mercredi 18 mars 2026

الجزء الثاني: وريثُ الظلال

(قصة :مزرعة الديدان)( فيه تفاصيل إلقاء التحية من النافذة، والجمجمة المهشمة التي أزهرت دماءً، ومراقبة "زاد" وهو يعتني بمزرعة ديدانه فوق جثة أمه). مرّ عامٌ كامل، ولا تزال التربة في الحديقة الخلفية متعرّجة، لكنها لم تعد تنبت أزهاراً. لقد توقفتُ عن سقيها منذ زمن؛ فالعناية بالجثث ليست من شيمي، أنا أعتني بالأحياء فقط. "زاد" الآن في السابعة. لم يعد يركض كالأطفال حين يعود من المدرسة، بل يمشي بخطىً وئيدة، ثقيلة، كأنه يحمل في حقيبته حجارةً من القبر. لم يعد يكتفي بمزرعة الديدان الصغيرة؛ لقد حفر خنادق صغيرة تمتد كالعروق في أنحاء الحديقة، ويقضي ساعاتٍ يهمس لها بصوتٍ خفيض لا أستطيع تبينه مهما حاولتُ الاقتراب. أعددتُ له كوب عصير الليمون المنعش، وجلستُ في مكاني المعتاد على الشرفة. ناديتُه بصوتي الحنون الذي صقلتُه طوال عام: "هيا يا بطل.. حان وقت الاستراحة." لم يلتفت. ظلّ جاثياً على ركبتيه، يغرس ملعقةً معدنية كبيرة في الأرض بعنفٍ صامت. حين اقتربتُ منه، رأيتُ شيئاً جعل قلبي يتوقف للحظة. لقد كان يدفن دمية "الدب" الخاصة به، لكنه وضعها ووجهها للأسفل، تماماً كما فعلتُ بأمي. سألتُه بنبرةٍ حاولتُ جعلها عادية: "لماذا تدفن صديقك يا زاد؟" التفت إليّ ببطء. لم تكن نظرة طفلٍ يريد اللعب، كانت نظرةً باردة، خالية من أي بريق، تذكرني بتلك العيون التي أغلقتُها بيديّ قبل عام. قال بهدوءٍ مرعب: "أمي تشعر بالوحدة يا أختي. الديدان تقول إنها تفتقد لمسة يدٍ حقيقية.. ليست يد ديدان، بل يد تشبه يدكِ." ابتلعتُ ريقي. "الديدان مجرد حشرات يا زاد، لا تتحدث." ابتسم زاد، وهي المرة الأولى التي يبتسم فيها منذ شهور، لكنها كانت ابتسامةً ناقصة، كشقٍ في جدار قديم. "بلى، تتحدث. لقد أخبرتني كيف وقعتِ أنتِ على دفتري المدرسي بدلاً من أمي. وقالت لي أيضاً إن الطائرة التي تطعمينني إياها كل مساء.. هي طائرة محملة بالأكاذيب." مدّ يده الصغيرة الملوثة بالطين ولمس طرف ثوبي. شعرتُ ببرودة الطين تخترق جلدي. سألني وهو يميل برأسه جانباً: "ألسنا سعيدين هكذا؟" كرر سؤالي الذي كنتُ أوجهه له دائماً، لكن نبرته كانت تحمل تهديداً مبطناً لم أعهده من قبل. نظرتُ إلى الحديقة، وبدا لي أن الأرض بدأت تهتز قليلاً، ليس بفعل زلزال، بل كأن آلاف الديدان تحتنا قررت أخيراً أن تخرج لترى من سيوقع على الدفتر المدرس القادم. عدتُ إلى الشرفة أرتجف، بينما عاد زاد إلى حفره. لم يعد هو "الصغير" الذي أحميه، لقد أصبح الحارس الجديد لمقبرتنا العائلية. وحين غابت الشمس، رأيته يضع كوب الليمون الذي لم يشربه فوق بقعة رأس أمي.. ثم نظر إليّ وأشار بإصبعه نحو الأرض، هامساً بكلمة واحدة طارت مع الريح لكنها استقرت في أذني: "دوركِ." // الخاتمة: حَصادُ الديدان في الصباح التالي، لم أطلّ برأسي من النافذة لألقي التحية. لم تكن هناك أمٌّ لتسمعني، ولم يعد هناك ربيعٌ لأتظاهر به. وجدتُ "زاد" واقفاً في الرواق، يحمل حقيبته المدرسية بيد، وفي اليد الأخرى.. الدفتر. وضعه على الطاولة أمامي بصمتٍ غريب، وفتحه على الصفحة الأخيرة. لم تكن هناك خانة لتوقيع "ولي الأمر"، بل كانت الورقة مهترئة، ومثقوبة بآثار صغيرة تشبه ممرات الديدان. "وقّعي هنا يا أختي،" قالها بنبرةٍ لا تقبل الجدل. نظرتُ إلى الورقة، فارتعدت فرائصي. لم تكن هناك كلمات، بل كانت هناك بقعٌ داكنة، رائحتها تشبه رائحة التربة المبللة بعد المطر.. رائحة الحديقة الخلفية. وحين لامست ريشتي الورق، لم يخرج منها حبر، بل سائلٌ لزج أحمر، أزهر فوق الورق تماماً كما أزهرت الدماء فوق جمجمة أمي قبل عام. خرج "زاد" إلى المدرسة دون أن يلتفت خلفه. وحين عبر الحديقة، رأيتُ الديدان تخرج من خنادقها، تصطفُّ على الجانبين كأنها حرسٌ شرفي لملكٍ صغير. جلستُ وحدي في الشرفة، أنظر إلى الكرسي الفارغ الذي كان يشغله "زاد". شعرتُ ببرودةٍ تسري من تحت قدمي، كأن الأرض بدأت تفتح فمها لتطالب بحصتها من "السعادة" التي سرقتها. نظرتُ إلى الحديقة، فإذا بالأزهار البرية التي ظننتُها جميلة قد ذبلت فجأة، وحلّ محلها سوادٌ يزحف نحو عتبة المنزل. أدركتُ حينها أن "الربيع" قد انتهى، وأن ما زرعتُه بيديّ في تلك التربة المهشمة، بدأ أخيراً يؤتي ثماره.. ثمارٌ لا تؤكل، بل تأكل من يزرعها.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire