mardi 27 janvier 2026
سيّد العنف الصغير
***
يستيقظ متأخرًا،
كمن ينهض من حلمٍ ثقيل لا يجرؤ على تذكّره.
يفتح علبة مربّى صدئة،
يطعنها بشوكةٍ وحيدة-
آخر ما تبقّى من نظام في عالمٍ تغمره الفوضى.
حولَه نملٌ يزحف في صمتٍ مطيع،
ذبابٌ يدور كفكرةٍ قديمةٍ عن الإلحاح،
وشمسٌ تتدلّى من النافذة كيدٍ تعبث بما تبقّى من الغرفة.
لا يقصد الأذى،
لكن كلّ حركةٍ منه تترك جرحًا صغيرًا في الهواء.
حين يرشُّ قطرات الشراب على نملةٍ عابرة،
وحين يرى عنكبوتًا يهبّ للدفاع عن خيطه،
ترتسم على شفتيه برودةُ من يمسكُ بدفةِ عالمٍ مصغّر
ثمّ يتراجع إلى نفسه،
يخاف أن يكون هذا الذي يقتله هو ظله.
القطة تأتيه بالغنائم-
صرصورٌ مهشّم، جناحُ حشرةٍ لم يُكمل طيرانه.
ينظر إليها بامتنانٍ غامض،
كأنها تذكّره بما لم يشأ أن يراه في نفسه:
أنه، مثلها، يقتات على الهشاشة.
النهار يزحف نحو المطبخ،
يمدّ أنامله الدافئة فوق الحوض،
يغسل كلّ شيءٍ بنورٍ من معدنٍ بارد،
حتى يصبح الضوء نفسه أداةَ عنفٍ صغيرة.
كلّ شيءٍ يذوب: المربّى، النمل، الزمن،
وهو يراقب بصمتٍ متواطئ،
يُقنع نفسه أن الذوبان ليس فعلاً من أفعاله.
وفي المساء،
حين تبتلع الشمسُ آخر ما في الغرفة من أصوات،
يقول في سرّه:
ليس لي شأنٌ بما حدث،
إنه النهارُ الذي قتلهم جميعًا.
لكنّ الليلَ وحده يعلم:
العنف، مهما صغُر،
يبدأ دائمًا من مطبخٍ عاديّ،
ومن يدٍ لم تتعمّد القسوة،
ومن قلبٍ اعتاد أن يبرّر.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire