mardi 9 septembre 2025
حين يسكن الظلام
حين يسكن الظلام
كانت القرية ترقد في حضن الجبل، بعيدة عن كل طريق، يلفّها صمتٌ كثيف كغبار القرون.
منذ زمن بعيد، زحف إليها مرض غامض، أطفأ النوافذ في العيون، وأغلق أبواب النور إلى الأبد.
عاش أهلها في عتمة كاملة، حتى نسوا أن في الوجود شيئًا اسمه الضوء. أنجبوا أبناءً لا يعرفون سوى اللمس والروائح والأصوات، وصار العمى ميراثًا مقدّسًا، لا يُشكك فيه أحد.
وذات صباح، كان "بصير" يتسلق الجبل، يلاحق قمم الغيم، فانزلقت قدمه وسقط في قاع وادٍ مجهول.
نهض من غبار السقوط، فإذا بيوت بلا نوافذ، جدرانها مطلية بألوان فوضوية تصرخ عبثًا في الفراغ. قال في سرّه:
— لا بد أن النور لم يسكن هذه البيوت يومًا.
مضى ينادي بين الأزقة، لكن المارة مرّوا بجانبه كأن صوته لا يُسمع. اقترب من جماعة يجلسون إلى جدار، سلّم وسألهم عن القرية وحياتهم بين الجبال.
أجابوه باقتضاب، فأخبرهم عن سقوطه وعن بلدٍ وراء الجبل… بلدٍ يبصر فيه الناس.
ساد صمتٌ ثقيل، ثم جاءه صوتٌ متهكم:
— وما فائدة هذا الذي تسميه "البصر"؟ نحن هنا نعيش بخير بدونه.
قال آخر:
— ما تصفه فتنةٌ وخطر… النور يربك العقول ويزرع الخلاف.
حاول "بصير" أن يصف الشمس والماء والوجوه، لكن كلماته ارتطمت بجدارٍ من إنكارٍ وصلابة. ارتفعت الأصوات:
— هذا غريبٌ جاء ليهدم نظامنا.
— عيناك هما سبب جنونك. ننزعُهما لتشفى، ولتحيا مثلنا آمنًا.
عندها، شعر "بصير" أن الخطر ليس في الظلام الذي يغطّي القرية، بل في الظلام الذي يحرسه أهلها كما يحرسون حياتهم. فرّ هاربًا بين الأزقة الضيقة، حتى بلغ سفح الجبل.
وحين التفت نحو الوادي، لم يرَ سوى بقعة غارقة في عتمة كثيفة، يدور فيها الناس في دوائر لا تنتهي.
وتمتم في نفسه:
ليس "بلد العميان" مكانًا في الخريطة، بل حالة تعيش في القلوب والعقول.
هو كل أرضٍ يهيمن عليها الجهل ويُرفع فيها الظلام إلى مقام الحقيقة، ويُطارد فيها النور كأنه وباء.
هو كل مجتمعٍ يغلق أبوابه على نفسه، ويرفض الاختلاف كما يرفض الجرح الملح، ويبرّر الأذى لكل من تجرأ أن يرى ما لا يريدون رؤيته.
في "بلد العميان"، تُقاس الصحة بقدرتك على العيش في العتمة، ويُسمّى المبصر مريضًا، ويُحاكم النور بتهمة إرباك النظام.
وكلما ازداد الظلام رسوخًا، صار البصر جريمة… وصار الأمل في الفجر ضربًا من الجنون.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire