mardi 18 novembre 2025

الإصلاحُ الثقافي

بِاسمِ الثقافةِ تبدأُ معاركُ التغييرِ الكُبرى، وفي أعماقِها تُختزَنُ أسبابُ النهوضِ أوِ الانحدار. فالإصلاحُ الثقافي ليس ترفاً فكرياً يُناقشُ في أبراجٍ عاجية، بل هو ضرورةٌ وجوديةٌ لمجتمعاتنا التي تتوقُ إلى الخروجِ من دائرةِ التخلفِ التي استمرأتْها. إنه عمليةٌ معقدةٌ تشبهُ عمليةَ البعثِ من جديد، حيثُ لا يكفي أن نُصلحَ المؤسساتِ والهياكلَ الظاهرة، بل يجبُ أن نغوصَ إلى أعماقِ النفوسِ، إلى ذلك العالمِ الخفيِّ من التصوراتِ والقيمِ والعاداتِ التي تشكلُ "الهابيتوس" الجمعيَّ لأمتنا. فالتحدي الحقيقيّ لا يكمنُ في تشخيصِ أعراضِ الأزمة، بل في جرأةِ مواجهةِ جذورِها الثقافية. كم من مشاريعَ إصلاحيةٍ فشلتْ لأنها لم تمسَّ العقليةَ التي أنتجتْ التخلفَ أصلاً! إننا بحاجةٍ إلى نقدٍ ذاتيٍّ جريء، لا إلى مواجهةِ الآخر، بل إلى مواجهةِ أنفسنا، إلى مساءلةِ تراثنا دونَ انبهارٍ أو انغلاق، إلى فحصِ منظومتنا القيميةِ التي قد تكونُ هي الحاجزَ الخفيَّ بيننا وبينَ التقدم. ولكنْ كيف السبيلُ إلى ذلك؟ الإصلاحُ الثقافيُّ لا يُختَزَلُ في وثائقَ وخططٍ نظريةٍ تُحاكُ في غُرفٍ مغلقة. إنه حوارٌ دائمٌ مع الواقع، تفاعلٌ حيٌّ مع تعقيداتِ المجتمعِ وتركيبته. إنه يقتضي الانخراطَ في الفضاءِ العام، والاستماعَ إلى نبضِ الشارع، وفهمَ لغةِ الناسِ وهمومِهم اليومية. فالثقافةُ ليستْ مجموعةَ نصوصٍ مجردة، بل هي الحياةُ نفسُها بأفراحِها وأتراحِها، بأحلامِها وإحباطاتِها. ولا يعني هذا الانفتاحَ الذوبانَ في ثقافاتِ الآخرين، بل يعني القدرةَ على انتقاءِ الأفضلِ من تراثِنا والأفضلِ من تجاربِ الأممِ الأخرى، لصياغةِ هويةٍ ثقافيةٍ جديدةٍ تتسمُ بالانفتاحِ دونَ انسلاخ، والأصالةِ دونَ جمود. إنها معادلةٌ صعبةٌ تتطلبُ حكمةَ المستشرقِ في فهمِ التراث، وحكمةَ الثوريِّ في شجاعةِ التغيير. وفي هذا السياقِ يصدقُ قولُ مالكِ بن نبي: "إن مشكلاتِ الحضارةِ تبدأُ في عالمِ الأفكار، وفي عالمِ الأفكارِ يجبُ أن يُبحثَ عن حلِّها". فكما أن المرضَ يبدأُ من الخللِ في الخلية، فإنَّ تخلفَ الأممِ يبدأُ من الخللِ في الفكرة. والإصلاحُ الحقيقيُّ يبدأُ من إصلاحِ العقلِ الذي يُنتجُ الأفكار، والروحِ التي تُصدرُ الأحكام، والوجدانِ الذي يختارُ القيم. فلا عجبَ أن تكونَ معركةُ الإصلاحِ الثقافيِّ أشرسَ المعارك، فهي معركةٌ مع الذاتِ قبلَ الآخر، مع الموروثِ قبلَ المستجد، مع المسكوتِ عنه قبلَ المُعلَن. لكنها في النهايةِ المعركةُ التي تستحقُّ أن نخوضَها، لأن الثقافةَ هي الهويةُ والذاكرةُ والحلمُ معاً. وهي الضمانةُ الوحيدةُ لنهضةٍ لا تكررُ أخطاءَ الماضي، ولا تستوردُ حلولَ الآخرين، بل تنسجُ طريقَها الخاصَّ نحوَ المستقبل.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire