dimanche 26 octobre 2025
سرد ما بعد 'القتل': تفكيك سلطة الذات في النص الأدبي
مقدمة: من الثورة الفرنسية إلى ثورة التفكيك
شكّل النصف الثاني من القرن العشرين لحظة انعطاف جذرية في الفكر الغربي، يمكن وصفها بـ"الثورة الفرنسية الثانية"، لكن هذه المرة في مجال الأفكار. إذا كانت مقولة نيتشه "موت الإله" قد هزت الأسس الميتافيزيقية، فإن إعلان "موت المؤلف" لرولان بارت و"موت الإنسان" لميشيل فوكو مثلّت تصفية حساب مع المرجعيات المطلقة التي حكمت الفكر الغربي لقرون. في سياق السرد الأدبي، يشكل الجمع بين هاتين المقولتين ما يمكن تسميته بـ "سرد ما بعد القتل" - حالة وُجد فيها النص بعد اغتيال سلطة مصدره (المؤلف) وتفكيك سلطة موضوعه (الإنسان بوصفه فاعلاً مركزياً). لم يكن هذا الموت نهاية للسرد، بل كان ميلاداً لمرحلة جديدة يصبح فيها النص ساحة حرة لتجارب جمالية ومعرفية تعيد تعريف اللغة، والهوية، والمعنى.
المقتل الأول: من سلطة المؤلف إلى تحرير النص
في عام 1968، أصدر رولان بارت مقالته "موت المؤلف" كبيان ثوري ضد "طغيان" النقد التقليدي الذي كان يرى في المؤلف الإله الخالق، المصدر الأوحد للمعنى.
أ. تحرير النص من سجن النية
بالنسبة لبارت، النص ليس نتاجاً لذات فردية معبرة، بل هو "نسيج من الاقتباسات" الآتية من آلاف منابع الثقافة. الكاتب يتحول من "مؤلف" خالق إلى "ناسخ" (Scriptor) تنتهي مهمته بمجرد اكتمال الكتابة. كما يؤكد بارت: "لا يمكن إعطاء النص مؤلفاً إلا من خلال فرض حدّ عليه، وإغلاقه على معنى ثابت."
ب. ولادة القارئ: الفاعل الجديد
النتيجة المباشرة لموت المؤلف هي ولادة القارئ كمفسر وخلاق للمعنى. القارئ لم يعد متلقياً سلبياً يبحث عن المعنى الوحيد المختبئ وراء النص، بل أصبح "المكان" الذي تتجمع فيه كل الاقتباسات التي يتكون منها النص، والمشارك الفعال في خلق المعاني المتعددة. هذا التحرر يمثل نقطة الانطلاق الأولى نحو سرد ما بعد القتل.
المقتل الثاني: من مركزية الإنسان إلى تشظي الذات
تزامن هجوم بارت على سلطة الفرد في النص مع هجوم ميشيل فوكو الأوسع على مفهوم "الإنسان" في الفكر الغربي.
أ. تفكيك الأسطورة الإنسانية
في "الكلمات والأشياء" (1966)، أعلن فوكو أن "الإنسان" بصفته ذاتاً متعالية ومركزاً للكائنات هو مجرد اختراع حديث نسبي وُلد مع العلوم الإنسانية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وتوقع أن يزول قريباً "مثل رسم لوجه على رمال البحر". هذا التفكيك ينسف الفكرة القائلة بوجود ذات إنسانية ثابتة يمكن أن تكون مرجعاً نهائياً في السرد.
ب. من الذات إلى الوظيفة
في مقالته "ما هو المؤلف؟"، لم يقتل فوكو المؤلف بالحدة التي فعلها بارت، بل حوّله من ذات بيولوجية إلى "وظيفة المؤلف" (Author Function) - مجموعة من القواعد والآليات التي تفرضها المؤسسات على النص لتصنيفه وتأطيره. التأثير على السرد كان جذرياً: السرد لم يعد يهتم بعرض "تجربة إنسانية أصيلة" بل أصبح يعرض تفكك الأنظمة واللغات التي تُنتج هذه التجربة.
سرد ما بعد القتل: تشريح الجماليات الجديدة
عندما يجتمع موت خالق النص وزوال مركزه، يولد كائن سردي جديد يتميز بخصائص جمالية مبتكرة.
أ. انهيار السرديات الكبرى واحتفاء التشظي
يتخلى هذا السرد عن محاولات تقديم تفسيرات شاملة للعالم (التي كانت تمجد "الإنسان" و"التقدم")، متمثلاً بأفكار ليوتار عن نهاية الحداثة. الرواية لا تسعى للبحث عن الحقيقة النهائية، بل تحتفي بالتفتت، والتشظي، وتعدد الرؤى.
ب. تفكك الشخصية: من البطل إلى موقع التقاء الخطابات
الشخصية في سرد ما بعد القتل تفقد عمقها النفسي والوجودي. هي لم تعد ذاتاً ثابتة تستطيع تحقيق هدف، بل أصبحت مجموعة من الأقنعة أو نقطة تقاطع للخطابات الثقافية والاجتماعية. لم نعد نقرأ عن "هاملت" الإنسان، بل عن "هاملت" كموقع تتقاطع فيه خطابات السلطة والجنون والانتقام. وبقياس الأمر على الأدب العربي، لم نعد نقرأ "سعيد مهران" في "اللص والكلاب" كشخصية نفسية، بل كموقع تتقاطع فيه خطابات الثورة وخيبة الأمل ما بعد 1952، وخطاب الخيانة بمستوياتها المختلفة.
ج. التناص وكسر الإيهام الواقعي : الاعتراف بالبناء اللغوي
يزداد الاعتماد على التناص بشكل حاد، فالنص يعترف بأنه مجرد اقتباسات لا نهاية لها. كما يبرز ما يسمى بالانزياحات الميتا-سردية، حيث يعلن النص عن ذاته كبناء لغوي، معترفاً بأنه مُختَلَق، مما يتوافق مع فكرة "موت المؤلف" – فالنص لم يعد نافذة شفافة على واقع أو على عقل المؤلف، بل هو لعبة لغوية واعية بذاتها.
د. القارئ الشريك في الجريمة
في سرد ما بعد القتل، يصبح القارئ شريكاً أساسياً في اكتمال العملية الإبداعية. النص يترك فراغات متعمدة، ينتهي بنهايات مفتوحة، ويقدم إمكانيات متعددة. القارئ مدعو ليس فقط للتأويل، بل للمشاركة في "قتل" المعنى الوحيد وإحياء معانٍ جديدة. النص يصبح لعبةً بين الغياب (غياب المؤلف والمعنى الثابت) والحضور (حضور القارئ وفعاليته).
خاتمة: الموت التحرري وإعادة الولادة
في نهاية المطاف، كان "القتل" الذي أعلنه بارت وفوكو اغتيالاً تحريرياً. لم يهدف إلى القضاء على الأدب، بل إلى تحريره من أسر النزعة الإنسانية والنزعة الفردية الكلاسيكية. "سرد ما بعد القتل" هو إقرار بأن النص ليس مرآة للعالم أو انعكاساً لنفس الكاتب، بل هو بنية لغوية مستقلة، تتشكل وتتطور داخل شبكة معقدة من القراءات والخطابات.
هذا المفهوم يفتح الباب أمام النقد للتركيز على آليات السرد نفسها، ليصبح النص - لا المؤلف ولا حتى الإنسان - هو موضع الدرس الوحيد. من رحم غياب الخالق ومركز الكائن، يولد النص حراً، محمولاً على أكتاف قارئٍ حر، أخيراً، من سلطة الميتين: المؤلف والإنسان.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire