mardi 19 mai 2026

حجر غامض

(رسائل النمل والغراب -عند حافة الجرف - ) "يجري في عروقه ربع دمٍ طارقيّ (أو بدويّ قُح)" ("كان الوادي الصغير جافاً، بل كان يكاد يكون جافاً طوال العام. سار الصبيان على امتداد مجراه الذي تحول إلى طين أحمر متفلق، تنبت فيه هنا وهناك بقع من شجيرات الشيح الهشة، قبل أن يجلسا تحت شجرة سمر/طلح انتصبت على الضفة كحارس لوّحته السنين... سأل أحدهما، وكان يُدعى "فَهد": "هل أحضرت ذلك الشيء معك؟" كان صبيًا ممتلئ البنية... يجري في عروقه ربع دم من بدو الطوارق من جهة أبيه...") ((المقطع الأول (الخاص بـ "فهد / بير"): سأل أحدهما، وكان يُدعى "فهد": "هل أحضرت ذلك الشيء معك؟" كان صبيًا ممتلئ البنية، ذا شعر فاحم كجناح غراب، وعينين غائرتين يغلفهما الكدر؛ يجري في عروقه ربع دم من بدو الطوارق من جهة أبيه، ولم يكن من عادته كثرة الكلام. المقطع الثاني (الخاص بـ "سرحان / وولف"): سأله رفيقه: "أي شيء؟" وكان الجميع يلقبون هذا الصبي النحيل، وهو من عائلة "السبعي"، بـ "سرحان" لأن الشيب قد غزا شعره مبكرًا. وكان في التاسعة من عمره، تمامًا مثل فهد.)) (("كان فهد يميل إلى فكرة الرسائل الغامضة؛ فمنذ أن توفيت والدته في حادث سير في تموز (يوليو) الماضي، وهو يترقب أي إشارة. كانت شاحنة صغيرة يقودها مخمور قد قطعت الإشارة الضوئية عند مدخل البلدة واصطدمت بسيارتها من الجانب، وهي في طريق عودتها من المتجر وصندوق سيارتها غاصٌّ بالمؤن.")) // كان النهر الصغير جافًا، بل كان يكاد يكون جافًا طوال العام. سار الصبيان على امتداد مجراه الذي تحول إلى طين أحمر متفلق، تنبت فيه هنا وهناك بقع من شجيرات الصحراء الهشة، قبل أن يجلسا تحت شجرة "بالو فيردي" التي انتصبت على الضفة كحارس لوّحته السنين. على مقربة من الشجرة، كانت بعض الغربان تنقر في الأرض، تهز أجسادها بالكامل وتنعق بين الحين والآخر بلا سبب مفهوم. أسند الصبيان ظهريهما إلى الجذع النحيل للشجرة الشبه عارية من أوراقها. وطفقا ينبشان الأرض بأصابعهما كما تنبش الغربان التربة بمناقيرها، ثم رفعا ذقنيهما وأطلقا صيحات مبحوحة يحاكيان بها الطيور التي امتصتها السماء كإسفنجة. سأل أحدهما، وكان يُدعى "بير" (الدب)—وهو اختصار لاسم برتراند كما اعتادت والدته الفرنسية أن تنطقه: "هل أحضرت ذلك الشيء معك؟" كان صبيًا ممتلئ البنية، ذا شعر فاحم كجناح غراب، وعينين غائرتين يغلفهما الكدر؛ يجري في عروقه ربع دم من قبيلة النافاهو من جهة أبيه، ولم يكن من عادته كثرة الكلام. سأله رفيقه: "أي شيء؟" كان الجميع ينادون هذا الصبي النحيل، الذي يحمل اسم عائلة 'السبعي' ب'سرحان"، لأن الشيب قد غزا شعره مبكرًا، ولأن الجناس الاستهلالي مع كنيته بدا رائعًا. وكان في التاسعة من عمره، تمامًا مثل بير. (أو :كان الجميع يُلقّبون هذا الصبي النحيل بـ 'سرحان'—وهو من عائلة 'السبعي'—لأن الشيب قد غزا شعره مبكرًا فمنحه مظهر الذئب، ولأن الجناس الاستهلالي مع كنيته بدا رائعًا.) "أنت تعرفه. تلك الصخرة التي وجدتها." أدخل وولف يده في جيب بنطاله وأخرج حجرًا صغيرًا. كان قد عثر عليه قبل بضعة أيام أثناء تجوله هنا فوق الهضبة مسطحة القمة، حين غاب بير لذهابه إلى طبيب الأسنان. كان جسمًا أسود أملس، محفورًا بمجموعة من الرموز المعقدة التي تشبه الخط الهيروغليفي. قال بير: "دعني أراه." ناول وولف الحجر لبير. لم يكن حجرًا كبيرًا حقًا؛ إذ استطاع بير أن يضمه في كف يده ويدثر تمامًا بأصابعه. كانت الحزوز دقيقة، ضحلة، ومتقنة، وكان عليك أن تميل الحجر بزاوية معينة لتراها بوضوح. قال بير: "أتساءل عما تعنيه." قال وولف: "ربما يعرف والدك." "ولماذا يعرف؟ إنه لا يعرف شيئًا." لم تكن علاقة بير بوالده على ما يرام؛ فالأب يقضي ساعات طوال في المصنع، ويعود إلى البيت ليرفع قدميه مسترخيًا دون أن يفعل شيئًا آخر يُذكر. "وماذا عن والدك أنت؟" "هو الآخر لا يعرف شيئًا." كان والد وولف يعمل موظفًا في مبنى البلدية، بقسم المياه والكهرباء. وكان يقطع الخدمة عن الأشخاص المتأخرين عن سداد الفواتير، بعد سلسلة من الإنذارات المكتوبة والشفهية التي تزداد وعيدًا مرة بعد مرة. وقد بدأ الشيب يغزو رأسه هو الآخر في سن مبكرة، وهي خصلة وراثية في عائلتهم. قال بير وهو يتفحص الحجر: "أعتقد أنه من الفضاء الخارجي. أسقطه طبق طائر أثناء إقلاعه، ولهذا السبب هو محترق ومتفحم بالسواد." راقب الغربان التي كانت تلمع تحت أشعة الشمس وهي تطير إلى بقعة أخرى. طارت بخطوط عشوائية، ثم حطت، وعادت تنقر الأرض بمناقيرها. وأضاف بير: "أو ربما هو غراب بلا أجنحة، غراب صغير تخلى عنه أبواه." فكر قليلًا ثم قال: "بيضة غراب." قال وولف: "هذا غباء. بيض الغربان ليس أسود مثل الغربان نفسها." "ليس غباءً. هذه الكتابة تخبرك بكل شيء عن الغراب الصغير بالداخل. ماذا تفعل، وكيف تطعمه وما إلى ذلك. إنها إرشادات." قال وولف، مازحًا بطريقته: "إنه ميت." ثم انتزع الحجر من يد بير وأعاده إلى جيبه مجددًا. انتظرا تحت شجرة "بالو فيردي" لبعض الوقت دون كلاك. كانت شمس الظهيرة تلفح رأسيهما كأنها مطرقة صفراء هائلة من لهب. كانت هناك شتى أنواع الحصى المتناثرة في كل مكان، فبدآ يقذفانها نحو مجرى النهر، مسببين اضطرابًا لبعض السحالي. فرت السحالي تبحث عن ظلال جديدة؛ كانت تحمل نفس اللون البني المحمر الشاحب الذي يكسو الشجيرات والتربة، وكان من الصعب رصد أجسادها الساكنة وهي تتشمس في الظل حتى تتحرك. سأل بير: "أين وجدته تحديدًا؟" "هنا في الجوار." "أجل، ولكن أين؟" "هناك، عند تلك التلة على ما أظن." كانت هناك قرية نمل على شكل قبة تبعد نحو خمسين قدمًا. وكان عدد من هذه الحشرات يبحث عن القوت في التراب حيث يجلسان، وبعضها يحمل أحمالًا ثاقلة. قال بير: "هذه تلة نمل. ربما النمل هو من صنع الحجر." "النمل لا يمكنه صنع شيء كهذا." "لقد صنعوا تلك التلة." "النمل لا يعرف الكتابة." "ربما يمكنهم الكتابة. ربما استطاع مليون نملة أن تحفر رسالة على صخرة." "أشك في ذلك." كان بير يميل إلى فكرة الرسائل الغامضة. فمنذ أن توفيت والدته في حادث سيارة في تموز (يوليو) الماضي، وهو يترقب أي إشارة. كانت شاحنة صغيرة يقودها مخمور خرج ليشتري الجعة قد قطعت الإشارة الحمراء واصطدمت بسيارتها من الجانب. كانت في طريق عودتها من المتجر، وصندوق سيارتها غاصٌ بالبضائع. قال بير: "لنذهب إلى الحافة." كانت المسافة مئة قدم تفصل بين حدود الهضبة وقاع الصحراء. وكان الصبيان يصعدان إلى هنا عبر الممر المتعرج على المنحدر الشمالي في كل يوم من أيام الصيف تقريبًا. نهضا الآن واتجها جنوبًا قبل أن يتوقفا على بُعد ياردة واحدة من الجرف الصخري الشاهق. بعد برهة، قال بير: "هل يمكنني رؤيته مجددًا، من فضلك؟" تنهد وولف، لكنه سلم لقمته النادرة إلى بير. اتخذ بير وضعية الرمي المعقدة التي تعلمها في دوري البيسبول للصغار، ثم قذف بالحجر فوق الحافة. حلق الحجر في قوس طويل، واختفى دون أن يصدر عنه أي صوت. همّ وولف بالاحتجاج بل وبالغضب، لكن السماء بدأت تمطر فجأة. انهمر الماء من السماء الزرقاء كأنه نصل خناجر فضية طعنت الأرض المغرة الصفرار. وسرعان ما انبثق من التربة الموحلة جيش من مخلوقات مستديرة، جاحظة الأعين. راحت تقفز في كل اتجاه، وتنطق بلغة من النقير كاد بير أن يصدق أنه يفهمها. وما إن توقف المطر حتى كانت الضفادع قد تجمعت كلها في البرك التي لا تحصى والتي تشكلت فوق الهضبة مسطحة القمة. ولأول مرة منذ عام، منادية الصبيين من أطراف الهضبة بأصوات ذائبة كأصوات أحلامهما، تدفق النهر الهارب. قال بير معلنًا، وقد غمرته سكينة الرضا: "أرأيت؟ لسنا وحدنا."

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire