vendredi 14 novembre 2025
وردة خفية
لم أستيقظ في ذلك الصباح لأرى العالم مختلفًا.
لم تتغيّر السماء، ولم تُطفئ المدن أضواءها،
ولم تنطفئ الوجوه في الشوارع بعد.
ما تغيّر كان أصغر من أن يُرى،
كان مجرّد ورقة تخلّت عن خضرتها
في مكانٍ ما داخل صدري.
وردة خفيّة،
لم أعرف يومًا متى زرعتها،
ولا لمن كانت تهدي عطرها،
بدأت تتقلّص،
كأن اليأس يروّيها
بدل الماء.
ومن الوردة بدأ كلّ شيء.
في البداية صار الضوء أقلّ رغبةً في الوصول إليّ.
كانت النافذة مفتوحة كما كانت دائمًا،
لكن زجاجها بدا متثاقلًا،
يشبه عينًا لا تريد أن تراني.
ثم لاحظت أنّ الأشياء خلف الزجاج
لم تعد تُحيّيني كعادتها:
الطريقُ الصغير الذي يمرّ أمام البيت،
شجيرةُ الليمون،
القطّ الأسود الذي يتسكع عند السور.
كنت أنظر إليها جميعًا،
فتبدو لي كما لو أنّها تؤدّي دورًا ما،
دون أن تُصدّق نفسها.
كأنها مجموعة من الملامح
أُجبرت على الوجود.
ثم انفتح الشارع على فراغه.
لم يختفِ الناس،
لكن أصواتهم صارت بلا وزن،
كأن كل كلمةٍ تسقط من أفواههم
ولا تجد أرضًا تستقرّ عليها.
كنت أمشي بينهم
وأشعر أنني أتحرّك في حلمٍ لا أعرف نهايته،
ولا أعرف إن كنت أستطيع الاستيقاظ منه.
لم أعد أتوقّف عند محلّ الخبز،
ولا عند بائع الجرائد،
ولا عند الشيخ الذي كان يحيّي كل مارٍّ بضحكة ثابتة منذ عشرين سنة.
كان كل شيء كما هو،
لكن شيئًا واحدًا كان غائبًا:
ذلك الخيط الذي يربط الأشياء بقلبي.
ثم بدأت المدينة تتلاشى من داخلي.
وهي التي كانت تملأني ضجيجًا وازدحامًا
صارت فجأةً ككتابٍ فُقد عنوانه؛
يمكنك قراءته،
لكنّك لا تعرف لماذا كُتب.
الأماكن التي أحببتها
فقدت أصواتها.
حتى الأماكن التي كرهتها
لم تعد تُثير فيّ شيئًا.
كأن مشاعري القديمة
قدّمت استقالتها فجأةً
وتركَتني دون بديل.
وحين تذبل المدينة في القلب،
يصبح العالم نفسه هشًّا،
وزهيدًا،
ومتعبًا بطريقةٍ لا يمكن تفسيرها.
كنت أنظر إلى الجبال،
فأراها مثل شخصٍ يقف بعيدًا
ويفكّر إن كان يجب عليه البقاء أو الرحيل.
كنت أنظر إلى البحر،
فأجده يكرّر أمواجه دون اقتناع،
كعاملٍ يكرر حركة لا يعرف لماذا مُطالب بها.
كنت أنظر إلى الليل،
فلا أرى فيه سوى سوادٍ مرتبٍ بعناية،
لكن بلا نجمة واحدة
تلوّح من بعيد.
وعرفتُ في تلك اللحظة
أن العالم لم يتغير.
أنا الذي تغيّرت.
فالكون لا يذبل.
الذي يذبل هو القلب الذي كان يقرأه.
وعندما تنطفئ الوردة الأولى،
يخسر الإنسان القدرة
على تسمية الأشياء بأسمائها،
وعلى الشعور بأن الأرض صالحة للخطوة،
وأن الهواء صالح للتنفس،
وأن الحياة تستحق أن تُحكى.
ومن يومها بدأت رحلة طويلة
بحثت فيها عن وردةٍ أخرى
لا تستسلم للذبول.
وردة لا تحتاج ضوءًا كي تحبل بالضوء،
ولا تحتاج معنى كي تخلق المعنى.
وردة صغيرة،
لو بقيت حيّة،
سيعود معها كل شيء:
النافذة، الشارع، المدينة،
بل وحتى العالم.
وربما — فقط ربما —
يكفي أن تولد وردة واحدة
ليولد الكون من جديد.
Inscription à :
Publier les commentaires (Atom)
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire