lundi 9 mars 2026

الحوار الأخير: في "حانة الوجود" المهجورة

الحوار الأخير: في "حانة الوجود" المهجورة اجتمع الخمسة (الساعاتي، البناء، البحار، والخياط، والاسكافي)في ركنٍ قصيٍّ من العالم، وضع كل منهم أداته على الطاولة الخشبية العتيقة.. ساد صمتٌ ثقيل، ثم بدأ الحوار: الساعاتي (يضبط عدسته المكبرة): "يا رفاق.. لقد أتعبني ملاحقة الثواني. الناس يظنون أنني أصلح ساعاتهم، بينما أنا في الحقيقة أحاول إقناع الزمان بأن يمهلهم قليلاً قبل أن يبتلعهم جدار الأزل." المعماري (يمسح الغبار عن ميزان الماء): "الزمان يا صديقي لا يرحم، لكن المكان أخطر. لقد بنيتُ قصوراً للسعادة فسكنها الحزن، وشيدتُ جدراناً للحماية فصارت سجوناً. كلُّ بناءٍ أرفعه هو مسمارٌ آخر في نعش الفراغ." البحار (رائحة الملح تفوح من كلامه): "أنتما تتحدثان عن الثبات، أما أنا فلم أجد ثباتاً قط. البحر يمحو كل أثر. البوصلة التي أحملها لا تشير للشمال، بل تشير دائماً إلى ما فقدناه في عرض المحيط. نحن جميعاً نبحر في موجةٍ ستكسرنا في النهاية." الخياط (يلضم إبرته بخيط الضوء): "البحر يمحو، لكنني أرتق. أحاول أن أستر عورات أرواحهم بأثوابٍ من الأمل. لكنني أعلم يقيناً أن المصير قماشٌ مبلل، ومهما كانت الغرزة متينة، فإن ريح الواقع ستمزقها لا محالة." الإسكافي (يطرق بمطرقته طرقاً خفيفاً على الطاولة): (ينظر إلى أحذيتهم المتهالكة ويصمت قليلاً، ثم يقول بصوتٍ خفيض): "كل ما قلتتموه صحيح.. لكن لا قيمة للزمان ولا للمكان ولا للستر إن لم تتحرك الأقدام. لقد رأيتُ أقداماً تدوس القلوب، وأخرى تنزف صبراً. الحياة يا رفاق ليست في الساعة التي تدق، ولا في الجدار الذي يرتفع، بل في الخطوة التي نجرؤ على اتخاذها.. حتى لو كانت نحو العدم." الساعاتي: "إذن، نحن جميعاً نصنع أدواتٍ لرحلةٍ لا نعرف نهايتها؟" الإسكافي (يضع مسماراً أزيناً وسط الطاولة): "نحن نصنع 'الوهم' الذي يجعل الرحلة محتملة. فليعد كلٌّ منكم إلى ورشته.. فالوقت يمر، والجدران تتصدع، والموج يعلو، والثياب تبلى.. والأقدام لا تزال تبحث عن طريق."

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire