، والانتقام، والأسرة. وبقياس الأمر على الأدب العربي، لم نعد نقرأ رواية 'اللص والكلاب' لنجيب محفوظ بوصفها مجرد سيرة ذاتية لبطل مأساوي هو 'سعيد مهران'، بل نقرأ 'سعيد مهران' كموقع تتقاطع فيه خطابات الثورة وخيبة الأمل ما بعد 1952، وخطاب الأخلاق والانحطاط في المدينة (القاهرة)، وخطاب الخيانة بمستوياتها (الخيانة السياسية والاجتماعية والفكرية ). سعيد مهران ليس 'إنساناً' بمعنى الذات المتماسكة، بل هو وعاء فارغ تتصارع فيه هذه الخطابات والقوى الاجتماعية حتى تمزقه. هو ليس بطلاً، بل هو 'أثر' لخيبات جماعية، وظاهرة اجتماعية قبل أن يكون شخصية نفسية." لقد أصبح السرد استقصاءً عن القوى التي تشكل الذات، لا تعبيراً عنها. تذوب الشخصية في شبكة العلاقات التي تشكلها، ويصبح السرد نفسه هو البطل، أو بالأحرى، الشبكة التي تظهر عليها هذه القوى. تلاقي الجريمتين: تشريح سرد "ما بعد القتل" عندما يلتقي "موت المؤلف" مع "موت الإنسان"، يولد لدينا كائن سردي جديد، هجين ومفكك. إنه سرد "ما بعد القتل"، الذي يتميز بعدة سمات: تفكك الذات البطلة: الشخصيات لم تعد أبطالاً بالمعنى الكلاسيكي. إنها كيانات مشتتة، أسماؤها متغيرة، ماضيها غامض، دوافعها غير واضحة. إنها تشبه الشخصيات في أعمال صموئيل بيكيت أو فلوبير (في "التربية العاطفية")، حيث العجز واللامبالاة هما سيدا الموقف. تعدد الأصوات وتشظي المنظور: ينهار المنظور الواحد. الرواية لا تُروى من وجهة نظر بطولية واحدة، بل تتشظى إلى أصوات متعددة، أحياناً متناقضة، كما في "الصخب والعنف" لفولكنر. أورواية "صلاة القلق" الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر 2025) .السرد يصبح جوقةً لا قائد لها. اللعب والانزياحات المعدنية: النص يعلن عن ذاته كبناء لغوي. يتدخل الراوي ليقول إنه يختلق الأحداث، أو يحيل القارئ إلى عملية الكتابة نفسها. هذا الانزياح يمنع أي احتمال للوهم الواقعي، ويذكرنا باستمرار بأننا أمام نسيج من الكلمات، لا نافذة على العالم. القارئ الشريك في الجريمة: لم يعد القارئ متلقياً سلبياً. النص يترك فراغات متعمدة، ينتهي بنهايات مفتوحة، يقدم إمكانيات متعددة. القارئ مدعو ليس فقط للتأويل، بل للمشاركة في "قتل" المعنى الوحيد وإحياء معانٍ جديدة. النص يصبح لعبةً بين الغياب (غياب المؤلف والمعنى الثابت) والحضور (حضور القارئ وفعاليته). الخلاصة: في ضرورة القتل قد يبدو "سرد ما بعد القتل" قاتماً للبعض، كأنه نهاية لكل ما هو إنساني وجميل في الأدب. لكن العكس هو الصحيح. كان هذا "القتل" ضرورياً للتخلص من أوهام كبرياء الإنسان الذي ظن نفسه سيد الكون وسيد معناه. كان تحريراً للنص من سجن النية المؤلفية، وتحريراً للعالم من أسطورة الذات المطلقة. السرد، بعد بارت وفوكو، لم يمت. بل أصبح أكثر ثراءً وتعقيداً. لقد تخلى عن براءته الزائفة وواقعه المصطنع، ليعترف بأنه لعبة من لعاب اللغة والسلطة والمعرفة. إنه سردٌ يعترف بجرأته، سردٌ يخلق عالمه من فراغ السلطة، سردٌ يتقبل تشظيه ويحوله إلى فن. في "سرد ما بعد القتل"، يولد النص من رحم غياب خالقه، ويعيش كل مرةٍ يقرأ فيها، محمولاً على أكتاف قارئٍ حر، أخيراً، من سلطة الميتين: المؤلف والإنسان.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire