lundi 18 mai 2026

حتى إشعارٍ آخر

("حتى إشعارٍ آخر" أو "حصّالة الرصاص والقمح") حين لم تكن يداي تبلغان الجرس، كنتُ أطرقُ الباب. الآن، باتت يداي تبلغان الجرس.. لكن لم يعد هناك بابٌ لأطرقه. ألتفتُ وراءَ نفسي: قبل رنين جرس الفسحة بيومٍ أو يومين، كان "برنامج الأطفال" قد انتهى توّاً. وكعادتنا، أخذنا الكرة إلى الخارج، حين أوقفت لعبنا صفارةٌ طويلةٌ مريعة، فأخرست العصافير، وفي مكانٍ ما، سقط جنينٌ لم يولد بعدُ إلى الأرض. تسمَّر شاطىء غزة للحظةٍ على الشاطىء، ودُعينا نحنُ إلى لعبةٍ جديدة.. لعبةٍ تشتعل فيها الكراتُ ناراً بدل أن تهزَّ الشباك. حتى العصافير هدمت أعشاشها، وطوينا نحن طائراتنا الورقية. سكتَ الكبار. ومنذ ذلك الحين، ما عاد أحدٌ يمدُّ مائدةً تحت سقف. أخلعُ قميصي: شاطىء غزة لا يعرفني الآن. موجه المرّ حمل جثثاً منتفخةً خارج الذاكرة، نحو نسيان البحر.. كأن هذا الشاطىء لا يأتي بشيءٍ سوى العزاء. ألتفتُ وراءَ نفسي: أخرجوا حارس المدرسة المنسيّ من تحت الركام؛ يدٌ تقبض على خارطةٍ مجعّدة لفلسطين، والأخرى على منديلٍ تخلَّف عن رقصات الأعراس وبكاء المآتم. أما نحن، ورغم كل ما يزلزلنا من خوف، لم نملك إلا أن نفرح لإغلاق المدرسة «حتى إشعارٍ آخر». وُضعت تقويماتٌ جديدة على كل المقاعد، كل أيامها وُسمت بالأحمر: «حتى إشعارٍ آخر». أمضي لأتفقد زيتوناتنا المفجوعة؛ إنها تطلب حبلاً.. أكتافها احترقت وهي تحنُّ لأراجيح الأطفال، وحتى الآن، في كل يوم جمعة، تنفض الزيتونات الغبار عن ظلالها. ألتفتُ وراءَ نفسي: لكي أحتمل. الريحُ تملأ رئة المدينة برائحة الخراب. ما عاد أحدٌ يتقي عتاب الشمس تحت جدارٍ مائلٍ يتداعى عطفاً. وعودٌ خاوية. البطون لا تمتلئ بالخبز، بل بالرصاص. باعة الملح المفلسون أرسلوا أكياسهم إلى الجبهة لتصير متاريس للخنادق. الرعبُ عقد لسان جدتي؛ فلم تعد تقوى على تلاوة صلواتها المنسية. أولئك الذين يكبروننا بقليلٍ فقط، حملوا البنادق والآمال الساذجة، ومشوا، من أجل ألواننا الباهتة وأحلامنا الضائعة، حتى بلغوا تخوم المطر والجنون.. وبعد رصاصاتٍ معدودات، رحلوا، محمولين في طوابير جنائزية منكسرة. أما نحن، ولم يتبقَّ لنا وزنٌ أو قافية لنخسرها، فقد ابتكرنا مراثينا من الشعر الحرّ. بينما كانت أمي تقفل الباب، كان أبي يفتح قفص الطيور.. لكنَّ الحمامَ المطوَّق حلّق فوق الأشجار، غير آبهٍ بما يجري.. كانت تلك بداية منافينا، وبداية تقنين ضوء القمر، وتلك الليالي الطويلة المسهّدة تحت خيامٍ أضيقَ من أن تتسع لكل الأحلام المشردة التي حملناها. في تلك الأيام الأولى، نصبَ الجميع خيامهم وصلواتهم بقلوبٍ واجفة، وحيثما ارتحلوا، حملوا مفاتيح بيوتهم معهم.. ناسين أنه لم يسكب أحدٌ وراءنا ماء البركة حين تركنا المدينة وحدها. طوال هذه السنين، تصلّب قلبي كأنه الحديد؛ لم يكن بوسع شيءٍ أن يكسر غلافه سوى حيّ طفولتي. لكن الآن، كيف لي أن أركض برأسي المحلّق في الغمام عبر أزقةٍ مزروعةٍ بالألغام؟ كيف لي أن أقفز بشقاوةٍ فوق نارٍ لم تُشعل إلا للحرق، لا للعب؟ كم أختلق من الأعذار! أنا الذي عشتُ لسنواتٍ طوال أحلمُ في فقرٍ وتواضع، ولم أسمح لأحدٍ قطّ أن يمنَّ عليَّ بقرشٍ باسمي. كل ما أبتغيه الآن أن أوفّر قروشي القليلة في حصالتي.. لكن لأملأها هذه المرة بالرصاص والقمح. هذه المرة.. يصلُ صوتُ الريح؛ أشعرُ به مثقلاً بكلماتٍ لم تُقَل. أبلِّلُ إصبعي، وخلف الريح أمضي بغير هدى.. ساعاتٌ متأخرةٌ إلى الأبد. أجراس الفسحة يركبها الصدأ في الفناء. سياجاتٌ اقتُلعت. بذورٌ عقيمة. زيتون يئن. دُمىً ترتدي بزاتٍ عسكرية متشابهة. حساباتٌ مصرفية تتدفق بالدم. توابيتٌ مستباحة بلا أغطيةٍ ولا جثامين. أسقفٌ قرميدية بلا أجنحة. مزاريبُ سُدَّت حتى حافة الانفجار، وما زالت تعِدُ الزقاق بفرصة مطر. نوافذُ تُركت مشرعة. جدرانٌ تهاوت. وأزقةٌ سُحقت تماماً حتى ما عادت تحلم بالنهوض.. كأنها لم تعرف النور يوماً. أيها البحرالجميل المحمَّل بالملح والدمع، قُل لأسماكك التي تتقاذفها الأمواج أن تأتي وتؤنسُ القوارب الحزينة على ضفافك. فإنَّ بقايا الرقصات المنكسرة المتحجرة لن تُنتشل أبداً من تحت الركام الهابط، لتُعرض في أيّ متحف.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire