lundi 19 janvier 2026
الفراغ الذي لا يُملأ
لم يصرعه الفراغ بضربةٍ قاضية. لم يأتِ كجدارٍ من ظلامٍ ينهار فوق رأسه. كان انسحاباً، كالمدّ الذي يتراجع ببطءٍ عن شاطئ رملي، تاركاً وراءه مساحاتٍ رطبةً تتوسع، وأصدافاً فارغةً تلمع تحت الشمس بلا معنى.
ظلّ يمارس طقوسه. يفتح نوافذه على شارعٍ صامت، يستمع إلى نبض الثلاجة المنفرد، يتابع خط الشمس وهو يزحف على أرضية غرفته مثل مؤشرٍ على ساعةٍ ضخمةٍ لا تعيّن موعداً لأحد.
كانت الحياة قد تحولت إلى ديناميكا حرارية بحتة: حرارة تتبدد، أنظمة تنتقل من حالةٍ مرتفعة الترتيب إلى أخرى منخفضة، بلا عودة. كان التفكك يظهر انتصاره النهائي ليس في انهيار المباني، بل في تسطّح الأصوات، وتشظّي الذكريات المشتركة، وتبخّر الاحتمالات.
الأشياء هي ما أدرك غيابها أولاً. ليس الأشياء المفقودة، بل فكرة الأشياء. ملمس يد تلمس كتفه في زحام. حرارة نفسٍ قريبٍ من أذنه في سينما مظلمة. صرخة غضبٍ من شرفة مجاورة تقطع سكون الليل. تلك الضوضاء البشرية المزعجة، المُبهَمة، التي كانت تُشَكِّل خلفية الوجود. لقد اختفت نغمة الحياة المشتركة، تاركةً وراءها نغمةً واحدةً فقط: النبرة الصافية، العالية، المنفردة، والقاتلة لوعيه الخاص.
اكتشف أن الوجود المشترك كان يُنتج نوعاً من الاحتكاك، حرارةً عاطفيةً، كانت تمنعنه من التبلور. الآن، في هذا الصمت المُطبق، بدأ يتصلب. تحوّلت عاداته إلى طقوسٍ مقدسةٍ بلا آلهة. تحوّلت ذاكرته إلى متحفٍ لأشباحٍ لا يستطيع لمسها. كان يحيا في فراغٍ مكتمل المواصفات، حيث كل شيءٍ ماديٍّ قائمٌ في مكانه، إلا المعنى. العالمُ مازال هنا، لكن "التشارك" قد رحل.
الكارثة لم تكن حدثاً؛ بل كانت توقفاً. مثل فيلمٍ توقف عند إطارٍ واحدٍ ثم بهتت ألوانه بمرور الوقت. لم يعد هناك "نحن". لم يعد هناك "معاً". تحوّل "الآخرون" من أشخاصٍ إلى فجواتٍ في نسيج الواقع، إلى كدماتٍ غير مرئيةٍ في فراغ الغرفة. صار يشعر بهم كأشباح أطراف: يحس بوجود يدٍ لم تعد تمسك بيده، يتوقع تعليقاً لن يأتي، ينتظر ردة فعلٍ على ضحكه الذي يضيع في سكون الشقة.
في هذه الصحراء المصقولة من الصمت، صار إدراكه للشيء مساوياً لإدراكه لغيابه. كل قطعة أثاث، كل شارع مهجور، كل طبق في حوض الغسيل، كان يصرخ بصوتٍ أعلى مما كان: "انظُر! أنا هنا وحدي. انظُر كم أنا غير كافٍ. انظُر ما الذي لم يعد موجوداً حولي." الحبُّ تحوّل إلى غياب اللمس. الصداقةُ تحوّلت إلى غياب الحوار. المدينةُ تحوّلت إلى غياب الهدف من الشوارع.
الآن يفهم. لقد كان "الآخر" هو الذي يمنح "الأنا" حدودها. كان الاحتكاك مع البشرية هو ما يمنعنه من الانزلاق إلى فضاءٍ داخليٍّ لا نهائي. باختفائهم، اختفى الأفق. صار جزيرة، محيطا، سماء، والغريق في آنٍ واحد. الإدراك الحقيقي للشيء لا يأتي عند فقدان الشيء نفسه، بل عند فقدان القدرة على مشاركته. لقد أدرك الحميمية، فقط عندما صار جسده آخر وعاءٍ لها في الكون.
ما مات ليس العالم. العالمُ من حجرٍ وخرسانةٍ وزجاجٍ ما زال قائماً. ما مات هو المجال المشترك. المساحةُ غير المرئية التي كانت تتولد بين إنسانٍ وآخر، وتتحول إلى ضحكة، أو خصام، أو حب، أو مشروع. تلك المساحة قد انكمشت وتلاشت. وهو، كمشاهدٍ أخير، أدرك قيمتها الكونية فقط عندما وجد نفسه يقف في مكانها الخالي، وحيداً، يتسع ليملأ فراغها الذي لا يُملأ.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire