jeudi 29 janvier 2026

عن "أوهام العدم" ووصاية النقد

عن "أوهام العدم" ووصاية النقد: هل حقاً لم نكتب رواية بعد؟ بقلم: [اسمك] النص الأول : طالعتنا إحدى الصحف مؤخراً بتصريح لأكاديمي يدرّس الأدب بالجامعة التونسية، مفاده أننا "لم نكتب بعدُ رواية"، بل ويمضي في نفي الوجود عن "الرواية التونسية" جملة وتفصيلاً. والحقيقة أن هذا الحكم الصادم لا يستفز القرّاء والكتّاب فحسب، بل يطرح تساؤلاً جوهرياً حول المسافة التي تفصل بعض أسوار الجامعة عن حركية الإبداع في الشارع والمكتبة. إن الادعاء بعدم وجود رواية تونسية هو تجلٍ صارخ لموقف يتسم بـ "الاستعلاء الأكاديمي"، الذي لا يرى من الأدب إلا ما طابق قوالبه المسبقة وتعريفاته المدرسية المتكلسة. فالناقد هنا ينصب نفسه حكماً يمنح صكوك الوجود أو الفناء، متناسياً أن الرواية كائن مراوغ عصيّ على التعريف الجامع؛ فما هو "كوني" في الرواية ليس "موديلاً" معلباً في المختبرات النقدية، بل هو قدرة النص على ملامسة جوهر الإنسان بخصوصية بيئته. إن هذا الطرح يغفل حقيقة أن الناقد ليس سلطة معرفية فوق الروائي، بل هو تالٍ له. الروائي هو من يقتحم المجهول ويخلق العوالم من العدم، بينما يأتي الناقد ليقتات على تلك العوالم محاولاً فهمها. وحين يعجز الأدوات النقدية عن الإحاطة بمنجز محلي تراكم عبر عقود —من مغامرات البشير خريف إلى فتوحات الأجيال اللاحقة التي حصدت أهم الجوائز العربية والعالمية— فإن الخلل يكمن في "عين الناقد" لا في "جسد النص". علاوة على ذلك، يتجاهل هذا الموقف "حمال الأوجه" في العمل الروائي؛ فالرواية ملك لقرائها. وإذا كان المنظرون قد أعلنوا منذ زمن "موت المؤلف"، فمن باب أولى أن يكف الناقد عن لعب دور "الوصيّ" الذي يحدد ما يُقرأ وما يُعترف به. إن الروائي التونسي، الذي كابد تطويع اللغة واشتبك مع الهوية والتاريخ واليومي، لا ينتظر إذنَ عبورٍ من عقلية ترفض الاعتراف بالمنجز لمجرد أنه لا يطابق "كتالوجات" الغرب أو تنظيرات القرن الماضي. إن القول بـ "العدم" هو نوع من المبالغة التي تتجاوز النقد لتصل إلى حدود النفي الثقافي. الرواية التونسية موجودة، بدمها ولحمها، وبأخطائها وجمالاتها، وهي حية في وعي القارئ التونسي والعربي. أما البحث عن "رواية مثالية" في ذهن ناقد يرفض الاعتراف بالواقع، فهو ضرب من "الميتافيزيقا" التي لا علاقة لها بحيوية الأدب. ختاماً، قد يصح القول إننا نحتاج إلى نقد تونسي يواكب الرواية، لا إلى نقد يمارس عليها "التعالي اللاهوتي". فالإبداع لا يُخلق بقرار، والوجود لا يُنفى بجرّة قلم أكاديمية.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire