vendredi 14 novembre 2025

تداعي الأشياء البعيدة

عنوان مقترح: السقوط من الداخل عنوان ثانٍ: تداعي الأشياء البعيدة النص: لم يكن يعلم أن الوردة التي وضعها قرب السرير ستعلّمه درسًا طويلًا في طريقة موت العالم. بدا الأمر بسيطًا في البداية: انحناءة خفيفة، نقطة ذبول بالكاد تُرى، جفاف على أطراف بتلة واحدة. لكنه لاحظ، دون أن يعترف لنفسه، أنّ شيئًا في داخله كان ينحني معها، كأن الوردة ليست نباتًا بل جهاز قياس سرّي لشيء خفيّ فيه. وفي اليوم الثالث، حين تغيّر لون الوردة قليلًا، اكتشف أن النافذة تغيّرت بدورها. لم يعد ضوء الصباح يدخل كما كان، ليس لأن السحب كثيفة، بل لأن الزجاج نفسه صار حزينًا. كأن النافذة لم تعد نافذة، بل جفنًا متعبًا لا يريد أن يُفتح. حاول أن يراقب الأمر بعقلٍ بارد، لكنه أحسّ أن النافذة تعكس شيئًا من داخله هو، لا من الخارج. أدرك حينها فكرة وجودية ظلّ يسمعها دائمًا ولا يصدّقها: الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما ينهار هو. وفي اليوم السابع، بدا الشارع مختلفًا. الأصوات خافتة، الخطوات متردّدة، السيارات تسير ببطء لم يفهم سببه. لكنه، وهو ينظر من النافذة، شعر أن الشارع ليس شاحبًا في الحقيقة، بل هو الذي فقد القدرة على رؤية الحيوية. كانت الحياة تمشي كما اعتادت، لكن عينه لم تعد تمتلك الضوء الكافي لقراءتها. كان الأمر يشبه انسحابًا بطيئًا للمعنى، طبقة بعد طبقة. ومع مرور الأيام، لم يعد يميّز بين ذبول الأشياء وذبوله هو. كان العالم يفقد طبقاته كما يفقد هو طبقاته الداخلية: قطعة من يقينه تسقط، ثم قطعة من صبره، ثم شيء من وضوحه القديم. مثل مدينة تُهدم من داخلها بينما الواجهات ما تزال قائمة. ثم جاء اليوم الذي اكتشف فيه أن المدينة برمّتها أصبحت بلا نبرة. لا فرح واضح، لا غضب واضح، لا صخب يليق بمدينة حقيقية. فقط حياة تمشي بميكانيكية بطيئة، كأن الجميع يتحرك بدافع القصور الذاتي لا بدافع الرغبة. جلس بالقرب من الوردة التي لم يبق منها إلا ساق يابس. قفز في ذهنه شيء لم يستطع مقاومته: ربما لا يذبل العالم بالتدرّج من الوردة إلى النافذة إلى الشارع إلى المدينة. ربما يحدث العكس تمامًا: ربما الوردة لم تكن سوى آخر نقطة ظلّت قادرة على إظهار الحقيقة. ربما كان العالم ذابلًا منذ البداية، وهو الذي كان يتأخر في رؤيته. أغمض عينيه، وعرف أخيرًا أنّ الأشياء لا تسقط حول الإنسان إلا حين يسقط هو أولًا. ذلك أنّ الوجود ـ كما قال فلاسفة كثر ـ ليس مادة العالم، بل نظرة المرء إليه.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire