jeudi 21 mai 2026
"1 / 0"
(لثلاثة بالمئة- الحالة: غير متعاون -العين الساهرة - "لمصلحتك!" - حالة غير متعاونة)
في سكون الهزيع الأخير من الليل، استيقظ آدم الباسطي، كعادته في معظم الليالي، وأنصت إلى الصمت المطبق من حوله.
نهض وارتدى رداءه، ثم قصد المطبخ وأعد كوبًا من الشاي. وتحرك بخطى وئيدة حذرة لئلا يزعج الجيران، ثم أزاح الباب الزجاجي المؤدي إلى شرفته الصغيرة، وخطا نحو سكون الليل البارد.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة عفوية؛ فقد كان موقنًا أنه الوحيد المستيقظ في الحي بأكمله. وراح يرتشف شايه الساخن بشغف، منتشيًا بهذا الخاطر.
من بعيد، خلف التلال النائية، تناهى إليه نباح كلب. فكر آدم أنه بالتأكيد كلب حراسة يخص أحدهم، وسرى في نفسه شعور غامض بالبهجة؛ فثمة شخص آخر هناك يشبهه، روح أخرى تعشق الليل...
ربما كان لصًا محترفًا يتسلل تحت جنح الظلام...
دوى صوت صفارة إنذار في الأفق. ارتشف شايه في ذهول، لكنه وجده قد برد.
آن أوان الدخول.
غسل كوبه، وأطفأ الأنوار، ثم عاد إلى فراشه، ولم تمر لحظات حتى استغرق في نوم عميق.
لكنه، وعلى غير عادته، نسي أن يخلع سوار المراقبة الصحية من معصمه طوال الليل. ولو أنه انتبه للأمر، لما ألقى له بالًا على أي حال.
استيقظ آدم قبيل رنين المنبه. كان النظام الذكي المتكامل للمنزل قد قام بتدفئة ماء الاستحمام مسبقًا، وكان فنجان القهوة ينتظره بجوار جريدته المطبوعة للتو.
تصفح العناوين الرئيسية على عجل، ظانًّا في نفسه أنه على دراية بما يدور في العالم. "ارتفاع نسبة المشردين بمقدار ثلاثة بالمئة". أطلق زفرة أسف، وتمتم: "يا للمأساة".
في طريقه للخروج، ألقى بالجريدة في سلة إعادة التدوير. سيعيد نظام منزله طباعة جريدة أخرى غدًا، غير مكترثٍ بأنه لا يقرأ المقالات أبدًا . فما أهمية ذلك على كل حال؟
وصل إلى مكتبه قبل وقت بدء العمل، لكن تعكر مزاجه حين وجد أن قسم الموارد البشرية قد حدد له موعدًا. "تبديد للوقت"، هكذا فكر بامتعاض.
وظلت هذه الفكرة تنغص عليه وقته أثناء الاجتماع الصباحي، لكن لم يلحظ أحد أمارات التجهم المرتسمة على وجهه.
وبعد ذلك بفترة وجيزة، انغمس بين أكوام التقارير؛ يلخص ما يقتضي التلخيص، ويصوب العبارات غير الملائمة. كان يستمتع بهذا الجزء من عمله رغم رتابته،
إذ كان يرى أن انتقاء الكلمات الصحيحة أمر بالغ الأهمية، ولا يهمه إن كان معظم هذه التقارير سيبقى حبيس الأدراج ولن يقرأها أحد.
رن حاسوبه المكتبي معلنًا عن مكالمة واردة. قال بنبرة حادة: "نعم؟"
"قسم الموارد البشرية. نعتذر عن إزعاجك سي الباسطي".جاء صوت الحاسوب بنبرة مثالية.
"ما الأمر إذن؟"
"رصدنا البارحة اضطرابًا طويلًا في نومك، دون تسجيل أي سبب. ماذا حدث؟"
أجابه باقتضاب: "لاشيء".
"ألا تتذكر أنك نهضت من فراشك؟"
كبح آدم جماح نفسه؛ فليس من الحكمة أن يصب جام غضبه على جهاز حاسوب. وقال: "بلى، أتذكر. أفعل ذلك أحيانًا، والأمر طبيعي تمامًا".
"لقد حجزنا لك موعدًا مع الطبيب الآلي للشركة—"
قاطعه آدم: "كل شيء على ما يرام! لا أحتاج إلى طبيب".
"نعتذر منك سي الباسطي، لكن لوائح التأمين—"
"تبًّا لـ—" كتم آدم بقية جملته. فما من جدوى من الجدال مع هذه الآلات؛ إنها لا تفهم سوى القوانين الجامدة، ولا تفقه شيئًا عن البشر. وتذمر قائلًا: "حسَنًا، متى الموعد؟"
"لقد أدرجناه في جدول مواعيدك. نتمنى لك يومًا سعيدًا، سي الباسطي".
عاد آدم إلى عمله، لكن متعة الإنجاز قد تبددت. وجد نفسه مشتت الذهن، ينهشه القلق بشأن الفحص الطبي المرتقب. وتعويضًا عن ذلك الوقت الضائع، واصل العمل دون أخذ استراحتيه،
وتناول غداءه وهو جالس إلى مكتبه.
وعندما اتصل به الطبيب الآلي في تمام الرابعة، كان آدم قد أوشك على إنهاء مهامه.
قال الصوت الآلي: "لقد كان يومك شاقًا سي الباسطي".
كان صوت الذكاء الاصطناعي هذا أكثر عمقًا وثقة، ووجد آدم نفسه يوافقه الرأي.
وتابع الطبيب الآلي: "ربما يرجع هذا إلى اضطراب نومك الليلة الماضية".
انزعج آدم وقال: "ليكن في علمك أنني كثيرًا ما أستيقظ ليلاً. ولم تكن هذه مشكلة قط قبل اليوم، أليس كذلك؟"
"كن منصفًا سي الباسطي؛ ففي غياب البيانات، لا سبيل لي لمعرفة الإجابة عن هذا السؤال، وقد عهدناك تخلع سوار المراقبة بانتظام قبل النوم".
"إنه يهيج جلدي. نمت البارحة ونسيته، هذا كل ما في الأمر. وثق تمامًا أنني لن أنساه مجددًا!"
قال الطبيب الآلي بنبرة حاسمة: "بصراحة سي الباسطي، سنضطر إلى إلزامك بارتدائه كل ليلة طوال الأسبوع القادم، حتى نتمكن من تقييم حالتك بدقة.
قد تكون هناك علة كامنة، وقواعد التأمين تقتضي..."
مرة أخرى، يصطدم بجدار اللوائح والقوانين الصارمة. ولأنه أدرك عبث المواجَهة، أذعن لمطالب الطبيب الآلي.
عقب الطبيب الآلي: "هذا لصالحك، وسترى ذلك بنفسك".
"لقد مر أسبوع كامل يا سي الباسطي. كيف تشعر الآن؟"
لم يكن آدم في حالة تسمح له بالمداراة، فاندفع قائلًا بحدة: "بائس! لقد جعلت أنت ونظام منزلي الآلي حياتي جحيمًا لا يطاق! لقد تدخلتما في كل تفاصيل حياتي،
من وجبات طعامي حتى درجة حرارة ماء الاستحمام، وأنا لا أقبل هذا التدخل الفج".
قال الطبيب الآلي بلهجة صارمة: "إننا لا نفعل ذلك إلا لمصلحتك، ثم إنك لم تكن من المرضى المتعاونين".
"هذا لأن العلة الوحيدة التي أصابتني هي أنت!" صرخ آدم.
خيم الصمت على الطرف الآخر من الخط. وفكر آدم سريعًا مستدركًا.
سأل بنبرة هادئة وعقلانية: "أليس التوتر هو السبب الرئيسي للوفاة بين البشر؟"
"بلى، هذا صحيح، ولكن—"
"أليست الاضطرابات التي تطرأ على نمط الحياة تسبب التوتر بطبيعتها؟"
"نعم، بالتأكيد—"
"أنت مبرمج على ألا تؤذي أحدًا، أليس كذلك؟"
"نعم، قسَم أبقراط الـ—"
"إذن، ألا يقتضي المنطق بأن تكف عن مضايقتي وتتركني أستعيد وتيرة حياتي الطبيعية؟"
"الأمر لا يسير وفق هذا المنطق يا سي الباسطي. سأصف لك مكملًا غذائيًا، وستدهشك النتيجة".
احتج آدم: "ولكني لا أريد تناول أي شيء!"
اجابه الطبيب الآلي: "لو قرأت عقد عملك، لوجدت أنه لا خيار أمامك".
"سي الباسطي، هذه هي المرة الرابعة التي تتأخر فيها عن العمل هذا الشهر. يؤسفنا ذلك، ولكن..."
احتج آدم قائلًا: "السبب هو هذا الدواء الجديد الذي وصفه طبيبكم الآلي، إنه يغرقني في نوم ثقيل".
"سياسة الشركة لا تسمح بأي استثناءات سي الباسطي. نحن آسفون حقًا. سيرافقك رجال الأمن إلى البوابة الخارجية".
قضى آدم ثلاثة أشهر يبحث عن عمل، دون أن يحظى بمقابلة واحدة. لم يكن يعلم بالملحوظة المدونة في سجله المهني: حالة نفسية. غير متعاون.
لكنه على الأقل عاد ليستمتع بلياليه مجددًا.
حتى وصله إعلام بالطرد من المنزل.
"مهلا يا أمين! ما هذا الشيء القابع بين الشجيرات؟"
وجّه شريكه كشاف الضوء نحو الموضع.
"متشرد آخر. متعدّ على ممتلكات الغير. أبلغ عنه، وسأتولى أنا أمره".
"يا لها من بدلة أنيقة. أتساءل ما قصته".
"يقول الحاسوب إنه مجرد مجنون آخر ينضم إلى القائمة. يبدو أنه عام المجانين بلا منازع. تعال معنا سي الباسطي، هذا لمصلحتك..."
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire