lundi 29 septembre 2025
الكتابة سفرًا أسطوريًا
القلم هو قصبة سومرية نُزعت من ضفاف الفرات، غُمس رأسها في دم الطين الأول، فرسمت على ألواح الطين أسرار الخليقة. هو إصبع الإله نبو حين كان يخطّ مصائر البشر على جدار الزمن.
الكتابة ليست حروفًا، بل بوابة جلجامش وهو يفتش عن عشبة الخلود؛ كل سطرٍ جذع شجرة تنمو في أرضٍ عطشى، وكل كلمة بحرٌ يخفي في قاعه سرّ الوجود. هي لعنات كنعانية تُرفع ضد الطغاة، وأناشيد معابد بابلية تُرتّل لتبقى الأرض حيّة.
الشهادة ليست موتًا، بل نزولٌ إلى العالم السفلي مثل نزول تموز، كي يعود بعد حين ربيعًا، مُحمّلاً بخصوبة الدماء. كل شهيدٍ هو بذرة مزروعة في تربة أوروك، ينتظر أن ينفجر قمحًا من نار.
أما البناء فهو برج بابل يُعاد تشييده من جديد، لا ليبلغ السماء فحسب، بل ليجعل الإنسان هو السماء. كل لبنة تُوضَع هي نجمٌ يُعاد إلى مداره، وكل جدار يُقام هو عظمٌ نُبعث من صمت القبور.
والمقاومة؟ هي نار بروميثيوس وقد تحوّلت إلى مشعل كنعاني، لا يطفئه ماء ولا دم. هي الطوفان المعكوس: ليس هدمًا بل قيامًا، ليس إغراقًا بل ميلادًا. هي أغنية إنانا حين تصعد من قاع الظلمات، لتعلّم العالَم أن النور لا يُؤخذ هبة، بل يُنتزع انتزاعًا.
هكذا يغدو القلم ألواحًا مقدسة، والكتابة سفرًا أسطوريًا، والشهادة معراجًا إلى الفردوس، والبناء إعادة خلق للكون، والمقاومة ملحمةً تُكتب بلا نهاية.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire