vendredi 30 janvier 2026
وحدها الديدان تعرف
تصدير: اُدخلْ هذه القصة بوعيِ من يرى ما وراء الحكاية وأعمق من السرد الظاهري للأحداث، لتكتشف كيف تُبنى السكينةُ فوق أنقاضِ استبدادٍ لم يترك لأبنائه سبيلاً للنمو سوى البتر، ويغدو الخلاصُ قصةً يكتبها الناجون بدمِ من لم يحسنوا الإنصات.
كل صباح حين أستيقظ، أطلُّ برأسي من النافذة لألقي التحية على أمي. لا تجيبني، لكن لا بأس؛ فلم تكن يوماً تجيد الإنصات، حتى قبل أن تُوارِى الثرى في حديقة منزلنا الخلفية.
أخي الصغير "زاد" يقضي معظم أمسياته لاعباً هناك. فبينما يهرع أقرانه إلى الملاعب بعد المدرسة، يتقافزون ويصرخون كقرودٍ صغيرة، يعود هو إليّ مباشرة. إنه يميل للعزلة تماماً كأخته الكبرى، وهو أمرٌ يملؤني بشيء من الفخر.
على تلك التربة المتعرّجة حيث ترقد أمي، تنبت أزهار برية. يروق لي أحياناً أن أتخيلها وهي تنبثق من عينيها ويديها وقلبها؛ لتكون هذه الأزهار هي الأشياء الجميلة الوحيدة التي أنجبتها أمي غير "زاد"، لكن تلك الصورة الذهنية خاطئة تماماً. فأنا أعلم يقينا أنها دُفنت ووجهها للأسفل. وأقرب شيء للزهرة هناك هو جمجمتها المهشمة؛ حيث أزهرت الدماء هناك بشكلٍ لم أرَ له مثيلاً قط.
لا يدرك "زاد" أنه يمشي فوق جثة أمه، تماماً كما كانت تفعل بنا حين كانت تدوسنا بلا رحمة. أجلس أنا في الشرفة الخلفية أراقبه وهو يعتني بـ "مزرعة الديدان" الخاصة به. تتلوى تلك المخلوقات الصغيرة وتتكاثر بين أنامله ذات الخمس سنوات. أحياناً، أتخيله يهمس بأسراره لتلك الديدان، فتمضي هي زاحفةً نحو أذني أمي الخاويتين، لتنقل إليها الخبر.
تشعر بالغيرة حين تعلم كم نحن سعداء بدونها. والديدان تقول إنني أفضل منها بكثير على أية حال؛ فأنا من يوقع على دفتر أخي المدرسي، وأنا من يغطيه في فراشه، وأنا من يطعمه خضرواته.. "هيا يا صغيري.. افتح فمك.. ها قد جاءت الطائرة!".
يركض "زاد" نحوي، فأداعب شعره بحنان وأقدم له كوباً من عصير الليمون الطازج. يجلس في حجري يحتسيه ونحن نتأمل معاً حديقتنا الخلفية.
أسأله: "ألسنا سعيدين هكذا؟".
فيهز رأسه بحماسٍ شديد..
والديدان أيضاً، تهز رؤوسها بالموافقة.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire