lundi 16 mars 2026
مدينةُ الانبثاق: نبوءة السحابة ونهاية "الواقع"
كان "إلياس" يُعدُّ واحداً من أدقِّ تروس مدينة "الواقع". لم يكن في نظر رؤسائه بشراً فحسب، بل كان رقماً مسجلاً في سجلات المصنع الكبير،
يحرك ذراعه مئة مرة في الدقيقة ليشد براغي آلاتٍ لا يعرف لها هدفاً.
في مدينته، كانت السماءُ سقفاً رمادياً لا يُنظر إليه، والوقتُ ليس إلا ساعاتٍ تُهدر من أجل البقاء، والجمالُ رذيلةً لا يمارسها إلا العاطلون.
وفجأة، حدث ما لم يتوقعه أطباء المدينة ولا مهندسوها. ظهر "الأزلي"؛ لم يكن رجلاً، ولا ضوءاً ملموساً، بل كان طيفاً من السكونِ غيّر كيمياء الهواء وهزَّ أركان الوعي.
في تلك اللحظة، توقفت ذراع "إلياس" الحديدية في منتصف الهواء، وساد صمتٌ مفاجئ في ركنه من المصنع.
اقترب منه صديقه "عُمر"، الذي كان وجهه مغطىً بطبقة من الشحم والضجر، ونقره على كتفه بعصبية:
"إلياس! استيقظ! التروس لا تنتظر أحلامك. إذا انكسر الإيقاع، سيعتبروننا قطعاً تالفة ونُلقى في الخارج."
التفت إليه إلياس، ولم تكن عيناه تعكسان ضوء المصابيح الباهتة، بل بريقاً غريباً لم يألفه عُمر من قبل. قال بهدوء:
"انظر إلى هذه القطعة المعدنية في يدي يا عُمر.. ماذا ترى؟"
سخر عُمر وهو يمسح يديه بخرقة متسخة:
"أرى برغي مقاس 12، مصنوع من حديد رديء، يجب أن يُركب في المحرك رقم 4 قبل أن يدق جرس الاستراحة. هذا هو الواقع، وهذا هو خبزنا."
هزّ إلياس رأسه مبتسماً، ورفع القطعة تجاه خيط ضياءٍ تسلل من ثقب في السقف:
"لا يا صديقي.. لقد كنت أراها مثلك لسنوات، لكنني الآن أرى شظية من نجمٍ تائه. ألا تشعر ببرودتها؟ إنها برودة الفراغ الذي جاءت منه قبل أن تُسجن في هذا القالب.
نحن لا نصنع محركات، نحن نعيد تجميع أجزاء الكون المبعثرة."
تراجع عُمر خطوة للخلف، وعلامات القلق ترتسم على وجهه:
"لقد أصابتك العدوى! يقولون إنها حمى مجهولة، تجعل العقل يرى غير ما تلمس اليد.
عد إلى رشدك، العالم في الخارج رمادي، صلب، وقاسٍ.. ولا مكان فيه للنجم الذي تتحدث عنه."
ردَّ إلياس وهو يضع "الصامولة" في جيبه بدلاً من تركيبها:
"العالم ليس رمادياً يا عُمر، نحن من طليناه بألوان تعبنا. هل سألت نفسك يوماً لماذا نعبد هذا الإيقاع؟ لأننا نسينا أننا نملك إيقاعنا الخاص.
انظر من النافذة.. تلك السحابة ليست بخاراً، إنها دعوة للرحيل. إنها سفينة 'إيما' التي تنتظرنا جميعاً."
اجتاحت العدوى، التي سماها الأطباء "حُمّى المجهول"، كل زاوية. في المدارس، وقف المعلمُ بذهول أمام تلاميذه وهم يمزقون خرائط الحدود.
صرخ طفلٌ وهو يمسك قلماً ملوناً: "الأرض لا تنتهي عند الخطوط السوداء يا معلمي! سأبني جسراً من الكلمات يصل بيننا وبين الغرباء".
وحتى خلف الأبواب المغلقة للأثرياء، سقطت الأقنعة. شوهد المصرفيُّ "سليمان" يجلس على الرصيف، يسكب قصائد الشعر على هوامش دفتر شيكاته،
بينما بائعة الخضار تغني الأوبرا ليقطينها، موقنةً أن الجمال هو السماد الوحيد الذي سيجعل الأرض تزهر حقاً.
اتجه الناسُ، كأنما يسوقهم دافعٌ غامض، نحو الجدار الذي كان يفصل مدينتهم عن الفراغ.
كان الجدار يوماً صخرةً صماء، لكنه تحت تأثير "الحمى" صار زجاجاً ملوناً يعبره الضياء.
هناك، وقف كلُّ واحدٍ منهم أمام زاويةٍ من الجدار، ورأى "إيما" الخاصة به. لم تكن امرأة، بل كانت المعنى الذي ضاع منهم؛ كانت للمصرفي حريته، وللعامل كرامته، وللطفل دهشته.
في تلك اللحظة، تهاوى اسم "مدينة الواقع" كقشرةٍ يابسة. أدركوا أن "العالم الأسوأ" لم يكن قدراً، بل كان كذبةً صدقوها.
لم يعد أحدٌ ينظر إلى ساعته، فقد بدأوا يحسبون أعمارهم بـ "كثافة الأحلام".
غادر إلياس المصنع وهو يمسك بيد عُمر الذي بدأ يرى -لأول مرة- زرقة السماء خلف الدخان.
وفي تلك الليلة، لم يمت أحدٌ من الشيخوخة، فما دام المرء يحتفظ بقطرة من مراهقته الأبدية، سيظل قلبه يخفق على إيقاع الكون.
لقد وُلدت المدينة من جديد، وأطلقوا عليها اسماً يليق بها: "إكلوزيون".. مدينة الانبثاق.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire