vendredi 9 janvier 2026

وعد ما بعد الحريق

اشترينا تلك الأرض ونحن نعرف، في أعماقنا، أن أعوامًا طويلة ستفصلنا عن بناء بيتٍ عليها. لم يكن في جيوبنا ما يكفي، لكن في قلوبنا كان ما يكفي من الإيمان. رأينا فيها استثمارًا في الغد، ووعدًا صامتًا بالمستقبل، ومرآةً نختبر فيها قدرتنا على تحويل الحلم إلى واقع. أردنا كوخًا جبليًا، صغيرًا دافئًا، لا يتسع إلا لنا نحن الاثنين، يكون ملاذًا من العالم. وكان شراء الأرض هو أول اعترافٍ بحلمنا. في عطلات نهاية الأسبوع، حين كانت بام تعمل نوباتٍ مزدوجة في المستشفى، كنت أقود وحدي نحو الجبل. أربط أرجوحةً قماشية بين شجرتين، وأستلقي تحت سماءٍ باردة صافية. كنت أنام على إيقاع أنفاسي، أستنشق مزيجًا من رائحة صمغ الصنوبر والأوراق العتيقة، وأستيقظ ببطء فيما سقفٌ أخضر كثيف من الأغصان يحجب عني شمس الصباح، كأنه يحرس نومي. لم تكن أرضنا سوى ثلاثة أفدنة، لكنها كانت عالَمًا كاملًا. أشجارها من أجمل ما رأت عيناي؛ سامقة، مهيبة، كأن كل غصنٍ فيها قضى عمره يشدّ نفسه نحو السماء. كنت أعلم أن اليوم سيأتي حين نبدأ البناء، وأن بعض هذه الأشجار سيُقطع. حاولت أن أُبقي قلبي على مسافة، لكن الأشجار كانت أذكى من حذري. لم أخبر بام، لكنني في سري منحتُ أشجاري أسماء. صنوبرة طويلة أسميتها «سامقة»، وبلوطًا ملتويًا دعوته «عوجاء»، وأرزًا كثيف الأوراق أطلقت عليه اسم أختي ريحانة. كان همس أوراقه حين تهب الريح يشبه صوتها وهي تُسكتني في طفولتنا. هنا، بين الأشجار، كنت أصير أكثر صمتًا، وأكثر خفة. كانت المدينة تترك جسدي، ويحلّ محلها هدوءٌ بدائي عميق. حين مرّ خبر الحريق عابرًا على الشاشة للمرة الأولى، لم نشعر بالقلق. فقد اعتدنا سماع أخبار حرائق الغابات، وكانت تبدو لنا دائمًا بعيدة. لكن في الليلة التالية، كان الحريق قد أُخمد بنسبة خمسة في المئة فقط، وكان يزحف نحونا. من شقتنا في وسط المدينة، لم نملك سوى الانتظار والأمل. غير أن الأمل، هذه المرة، كان أضعف من النار. وفي اليوم التالي، حين ظهرت خريطة المناطق المتضررة، عرفنا أن أرضنا قد ابتلعتها النيران. تحدثت التقارير عن إعصارٍ ناري، عن لهبٍ دوّار غيّر الطقس واجتاح التلال. لو حدث ذلك بعيدًا عني، لربما أبهرني علميًا. لكنه لم يكن بعيدًا. كان هناك، حيث علّقت أحلامي. شعرت بضعفٍ ينساب في جسدي، وبدوارٍ كأن النار مرّت من داخلي، أحرقت قلبي ورئتيّ. وحتى ماليًا، شعرت بالاحتراق؛ فقد وضعنا كل ما نملك في تلك الأرض. عندما فُتح الطريق إلى الجبل أخيرًا، كانت بام في عملها. لم أستطع الانتظار. قدت الجيب وصعدت وحدي، أبحث عن صورةٍ جديدة تحلّ محل تلك التي احترقت في ذهني. توقعت الخراب، لكن ما رأيته كان أقسى من كل توقّع. أزحت بقايا شجرةٍ سقطت في الطريق قبل أن أتمكن من التوقف. معظم أشجاري اختفت. وحده «ليبرون» كان ما يزال واقفًا. اقتربت منه، أجرّ قدميّ فوق رمادٍ أسود كثيف. وعندما وقفت أمامه، دفعته بكل قوتي، كأنني أستفزه ليسقط، ليعترف بالهزيمة. لكنه لم يتحرك. عندها احتضنته، احتضانًا يائسًا. تساءلت وأنا أضمّ جذعه: هل مات من الداخل؟ وهل للأشجار قلوبٌ تتألم؟ جلست إلى جوار جذعٍ محترق قد يكون «آنا». الفراغات من حولي كانت أفصح من الخراب ذاته. كنت أنوي البقاء دقائق، التقاط صورٍ لبام، ثم الرحيل. لكن شيئًا ما انكسر داخلي حين عانقت «ليبرون»، ولم أفهمه. حلّ الغسق، ولم أكن قادرًا على المغادرة. لم يعد المكان يبدو ملكًا لنا؛ كأن النار سرقته منا، أو أعاد تعريفه. مكثت ساعاتٍ لا أعرف عددها. نفدت بطارية هاتفي، ولم أرغب في تشغيل السيارة. الهواء مشبع برائحة نار مخيم، رائحة أحببتها دومًا لأنها تعني الصيف والمغامرة. أما الآن، فكانت تعني الفراغ والموت. نادَى طائرٌ في البعيد، فشعرت بعدم اتساق العالم. كيف يمكن للحياة أن تستمر وسط هذا الدمار؟ أستلقي وأنظر إلى الأعلى، أعلى من أغصان «ليبرون»، حيث بدأت النجوم تلمع. أتذكر فجأة أن النجوم نارٌ أيضًا. بين نقاط الضوء، السماء مظلمة، لكنها أقل ظلمة من الأرض المتفحمة والأشجار العارية. وأنا هنا، أشعر أنني جزء من هذا السواد. أحاول أن أتخيل البيت الذي سنبنيه يومًا ما. أرى في ذهني هيكله فقط، خطوطًا باهتة بلا ملامح. لكن في هذا السواد، ستنبت حياة جديدة. ستتجذر أشجار أخرى. بعض هذه الأشجار العتيقة، مثل «ليبرون»، لا بد أنها واجهت نارًا من قبل ونجت. ستشقّ لحاءها المحترق، وتولد من جديد. أشعر بأرواح الأشجار القادمة تحيط بي. ألمحها بطرف عيني، شفافة متوهجة، كأنها مصنوعة من الضوء—وعدُ الممكن. وفي هذا الظلام، أشعر بطاقةٍ عميقة تسري في عظامي. تلك القوة التي لم تتجسد بعد، قوة الأشجار التي ستولد، تبدأ بالتوهج داخلي أنا أيضًا. هذه الأرض موطنها وموطني. هنا سننمو، ونتحوّل، ونفنى. لكنها لا تنتمي إلينا. نحن من ننتمي إليها: إلى هذا التراب، وهذا الرماد، وهذا المكان… وإلى الأبد.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire