mercredi 18 mars 2026

نداء الفطرة وكرسيُّ الخفاء

للطبيعة نداءٌ لا يُرد، وبصفتي طبيبةً مستجدة في وحدة العناية المركزة الباطنية، لم تتدرب مثانتي بعدُ على مقاومة هذا الاحتياج البشري الغريزي. ست ساعاتٍ مضت والفريق الطبي يطوف بين الردهات، يحلل المعضلات ويرسم الخطط لمرضى هم الأكثر حرجاً في المستشفى قاطبة، لكن كوب الشاي الأخضر الذي تجرعته في السادسة صباحاً لا يعنيه أبداً أننا لم نقترب بعد من إنهاء العمل؛ كان عليّ أن أنصرف فوراً. تعدُّ العناية المركزة مكاناً يثير الانقسام في نفوس أطباء السنة الأولى؛ فبالنسبة لبعض الشخصيات، هي "الكأس المقدسة" والغاية المرتجاة، حيث تمنحهم الحالات الحرجة فرصاً لا تحصى لإجراء التدخلات الطبية الدقيقة. أما للبعض الآخر، فهي بؤرة للمخاوف، حيث المرضى غائبون عن الوعي، والتواصل لا يتم إلا عبر اجتماعات العائلات ونقاشات "لحظات الوداع". أما في عين الجمهور، فالعناية مكانٌ بارد، يضجُّ بأجراس الإنذار التي لا تنقطع، وبأحباءٍ يصارعون الموت، وبأطباء بلا أسماء يمرون عبر أبوابها كأرقامٍ في ساقية دوارة. تسللتُ مسرعةً من غرفة أحد المرضى ويممتُ شطري نحو الحمام، وهو الوحيد المخصص للطاقم الطبي في الوحدة. كان منزوياً في ركنٍ خلفي، باهتاً بلا لافتة واضحة. من الداخل، كان القحط سيد الموقف؛ فلا عطور فواحة، ولا مستحضرات تجميل، ولا حتى أطباق حلوى تكسر حدة المكان. فقط الضروريات: مرحاض، ومرشّ، ومغسلة.. وكرسي؟ توقفتُ مذهولة وأنا أغسل يدي؛ لم يكن شيئاً فاخراً، مجرد كرسي بلاستيكي بني عادي يقبع في زاوية مقابلة للمرحاض. كان مقعده مهترئاً من كثرة الاستعمال، وآثار الصدأ ترسم خطوطاً على البلاط المكسور تحت أرجله. لم أتمكن من منع نفسي من التساؤل: ما الذي يفعله كرسيٌّ في دورة مياه؟ مرت الأسابيع التالية في خضم فوضى الرعاية الحرجة. كنت أتعلم بالممارسة: عايني المرضى، تفحصي النتائج، حاديثي الذوي، اطرقي الأوردة، واحقني الأدوية. استحالت حياتي قائمة مهام لا تنتهي، تقطعها دروس عابرة من الأطباء المقيمين والزملاء. كان لهذا الإيقاع الرتيب نوعٌ من العزاء أحياناً؛ فأن تكون غارقاً في العمل يعني ألا تجد وقتاً للشعور بالضغط، أو لتذكر سريرك الفارغ في البيت، أو لتفقد رسائل عائلتك الصوتية. نسيتُ أمر الكرسي، وتعلمتُ وأد نداءات جسدي، وبدأت أشعر بتبلد الإحساس الناتج عن قلة النوم وفرط الكافيين. ثم دخلتْ "هي". دفع الممرض المحفة عبر الرواق، يحيط بها موكبٌ من الشاشات الوامضة والمحاليل المعلقة. استمعتُ إلى القصة التي تكررت على مسامعي حتى سئمتها: شابة في أواخر العشرينيات، وُجدت ملقاة في منزل صديقتها. توقف قلبها لعشر دقائق كاملة قبل أن يتمكن المسعفون من إنعاشه مجدداً. انقبض قلبي من الداخل؛ إنها في مثل عمري. وتوقف القلب يعني انقطاع الأكسجين عن الدماغ لعشر دقائق، وهي في عرف خلايا الدماغ "عمرٌ كامل". سلطتُ الضوء في عينيها فلم تتحرك حدقتاها. شعرتُ بسحابة سوداء تتبعها إلى الغرفة. بدأتُ أرتب ملاحظاتي الذهنية: اشتباه في موت دماغي، فحص علامات النشاط العصبي، إبلاغ الطبيب المقيم. لقد تمت برمجتيي تماماً لأشرع في "قائمة المهام". فجأة، رنّ جرس الطوارئ معلناً توقف قلب مريض آخر؛ تركنا كل شيء وركضنا في الرواق. في الصباح التالي، دخل الفريق الطبي بكامله غرفة الشابة. كانت عائلتها هناك، وأمٌّ تمسك بيد ابنتها المرتخية. اتجه الطبيب الاستشاري مباشرة إلى سريرها؛ كان قد استمع إلى عرضي للحالة قبل دخولنا، فلم يمهلها لحظة، بل التفت إلى الفريق، فحص بعض علامات النشاط الدماغي، ثم بدأ يمطرنا بالأسئلة الطبية. قاطعتْهُ الأم قائلة: "معذرةً يا سيدي.." رفع الطبيب يده لإسكاتها وقال: "عليّ أن أعلم فريقي، سأكون معكِ بعد دقيقة". في تلك اللحظة، شعرتُ بأجواء الغرفة تتشظى إلى مليون قطعة. اتسعت عينا الأم، وترقرقت الدموع فيهما، ثم التفتت إليّ -باعتباري الوجه الوحيد الذي رأته من قبل- وصرخت بمرارة: "هذه طفلتي! ليست مجرد جسد لتتعلموا عليه.. هذه ابنتي!" انفجرت العائلة بالبكاء حولها، محيطين بها كدرع واقٍ. انسحب الطبيب وتبعناه نحن. وبينما كنا نغادر، سمعتُ الأخت تهمس: "بعض الأطباء لم يعودوا يبالون". لم يكن الهواء خارج الغرفة أقل ثقلاً. تفرق الفريق، ووجدتُ نفسي أشعر بكل شيء كان التعب قد خدره. فررتُ إلى الحمام وارتميتُ على ذلك الكرسي. بكيتُ؛ بكيتُ من أجل الفتاة التي فقدت مستقبلها، ومن أجل عائلة فقدت ابنتها، ومن أجل الإدمان الذي يسرق أحلام الشباب والكهول، ومن أجل تدريبٍ طبي يجبرنا على التظاهر بأننا لسنا بشراً. على ذلك الكرسي المهترئ والصدئ، وجدتُ مساحةً لأشعر بكل تلك العواطف التي كبتها طول المناوبات، وقلة النوم، ونوبات الأكل العاطفي. غادرتُ الكرسي وعدتُ إلى العائلة. أمسكتُ بيد ابنتهم وشرحتُ لهم كل ما نفعله. منحتهم فرصة للسؤال، وتشاركنا لحظات صمت مفعمة بالتعاطف. لم يكن الأمر مثالياً، لكنه كان بداية. ولأول مرة منذ وقت طويل، نسيتُ "قائمة المهام". ضمتني الأم قائلة: "تمنيتُ لو أننا لم نلتقِ قط، لأن ذلك كان سيعني أنها لم تكن هنا أبداً. ولكن بما أننا التقينا، فأنا سعيدة لأنكِ أنتِ من كانت هنا". أثناء العناق، شعرتُ بجسدي يتصلب للحظة؛ فقد مرَّ أكثر من شهر دون أن ألمس بشراً بلمسة مودة وتعاطف. إن العناية المركزة مكانٌ يجمع بين الرجاء واليأس، تزدحم بالمعجزات والمآسي التي يفصل بينها ثوانٍ معدودة. إيقاعها المتسارع لا يترك وقتاً لرفاهية "تفريغ المشاعر"، ولهذا وضعوا ذلك الكرسي في الحمام. ولهذا يوجد في كل وحدة عناية مركزة كرسيٌّ في الحمام. الآن فهمت السر؛ إنه مكانٌ نعيد فيه الاتصال بتعاطفنا مع مرضانا.. مكانٌ نحارب فيه "الاحتراق الوظيفي" الذي قد يبقينا بعيدين وباردين كآلات كفؤة.. مكانٌ نشحن فيه بطارياتنا لنواصل محاولاتنا في ترجيح كفة المعجزات. إنه المكان الذي يسمح لنا بالاستمرار. إن رعاية أنفسنا بينما نرعى مرضانا توازنٌ يتطلب عمراً لإتقانه، لكني أنوي الاستمرار في المحاولة.. وسأعرف دائماً، أن ذاك الكرسي ينتظرني كلما احتجت إليه.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire