vendredi 14 novembre 2025

الانزلاق الهادئ للأشياء

عنوان مقترح: حين تغيّر الصوتُ جهةَ العالم عنوان ثانٍ: الانزلاق الهادئ للأشياء النص: في ذلك الصباح، لم ينتبه للوردة أول الأمر. بدت كما كانت دائمًا، واقفة في كأس زجاجي شفاف، تتنفّس بصمت. لكن حين مرّ بمحاذاتها، لاحظ أن ظلّها على الطاولة صار أضيق قليلًا، كأن الوردة صغرت خلال الليل أو أن الضوء تراجع خطوة إلى الخلف. لم يُعِر الأمر اهتمامًا، لكنه شعر بشيء خفيف في صدره، مثل خيط مشدود لا يعرف أين يبدأ ولا إلى أين ينتهي. فتح النافذة ليدخل الهواء، فإذا بالنافذة تتثاقل في يدَيه. كان الزجاج باردًا على غير عادته، والهواء الذي دخل لم يكن حارًّا ولا باردًا، بل أشبه بنَفَسٍ فقد شكله. رأى الغبار يتحرك ببطء فوق عتبة الضوء، كأن هناك زمنًا آخر يسري في الغرفة. توقّف لثوانٍ طويلة، مدركًا أن النافذة لم تعد نافذة فقط، بل حدودًا جديدة تحاول أن تقول شيئًا عن الداخل لا عن الخارج. في الشارع، كانت الأصوات منخفضة لا بسبب الضجيج القليل، بل لأن الأصوات نفسها بدت وكأنها تصدر من مكان أبعد مما ينبغي. خطى المارة كانت قصيرة، كأن الأرض تسحبهم نحو عمقها لا نحو وجهاتهم. السيارات تمرّ بلمعان باهت، كأنها مغموسة في غيمة لا تُرى. حتى الأشجار التي يعرفها منذ سنوات لم تتحرك كما اعتاد؛ أوراقها ترتجف ببطء، كأن الريح نفسها تجرّ أقدامها وهي تعبر. لم يكن يفهم ما الذي يحدث، لكنه شعر أن الأشياء تتنحّى قليلًا عن أماكنها، كما لو أن العالم ينزلق عن محوره درجة واحدة كل يوم، دون أن يلاحظ أحد ذلك سواه. في المساء، حين عاد إلى غرفته، وجد الوردة منحنية قليلًا. لم تسقط بتلاتها، لكنها بدت كأنها تُصغي إلى شيء في الأرض. اقترب منها. هناك رائحة خفيفة لم تكن موجودة من قبل، ليست رائحة ذبول، بل رائحة مكانٍ لم يعد يعرف كيف يحتفظ بسره. شعر بأن الوردة تنظر إليه رغم أنها بلا عينين، كأنها تسأله عن خبرٍ يعرفه ولم يبح به بعد. جلس قرب النافذة المظلمة. أصابع الليل كانت تتسلل ببطء، وتلمس ظهر الأثاث، وتتوقف لحظة فوق الكتب، ثم تواصل السير. كل شيء في الغرفة كان يتمهّل، كأن الزمن يحاول أن يمرّ دون أن يوقظ أحدًا. وفي لحظة ما، لم تكن طويلة ولا قصيرة، شعر بأن المسافات داخل الأشياء صارت أكبر. الوردة بدت أبعد، النافذة أبعد، الشارع أبعد، والمدينة كلها كأنها تتحرك إلى الخلف خطوة خفيفة، لا يسمعها أحد، لكنها تكفي ليختلّ الهواء بينه وبين العالم. لم يخَف. كان يعرف، بطريقة لا يُجيد شرحها، أن هذا الابتعاد ليس رحيلًا، بل تحوّلًا بطيئًا يشبه تبدّل نبرة في أغنية. الأغنية هي نفسها، لكن وقعها لم يعد كما كان. مدّ يده نحو الظلّ الذي تضخّم على الجدار، كأنه يبحث عن شيء يسنده. وفي تلك اللحظة القصيرة، بدا له أن الوردة، والنافذة، والشارع، والمدينة… كلها تتنفّس معه إيقاعًا واحدًا، كأن العالم يحاول أن يعيد ترتيب نفسه من حوله، ببطء شديد، وبنية لا يعلنها. لم يفهم ما الذي تغيّر في الحقيقة: هل كانت الأشياء تنسحب من حوله… أم أنه هو الذي تحرّك قليلًا خارج مكانه القديم دون أن ينتبه؟ لكنّه شعر بيقين غامض أنّ شيئًا ما انزاح، وأن العالم لن يعود بالضبط كما كان قبل أن يصير ظلّ الوردة أضيق.

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire