vendredi 14 novembre 2025

حين بدأت الوردة بالذبول

العنوان المقترح: تساقط العالم عنوان ثانٍ بديل: حين بدأت الوردة بالذبول النص: لم ينتبه في البداية إلى شيء. كانت الوردة في الكأس الزجاجي تنحني قليلًا كل صباح، لكنه ظنّ الأمر مجرّد عطش عابر، أو نزوة من نزوات النبات حين يودّ أن يستريح من بهرجته. لكنه مع الوقت بدأ يرى ما لم ينتبه لجذوره من قبل: الوردة لا تذبل وحدها، بل تأخذ معها أشياء لا تُرى. في اليوم الذي انحنى فيه رأسها أكثر من اللازم، لاحظ أنّ الضوء في الغرفة صار باهتًا، كأن النافذة تستسلم بدورها. اقترب منها، مسح زجاجها، لكن الضباب الذي كان يغشى الداخل والخارج لم يكن ضباب طقس، بل ضباب معنى. أدرك أن الأشياء حين تبدأ طريقها نحو الفناء، لا تفعل ذلك فرادى، بل تسحب العالم معها في سلسلة خفيّة. وفي اليوم التالي، رأى الشارع يتراجع خطوةً إلى الوراء. ليس الشارع نفسه، بل الحياة فيه: الخطوات التي كانت ممتلئة، الضحكات التي كانت تتدفّق، بائع الخبز الذي يفتح محله قبل الجميع… كلّهم صاروا نسخة شاحبة من الأمس. وكأن العالم ينسخ نفسه بطريقة رديئة كل صباح. لم يعد يخرج كثيرًا. أحسّ أنّ المدينة نفسها تفقد لونها القديم، وأنّ أصواتها تتحوّل إلى تمتمات متعبة. حتى المباني ـ تلك الجبال الصامتة ـ بدت كمن تتآكل من الداخل. وفي الليلة التي سقطت فيها آخر بتلة من الوردة، أدرك أنّ الأمر لم يكن عن زهرة ولا عن نافذة. كان شيئًا أكبر بكثير: العالم يذبل بالتتابع، كما لو أن كل الكائنات متصلة بسلكٍ واحد، فإذا انقطع عند أصغر نقطة، انطفأ كل شيء بعدها. جلس جانب الكأس الفارغ، وسمع في أعماقه صوتًا لم يكن خارجيًا: "كل ما يفنى، يبدأ بفناء قليل…" وفهم عندها أن سقوط العالم لا يحدث بضجّة، بل يبدأ دائمًا بوردة.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire